٢٧ - ١٣ مسألة: إذا غلب المشركون على أموال المسلمين ملكوها، نص عليه في رواية الجماعة: الأثرم (^١) (^٢)، وأبي طالب (^٣)، وابن القاسم (^٤) (^٥)، وسدي (^٦)، وبكر بن محمد (^٧)، وصالح (^٨) (^٩)، وهو قول أبي حنيفة (^١٠)، ومالك (^١١)، وقال الشافعي: لا يملكونها، وهي على ملك أصحابها، فإن أسلم من هي في يديه كان صاحبها أحق بها، وإن أخذها المسلمون منهم فصاحبها أحق بها قبل الغنيمة وبعد القسمة بغير خمس الخمس (^١٢).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨]، فسمى المهاجرين الذين أخرجهم المشركون من ديارهم فقراء، فلو كانت أملاكهم باقية لما كانوا فقراء حقيقة (^١٣).
فإن قيل: إنما سماهم فقراء لأنهم بعدوا عن ديارهم وانقطعوا عن أموالهم فجعلوا محتاجين (^١٤).
_________________
(١) سبقت ترجمته ص ٦٣.
(٢) لم أقف على هذه الرواية، وينظر: المغني (٩/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٤٧٦).
(٣) ينظر: الروايتين والوجهين، (٢/ ٣٦١)، المغني (٩/ ٢٧١) الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٤٧٦).
(٤) هو أحمد بن القاسم صاحب أبي عبيد القاسم بن سلام، قال ابن أبي يعلى: "حدث عن أبي عبيد وعن إمامنا بمسائل كثيرة". ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ٥٥)، المقصد الأرشد" (١/ ١٥٥).
(٥) ينظر: الروايتين، والوجهين (٢/ ٣٦١)، المغني (٩/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٤٧٦).
(٦) هو أبو بكر الخواتيمي البغدادي، قال أبو بكر الخلال: "هو من جوار أبي الحارث مع أبي عبد الله؛ فكان داخلا مع أبي عبد الله ومع أولاده في حياة أبي عبد الله سمع من أبي عبد الله مسائل صالحة". ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٧٠ - ١٧١)، المقصد الأرشد (١/ ٤٣٢، ٤٣٣).
(٧) لم أجد هذه الرواية، وينظر: المغني (٩/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٤٧٦).
(٨) سبقت ترجمته ص ٦١.
(٩) لم أجد هذه الرواية، وينظر: المغني (٩/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٤٧٦).
(١٠) ينظر: السير الصغير (ص ٢٥٣)، المبسوط (١٠/ ١٤)، (١٠/ ٥٢)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(١١) ينظر: المدونة (١/ ٥٠٥)، التلقين (١/ ٩٢)، الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٣٧٣)، البيان والتحصيل، (٣/ ٦٥).
(١٢) ينظر: الأم (٤/ ٢٨٣)، (٧/ ٣٨٧)، مختصر المزني (٨/ ٣٨٠)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(١٣) ينظر: المغني (٩/ ٢٧١)، الشرح الكبير على متن المقنع (١٠/ ٤٧٦).
(١٤) ينظر: المجموع، (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
[ ١ / ٢٦١ ]
قيل: من يبعد عن داره وينقطع عن ماله لا يكون فقيرًا حقيقة، وإن كان محتاجًا في الحال، ألا ترى أن النبي ﷺ: قال: لا تحل الصدقة لغني إلا بخمس (^١)، وذكر الغازي وابن السبيل فسمى الغائب عن ماله غنيًا وإن كان محتاجًا في الحال، ولأنه لو كان لهذه العلة لسماهم ابن سبيل كما سمى من هذه حاله في آية الصدقات وعطفه على الفقراء والعطف غير المعطوف عليه (^٢).
فإن قيل: الكلام محمول على مجاري العادات في مثل هذا، والناس يقولون في العادة: افتقر فلان إذا غرقت أمواله في البحر وأخذها اللصوص أو قطاع الطريق وإن كانت هذه المعاني لا تزيل الملك (^٣).
