والجواب: أنه لا غرض في تأخير الحد في دار الإسلام، وفي مسألتنا فيه غرض صحيح من الوجه الذي بينا؛ فلهذا فرقنا بينهما فعلتهم يستحب تأخيره في دار الحرب، ولا يستحب تأخيره في دار الإسلام (^١).
فإن قيل: إنما استحببنا تأخيره؛ لأن الإمام مشغول بما هو أهم من جمع الغنائم وقسمتها (^٢).
قيل: كان له يستنيب في إقامته كما يستنيب فيما لا تقوم به من الأمور (^٣).
٢٤ - ١٠ مسألة: إذا دخل مسلمان دار الحرب بأمانٍ فقتل أحدهما صاحبه عمدًا لزمه القود، وكذلك من أسلم هناك ولم يخرج إلينا حتى يخرج مسلم، نص عليه في رواية صالح (^٤)، وابن منصور (^٥)، في المسلم يسبيه العدو فيقتل هناك أو يزني ما أعلمه ألا تقام عليه الحد إذا خرج، ونقل أبو طالب (^٦) عنه في الرجل يكون أسيرًا في بلاد العدو فيقتل مسلمًا في بلاد الروم؛ فهو لأهل أن يقتل قد قتل مسلمًا قيل له تذهب إليه؟
قال: ما أدري قد كان عطا يقول: لا يقتل قد قتل في غير الإسلام (^٧).
قلت: ما تقول أنت؟
قال: لا أدري.
قلت: فقتل أو زنا ثم لحق بأرض العدو، وقال ليس في هذا خلاف أنه يقام عليه إذا صار إلى المسلمين، وظاهر كلامه في رواية أبي طالب (^٨) أنه توقف عن القود بعد أن أفتى
_________________
(١) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ١٥١)، المغني (٨/ ٤٧٣).
(٢) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٣٩)، الحاوي (١٤/ ٢١٠)، الأم (٤/ ٢٤٨).
(٣) ينظر: الشرح الكبير لابن قدامة (١٠/ ١٥١)، المغني (٨/ ٤٧٣).
(٤) لم نجد هذه المسألة في مسائله، ولكن ذكرها في الفروع (١٠/ ٤٨)، وفي الإنصاف، (١٠/ ١٦٩).
(٥) في مسائله (٢٧٥٧)، (٢٧٥٨) وابن منصور سبقت ترجمته في كتاب الأشربة.
(٦) لم نجد روايته هذه، ولكن ذكرها في الفروع (١٠/ ٤٨)، وفي الإنصاف (١٠/ ١٦٩).
(٧) أثر عطاء أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (٩٣٦٩) عن ابن جريج، قال: سئل عطاء عن المسلم يسبيه العدو فيقتل هنالك مسلما، ثم يسبيه المسلمون بعد، أو يزني هنالك؟ قال: "ما أرى عليه من شيء فيما أحدث هنالك".
(٨) لم اجد روايته هذه، ولكن ذكرها في الفروع (١٠/ ٤٨)، وفي الإنصاف (١٠/ ١٦٩).
[ ١ / ٢٤٤ ]
به، والمذهب الذي صرح به، وبه قال الشافعي (^١).
قال أبو حنيفة: لا قود وعليه الدية (^٢).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
وقول النبي ﷺ: "اقتلوا القاتل" (^٣).
وقوله: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين" (^٤).
وهذا عام، ولأنه لو قتله في دار الإسلام لوجب عليه القصاص، كذلك إذا قتله في دار الحرب كما لو قتله في عسكر الإسلام (^٥).
_________________
(١) ينظر: مختصر المزني (٨/ ٣٨٠)، الحاوي الكبير (١٤/ ١٨٩)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٨٨).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٣٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٩٧).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (١٧٨٩٢)، (١٧٨٩٥)، (١٨٠٩٢)، ابن أبي شيبة في المصنف رقم (٢٧٧٩٦)، الدارقطني في السنن رقم (٣٢٦٩)، (٣٢٧١)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٦٠٣٠) كلهم من طريق إسماعيل بن أمية مرفوعا بلفظ: "يقتل القاتل، ويصبر الصابر". وقال البيهقي في المعرفة (١٢/ ٦٠): "وهذا منقطع". وأخرجه الدارقطني في السنن رقم (٣٢٧٠)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٦٠٢٩) كلاهما من طريق إسماعيل بن أمية، عن نافع عن ابن عمر ﵄. وقال البيهقي عقب تخريجه له: "هذا غير محفوظ، وقد قيل: عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن المسيب". اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٤/ ٤٩): "قال الدارقطني: والإرسال فيه أكثر. وقال البيهقي: إنه موصول غير محفوظ، وصححه ابن القطان". اهـ.