قيل: هذه العادة لا يعرفها العرب؛ فلا يقابل به الكتاب والسنة، وإن أطلقها أحد فعلى ضرب من المجاز (^٤).
فإن قيل: المهاجرون تركوا أموالهم وديارهم بطيبه من أنفسهم الله ﷿ وهاجروا مع النبي ﷺ فلما صارت الله حصلت كالأموال الضائعة مثل الصيود ونحوها؛ فكان كل من
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني رقم (١٦٣٥) وأبن ماجه في أبواب الزكاة، باب من تحل له الصدقة (١٨٤١) والحاكم في المستدرك رقم (١٤٨٠) وصححه وقال ابن الجوزي: رجال إسناده ثقات. قال في "التلخيص" (٢/ ٨٣١): وقد صححه جماعة، وقد روي أيضا موصولا؛ أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة، وهو غني، رقم (١٦٣٧)، وأحمد في المسند رقم (١١٢٦٨)، (١١٣٥٨)، (١١٩٢٩)، وأبو داود الطيالسي في المسند رقم (٢٣٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (١٠٦٨١)، وعبد بن حميد في المسند (٨٩٥)، وابن زنجويه في الأموال رقم (٢٠٥٥)، (٢٠٥٦)، وأبو يعلى في المسند رقم (١٢٠٢)، (١٣٣٣)، وابن خزيمة في الصحيح رقم (٢٣٦٨)، كلهم من طريق عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا بنحوه. وأخرجه أبو داود في كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، رقم (١٦٣٦)، وابن ماجه في كتاب الزكاة، باب من تحل له الصدقة، رقم (١٨٤١)، وأحمد في المسند رقم (١١٥٣٨)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٧١٥١)، وابن الجارود في المنتقى رقم (٣٦٥)، وابن خزيمة في الصحيح رقم (٢٣٧٤)، والحاكم في المستدرك رقم (١٤٨٠)، كلهم من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا بنحوه. وهذا الحديث صححه ابن خزيمة، وابن الجارود، والحاكم، وابن الملقن في البدر المنير، (٧/ ٣٨٢). وأعله أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي كما في العلل لابن أبي حاتم، (٦٤٢)، والدارقطني في العلل، (٢٢٧٩).
(٢) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٣) ينظر: المجموع، (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٤) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٨)، المبسوط (٣٠/ ٢٥٥).
[ ١ / ٢٦٢ ]
بادر إليها ملكها وكلامنا فيمن يمكنه المشركون على ماله وأخذوه منه قهرًا وليس كلامنا فيمن زال ماله بطيبة نفسه (^١).
قبل قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. يقتضي أن يكونوا أخرجوا منها قهرًا (^٢).
فإن قيل: قلنا في الآية مثل مالكم؛ لأنه أضاف الديار والأموال إليهم؛ فاقتضى الظاهر بقاء ملكهم عليها (^٣).
قيل: أضافها إليهم وقت إخراجهم منها، وفي ذلك الوقت كانت أملاكهم، وإنما زال ملكهم عنها بعدما أخرجوا؛ ولهذا سماهم بعد إخراجهم منها فقراء (^٤).
فإن قيل: / رباع (^٥) مكة لا تملك عندكم (^٦).
قيل: تملك عندنا في إحدى الروايتين (^٧) والآخر (^٨) كانت في تلك الحال مملوكة، وإنما ورد الشرع بعد ذلك بمنع الملك، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ قال: "من أسلم على شيءٍ فهو له" (^٩).
_________________
(١) ينظر: المجموع، (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٢) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٣) ينظر: المجموع، (١٩/ ٣٤٦)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩١).
(٤) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٥) رباع: بكسر الراء جمع ربع: وهو المنزل، ودار الإقامة، وربع القوم محلتهم. ويقال: إنما سمي المنزل ربعا؛ لأنهم يربعون فيه، أي: يطمئنون. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (١/ ٢٧٤)، المنجد في اللغة (١/ ٢١١).
(٦) ينظر: المجموع، (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٧) ينظر: الهداية في فقه أحمد (١/ ٢٢٩، ٢٣٠)، الكافي لابن قدامة (٢/ ٥)، المغني (٤/ ١٩٧)، الإنصاف (٤/ ٢٨٨).
(٨) وهو المذهب المنصوص، ينظر: الإنصاف (٤/ ٢٨٨)، الإقناع (٢/ ٦٣).
(٩) أخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (١٨٩) من طريق عروة بن الزبير مرسلا. وأخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (١٩٠) من طريق ابن أبي مليكة مرسلا، وقد روي موصولا؛ أخرجه أبو يعلى في المسند (٥٨٤٧)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٨٢٥٩)، كلاهما من طريق ياسين بن معاذ الزيات، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا به، وقال البيهقي عقب تخريجه له: "ياسين بن معاذ الزيات كوفي ضعيف، جرحه يحيى ابن معين، والبخاري، وغيرهما من الحفاظ، =
[ ١ / ٢٦٣ ]
فظاهره يقتضي أنهم إذا أخذوا أموال المسلمين وأسلموا عليها أن تكون أملاكًا.
لهم. ومخالفنا يقول: لا يكون لهم، ويدل عليه ما روي عن النبي ﷺ أنه لما دخل مكة يوم الفتح قيل له: ألا تنزل دارك يا رسول الله؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من ربع؟! ". (^١).
وكان عقيل (^٢) غلب على داره وباعها قهرًا؛ فدل على أنه كان قد ملكها؛ لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: "هل ترك لنا عقيل من ربعٍ؟! " (^٣).
فإن قيل: إنما قال ذلك؛ لأنه كان قد خربها فلم يمكنه نزوله وسكناها (^٤).
قيل: له لو كان كذلك لم يعرض عليه النزول فيها، ودل على أنها لم تخرب إذ كانت تصلح للنزول (^٥).
فإن قيل: لم يكن للنبي ﷺ دار وإنما كان يسكن دار عمه أبي طالب (^٦) فمات عمه
_________________
(١) = وهذا الحديث إنما يروى عن ابن أبي مليكة عن النبي ﷺ مرسلًا، قال الشافعي ﵀: وكأن معنى ذلك من أسلم على شيء يجوز له ملكه فهو له". وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (٩/ ١٧١، ١٧٢)، والهيثمي في المجمع (٩٧٢١)، وابن حجر في التلخيص (٤/ ٣١٠)، والدراية (٢/ ١٢١). وقال أبو حاتم الرازي كما في العلل (٥٨٤): "وهذا حديث لا أصل له".
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب توريث دور مكة، وبيعها وشرائها، وأن الناس في المسجد الحرام سواء خاصة، رقم (١٥٨٨)، وكتاب الجهاد والسير، باب إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم، رقم (٣٠٥٨)، وكتاب المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟، رقم (٤٢٨٢)، (٤٢٨٣)، ومسلم في كتاب الحج، باب النزول بمكة للحاج، وتوريث دورها، رقم (١٣٥١) من حديث أسامة بن زيد بن حارثة ﵁ مرفوعًا.
(٣) هو عقيل بن أبي طالب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ أبو يزيد، وأبو عيسى. وكان أسن من أخيه علي بعشرين سنة؛ ومن أخيه جعفر الطيار بعشر سنين. هاجر في مدة الهدنة، وشهد غزوة مؤتة، وله جماعة أحاديث. روى عنه: ابنه؛ محمد، وحفيده؛ عبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن طلحة، وعطاء، والحسن، وأبو صالح السمان. وعمر بعد أخيه الإمام علي. مات سنة (٦٠ هـ وقيل بعدها). ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (٣/ ١٠٧٨)، سير أعلام النبلاء (٣/ ٩٩).