(٤) بهذا اللفظ أخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية، رقم (٤٥٠٤)، والترمذي في أبواب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص والعفو، رقم (١٤٠٦)، أحمد في المسند رقم (٢٧١٦٠) من حديث أبي شريح الكعبي، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وصححه ابن عبد البر في الاستذكار، (٨/ ٤٩). وأخرجه البخاري في كتاب العلم، باب كتابة العلم، رقم (١١٢)، كتاب في اللقطة، باب كيف تعرف لقطة أهل مكة، رقم (٢٤٣٤)، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، رقم (٦٨٨٠)، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام، رقم (١٣٥٥) من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال في حديث طويل:" ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى وإما أن يقيد".
(٥) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف (١٠/ ١٦٩)، الأم (٤/ ٢٨٧).
[ ١ / ٢٤٥ ]
فإن قيل: يد الإمام تثبت في الموضع الذي فيه عسكر المسلمين؛ فيخرج عن أن يكون مبيحًا للقتل، وليس كذلك سائر المواضيع من دار الحرب؛ لأنها مبيحة للقتل في الجملة؛ بدليل: أنه يجوز الإقدام على قتل كل من يستقتل إلا أن يثبت أنه محقون الدم (^١).
قيل: قد بينا أن للإمام حق الاستيفاء، وموت يد المستوفى على موضع الوجوب غير معتبر؛ بدليل: حقوق الآدميين لا يعتبر موت أيديهم على موضع الوجوب، وكل حكم وجب بالقتل في دار الإسلام جاز أن يجب بالقتل في دار الحرب؛ كالدية والكفارة، ولأن القصاص يجب للزجر والردع صيانةً للدماء وحفظًا للأنفس، وهذا المعنى يحتاج إليه في دار الحرب كدار الإسلام (^٢).
واحتج المخالف: بأن دار الحرب دار إباحة وإن لم يبح مثل هذا بعينه؛ فنص ذلك بشبهة في سقوط القصاص؛ إذ القصاص ثبت بالشبهة، كما يقول في النكاح الفاسد: أنه يمنع وجوب الحد على الواطئ؛ لأن العقد سبب مبيح للوطء في الجملة، وإن لم يكن مبيحًا لهذا، والوطء بعينه؛ فيصير شبهةً (^٣).
والجواب عنه: ما تقدم من أنها ليست دار إباحة على الإطلاق، بدليل: أنه يحرم فيها قتل المسلم والزنا وغيره من المحرمات، والمعنى في الأصل ما تقدم؛ فلا وجه لإعادته (^٤).
واحتج: بأنه ليس في يد الإمام؛ بدليل: أنه لا ينفذ حكمه عليه؛ فوجب أن لا يجب القصاص على قاتله كالحربي (^٥).
والجواب: أن الحربي لو قتل في عسكر المسلمين لم يقتل به كذلك إذا قتل في عسكره، وليس كذلك ههنا؛ لأنه لو قتل في عسكر المسلمين قتل به، وكذلك إذا قتل في غيره، على أنا قد بينا اعتبار ثبوت اليد على موضع الوجوب (^٦).
_________________
(١) ينظر: الهداية شرح البداية (٢/ ١٥٣)، المبسوط (٢٦/ ١٣٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥).
(٢) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف (١٠/ ١٦٩)، الأم (٤/ ٢٨٧).
(٣) ينظر: الهداية شرح البداية (٢/ ١٥٣)، المبسوط (٢٦/ ١٣٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥).
(٤) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف، (١٠/ ١٦٩)، الأم (٤/ ٢٨٧).
(٥) ينظر: الهداية شرح البداية (٢/ ١٥٣)، المبسوط (٢٦/ ١٣٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥).
(٦) ينظر: الفروع (١٠/ ٤٨)، الإنصاف (١٠/ ١٦٩)، الأم (٤/ ٢٨٧).
[ ١ / ٢٤٦ ]