(٤) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، الشرح الكبير لابن قدامة (٤/ ١٢)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٢/ ٤)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٥) ينظر: المجموع، (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٦) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٩)، مجمع الأنهر (٤/ ٢١٢)، المبسوط (١٠/ ٨٩).
(٧) هو أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، عم النبي ﷺ والده علي وعقيل، خلف أبو طالب أباه عبد المطلب الذي كان أحد سادة قريش في المكانة والوجاهة، ولكن ضيق حالته المالية جعله يكل إلى =
[ ١ / ٢٦٤ ]
كافرًا فورثه عقيل؛ لأنه كان على دينه ولم ينتقل ميراثه إلى علي لإسلامه، فقيل له يوم الفتح: ألا تنزل دارك؟ يعني: دار أبي طالب؛ فأضافها إليه؛ لأنه كان يسكنها؛ فأخبر أنها انتقلت إلى عقيل بن أبي طالب (^١).
قيل: لو كان عقيل باع مال نفسه لم يلمه على ذلك؛ فظاهر قوله: "وهل ترك لنا عقيل من ربعٍ؟! ". ذم له، وعلى أنهم أضافوا الدار إلى النبي ﷺ، وظاهر الإضافة الملك، فأما السكنى فلا يقتضي الإضافة عند مخالفنا؛ لأنه قال: إذا حلف لا يدخل دار فلانٍ فدخل دار استأجرها لم يحنث (^٢)، وعلى قولنا فلو كانت إضافة سكنى لم يجز أن تطلق مع زوال السكنى (^٣).
فإن قيل: فقد أضافها إليه بعد زوال الملك (^٤).
قيل: لأن المصنف لم يعلم أن الكافر يملك بالغلبة فأضافه على اعتقاده في بقاء الملك فبين النبي ﷺ خلاف ما اعتقده (^٥).
فإن قيل: دور مكة ليست مملوكةً عندكم، ولا يجوز بيعها، فكيف تحتجون بهذا الخبر؟! (^٦).
قيل: قد أجبنا عن هذا، وقلنا: بلى تملك اليوم في إحدى الروايتين، وفي الأخرى لا تملك، لكنها كانت مملوكةً في الجاهلية، وإنها خرجت عن أن تكون أملاكًا حتى صارت دار الإسلام.
_________________
(١) = أخيه العباس شأن السقاية وأعبائها نظرًا لما كان له من ثراء واسع. وكان أبو طالب هو الذي أضاف أمر رسول الله ﷺ إليه بعد جده، فكان إليه ومعه. وكان أبو طالب الأخ الشقيق الوحيد لعبد الله والد النبي ﷺ مات سنه، (١٠ من البعثة). ينظر: سيرة ابن اسحاق (ص ٧٣)، سيرة ابن هشام (١/ ١٧٩).
(٢) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣).
(٣) ينظر: الأم (٧/ ٧٧)، التنبيه (ص ١٩٥).
(٤) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٩)، مجمع الأنهر (٤/ ٢١٢)، المبسوط (١٠/ ٨٩).
(٥) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩١).
(٦) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، مجمع الأنهر (٤/ ٢١٢)، المبسوط (١٠/ ٨٩).
(٧) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩١).
[ ١ / ٢٦٥ ]
ويدل عليه ما روى أبو إسحاق الفزاري (^١) في كتاب السير (^٢) بإسناده عن تميم ابن طرفة (^٣) قال: وجد رجل مع رجلٍ ناقةً له فارتفعا إلى النبي ﷺ، فأقام البينة أنها ناقته، وأقام الآخر البينة أنه اشتراها من العدو، فقال رسول الله ﷺ: "إن شئت خذها بما اشتراها، وإن شئت فدع" (^٤).
وهذا نص؛ لأنهم لو لم يملكوها لردها عليه بغير ثمنٍ، وهذا لا يمكن تأويله على وجوب قيمة في بيت المال ليلًا يفسخ البيع والقسمة؛ لأنه قال: "إن شئت خذها بما اشتراها".
فخيره بين الأخذ ورد الثمن، والقيمة قد تزيد على الثمن وتنقص منه فلا يصح حمله على القيمة في بيت المال؛ لأجل ذكره للثمن الذي اشتراها به.
ويدل عليه: أن كل طائفتين جاز أن تملك إحداهما على الأخرى بالقهر، جاز أن تملك الأخرى عليها به كالروم والترك وعكسه الطائفتان من المؤمنين أعني أهل البغي وأهل العدل فإن نازعوا الأصل.
_________________
(١) سبقت ترجمته ص ٢١٤.
(٢) لم اجد هذا الحديث في السير لأبي إسحاق الفزاري.
(٣) هو تميم بن طرفة الطائي المسلي الكوفي، وثقه النسائي، وابن سعد والعجلي. وقال أبو حسان الزيادي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي مات سنة (٩٤ هـ) وقال أبو بكر بن أبي عاصم سنة (٩٥ هـ). روى له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ينظر: تهذيب الكمال (٤/ ٣٣١، ٣٣٢)، الطبقات الكبرى (٦/ ٢٩٤)، الثقات للعجلي (١٧٨).
(٤) أخرجه أبو داود في المراسيل رقم (٣٣٩)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩٣٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٣٣٦٤)، والطحاوي في شرح المعاني رقم (٥٢٨٢)، (٥٢٨٣)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٨٢٥٣)، (١٨٢٥٤)، وابن المنذر في الأوسط رقم (٦٥٨٨) كلهم من طريق سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة مرسلا. وقال البيهقي عقب تخريجه لهذا الحديث: قال الشافعي ﵀ في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه: تميم بن طرفة لم يدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه، والمرسل لا تثبت به حجة؛ لأنه لا يدرى عمن أخذه. اهـ. وقد روي موصولا؛ أخرجه الطبراني في الكبير رقم (١٨٣٣)، (٢٠٦٤) من طريق سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة ﵁ مرفوعًا به. وقال الشوكاني في نيل الأوطار (٨/ ٣٤٦): ووصله الطبراني بذكر جابر بن سمرة فيه بإسنادين، في أحدهما الحجاج بن أرطاة، والراوي عنه سويد بن عبد العزيز، وفي الآخر ياسين الزيات والثلاثة ضعفاء.
[ ١ / ٢٦٦ ]
دللنا عليه: بما روى عن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خرج مع قوم من المشركين إلى النبي ﷺ ليسلموا، ثم إنه استغفلهم في بعض الطريق، وقتلهم، وأخذ مالهم، فحمله إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فقد قبلناه منك، وأما المال فمال غدر لا حاجة لنا فيه" (^١). ولم يأمره برده على ورثتهم، ولأنه حربي فملك ماله عليه بالغلبة في داره.
أصله: إذا غلب عليه المسلم وإذا ثبت هذا الأصل صح القياس (^٢).
فإن قيل: لا يمتنع أن تملك عليهم بالقهر ولا يملكوا به علينا كما ملكنا عليهم بالشفعة (^٣) ولم يملكوا بها علينا، وكذلك النكاح يملك عليهم ولا يملكوا علينا (^٤).
قيل: أما النكاح فلا يمتنع أن يملكوا به ويملكوا بالقهر كما يملك على الوثني والمجوسي ماله بالقهر وإن لم يملك عليهم عقد النكاح، وأما الشفعة فلا يمتنع أن يملكوا بها عليه ويملكوا بالقهر كما قالوا: هم لا يملكوا أهل الذمة إحياء مواتنا (^٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، رقم (٢٧٣١) من حديث المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم ﵁ مطولًا وفيه: وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي ﷺ: "أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء". وباللفظ المذكور أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في صلح العدو، رقم (٢٧٦٥) من حديث المسور بن مخرمة ﵁.
(٢) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تبيين الحقائق (٦/ ٢٩)، مجمع الأنهر (٤/ ٢١٢)، المبسوط (١٠/ ٨٩)، السير الكبير (٢/ ٦٨٩).
(٣) الشفعة: مأخوذة من ضم الشيء إلى الشيء، ومن ذلك الشفع، اسم للزوج، لأنه انضم الثاني إلى الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)﴾ [الفجر ١ - ٣] والشفيع، لانضمامه في المعونة إلى المشفوع له. وفي الاصطلاح: هي استحقاق انتزاع الإنسان حصة شريكه من يد مشتريها. ينظر: جمهرة اللغة (٢/ ٨٦٩)، تهذيب اللغة (١/ ٢٧٨) الهداية على مذهب أحمد (١/ ٣٢٠)، الكافي لابن قدامة (٢/ ٢٣٢)، المغني (٥/ ٢٢٩)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٤/ ١٨٥).
(٤) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٧)، التنبيه (١/ ٢٣٦)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩١).
(٥) الموات: لغة: الأرض لم تحي بعد بزرع ولا إصلاح. اصطلاحا: هي الأرض الداثرة التي لا يعلم أنها ملكت وإحياؤها أن يحيزها بحائط أو يستخرج لها ماء. فأما ما جرى عليها ملك مسلم أو ذمي ثم تركها حتى دثرت وصارت مواتا، فإن كان مالكها باقيا لم تملك بالإحياء. تسمى ميتة ومواتا وموتانا، بفتح الميم والواو، والموتان، بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع. ورجل موتان القلب، بفتح الميم وسكون الواو، يعني: أعمى القلب، لا يفهم. =
[ ١ / ٢٦٧ ]
ويملكوا علينا بالبيع والاحتشاش (^١) كذلك ههنا (^٢).
فإن قيل: إنما جاز/ أن تملك عليهم؛ لأنه سبب مباح وليس كذلك ملكهم علينا؛ لأنه سبب محظور ولا يملكوا به علينا (^٣).
قيل: الأسباب المحظورة يجوز أن يقع بها الملك كالمبتاع على سوم (^٤) غيره، وعند أذان الجمعة عندهم، ووطي الأب جارية ابنه إذا علقت (^٥)، وكذلك وطئ الشريك، وكذا إذا دخل المسلم دار الحرب بأمان فأخذ أموالهم غصبًا فإن ذلك محظور ويملك (^٦).
فإن قيل: لا نسلم ذلك ونقول: لا يملكه بالغصب دللنا عليه بقصة المغيرة بن شعبة فمنازعتهم رد للنص.
فإن قيل: المحظور: الوطئ، وذلك لا يملك به وإنما يملك بالعلوق وهو من فعل الله تعالى فلا يوصف بالحظر.
قيل: يملك بالعلوق من وطئه فالوطيء أحد السببين كالإيجاب ويتم بالعلوق كما يتم الإيجاب بالقبول (^٧).
فإن قيل: فعندكم لا يصح البيع عند النداء ولا بيع الحاضر للبادي (^٨)؛ لكونه
_________________
(١) = ينظر: مجمل اللغة لابن فارس (١/ ٨١٩)، مقاييس اللغة (٥/ ٢٨٣)، الهداية على مذهب أحمد (١/ ٣٢٤)، الكافي لابن قدامة (٢/ ٢٤٣)، المغني (٥/ ٤١٦).
(٢) الاحتشاش: هو أخذ الحشيش، افتعال من الحش. ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص ٣١٣)، لسان العرب (٦/ ٢٨٢).
(٣) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٧)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٩). المبسوط (١٠/ ١٦٤).
(٤) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٧)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٤)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩١).
(٥) السوم: عرض السلعة على البيع. ينظر: تهذيب اللغة (مادة: سوم)، (١٣/ ٧٥)، لسان العرب (مادة: سوم) (١٢/ ٣١٠).
(٦) يقولون: علقت المرأة: حبلت، العلوق: التي قد علقت لقاحًا. وقال أبو الهيثم: العلوق: ماء الفحل. والعلوق: الحبل. ينظر: العين (١/ ١٦٤)، تهذيب اللغة، (١/ ١٦٣).
(٧) ينظر: المحرر في الفقه (٢/ ١٢)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٩).
(٨) ينظر: شرح الزركشي (٣/ ٤٤٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٩).
(٩) وهو أن يخرج الحضري إلى البادي وقد جلب السلع فيعرفه السعر ويقول أنا أبيع لك. والبادي ههنا، =
[ ١ / ٢٦٨ ]
محظورًا فقل مثله في القهر المحرم (^١).
قيل: القهر فعل فلا يؤثر التحريم فيه كالإكراه على الرضاع ولا يمنع من ثبوت
حكمه، والبيع قول فأثر التحريم فيه كالإكراه على الطلاق وكلمة الكفر (^٢).
فإن قيل: لما جاز أن يملك المسلم بالغلبة رقابهم كذلك أموالهم وأهل الحرب لا يملكون رقابنا فلا يملكون أموالنا (^٣).
قيل: لا يمتنع أن يملكوا به أموالنا وإن لم يملكوا رقابنا كما جاز أن يملكوا بالبيع والهبة أموالنا وإن لم يملكوا رقابنا؛ ولأن رقابنا لا تملك ورقابهم تملك كأموالهم فصارت رقابهم وأموالهم كأموالنا وفارقت رقابهم رقابنا لما ذكرنا (^٤).
فإن قيل: البيع سبب يملك به بعضنا على بعض فجاز أن يملكوا به علينا وهذا معدوم في مسألتنا (^٥).
قيل: علة الأصل تبطل بالإرث سبب تملك به بعضنا على بعضٍ ولا يجوز أن يملكوا به علينا وعلة الفرع لا تصح؛ ولأن بعضنا لا يملك على بعض بالغلبة لم يجز أن يملك بعضهم على بعض بها، وكذلك لا يجوز أن يملك بعضنا على بعض بالغلبة ويملكون علينا (^٦).
وقد قيل: بأن هذا سبب للملك يعود إلى فعل آدمي فجاز أن يملك به على المسلم كالشراء ولا يلزم عليه كالإرث؛ لأنه يعود إلى فعل الله - تعالى - وهذا يلزم عليه على أصلنا الشفعة واستحقاق القصاص (^٧).
_________________
(١) = من يدخل البلدة من غير أهلها، سواء كان بدويا، أو من قرية، أو بلدة أخرى. ينظر: مختصر الخرقي (ص ٦٨)، الكافي لابن قدامة (٢/ ١٥)، المغني (٤/ ٦٢).
(٢) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣).
(٣) ينظر: المبسوط (٦/ ١٠٢)، حاشية ابن عابدين (٥/ ١٠١).
(٤) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٥) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٦) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٧) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٨) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
[ ١ / ٢٦٩ ]
وقيل: أيضًا بأن الرد يتعلق بالمال كالضمان، ثم ثبت أن الضمان لا يلزم الحربي فيما يتلفه من أموالنا كذلك الرد وهذا يلزم عليه الباغي يلزمه الرد وإن لم يلزمه الضمان (^١).
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] فامتن علينا بذلك، فلو كانوا يملكون علينا كما نملك عليهم لما كان للامتنان معني (^٢).
والجواب: أن هذا خطاب للصحابة، وموضع الامتنان منه أنه مكنهم من أرضهم وديارهم ولم يمكنهم من أرض المسلمين ولا ديارهم ولا دلالة في هذا على أنهم لو مكنهم منها لم يملكوها، ويجوز أن يقال: إنه من علينا بذلك؛ لأنه يحصل لنا من وجه مباح ولا يحصل لهم مثله من وجه مباح فهذا وجه الامتنان (^٣).
واحتج: بما روى حماد بن زيد (^٤) عن أبي قلابة (^٥) عن أبي المهلب (^٦) عن عمران بن حصين؛ قال: أغار المشركون على سرح (^٧) المدينة فأخذوا العضباء وامرأة من المسلمين
_________________
(١) ينظر: المراجع السابقة.
(٢) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٣) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٤) سبقت ترجمته ص ١١٢.
(٥) هو أبو قلابة الجرمي عبد الله بن زيد بن عمرو - أو عامر - بن ناتل بن مالك، الإمام، شيخ الإسلام، أبو قلابة الجرمي، البصري. قال القاضي عبد الجبار بن محمد الخولاني في تاريخ داريا: مولده بالبصرة، وقدم الشام، ونزل داريا وسكن بها عند ابن عمه بيهس بن صهيب بن عامر بن ناتل. وقال أبو سعيد بن يونس: قدم مصر في زمن عبد العزيز بن مروان، وتوفي بالشام سنة (١٠٤ هـ) روى له الجماعة. ينظر: التاريخ الكبير (٥/ ٩٢)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٦٨ - ٤٧٤)، تهذيب الكمال (١٤/ ٥٤٢ - ٥٤٨).
(٦) هو أبو المهلب الجرمي، عم أبي قلابة. له إدراك. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة وقال: كان ثقة قليل الحديث، وله رواية عن عمر، قال: واختلف في اسمه، فقيل: عمرو بن معاوية بن زيد، وجزم بذلك ابن حبان في الثقات. وقيل معاوية بن عمرو بن زيد، وصححه ابن عبد البر. روى له البخاري في "الأدب"، والباقون. ينظر: الطبقات الكبرى (٧/ ٩٠)، تهذيب الكمال (٣٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، الإصابة (٧/ ٣٣٠).
(٧) السرح: المال السائم. ينظر: الصحاح (مادة: سرح) (١/ ٣٧٤)، مجمل اللغة (مادة: سرح)، (١/ ٤٩٨).
[ ١ / ٢٧٠ ]
فلما كان ذات ليلة قامت المرأة وقد ناموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغا حتى أتت العضباء فأتت على ناقة ذلول فركبتها ثم توجهت المدينة ونذرت إن نجاها الله تعالى لتنحرنها فلما قدمت عرفت الناقة فأتوا بها إلى النبي ﷺ فأخبرته المرأة بنذرها فقال: "لا نذر في معصيةٍ ولا فيما لا يملك ابن آدم" (^١)، وروي أن النبي ﷺ أخذ ناقته (^٢) فلو كان المشركون ملكوها لملكتها المرأة عليهم ولو ملكتها لما أبطل النبي ﷺ نذرها ولأخذ الناقة بالقيمة (^٣).
والجواب: أن المرأة لم تأخذها بالقهر ولا العوض، وإنما أخذتها على وجه التلصيص، وعندنا أن الأخذ على هذا الوجه لا يملكها ويجب عليها ردها إلى مالكها بغير شيء، وبهذا أجاب أحمد في رواية أبي طالب (^٤).
فقال: إذا أخذ العدو من المسلمين فجاء به رجل واحد فهو لصاحبه؛ لأنه ليس له ملك مثل الناقة لما جاءت بها المرأة أخذها ولم يجعل لها ملكًا وهو فصل يأتي الكلام عليه (^٥).
واحتج: بما روي أن ابن عمر كان له فرس أخذه العدو وظهر المسلمون فرده عليه رسول الله ﷺ (^٦).
والجواب: أنه لا دلالة في هذا أي على موضع الخلاف؛ لأنا نقول أنه يرد عليه وإن كان قد ملكوه ما لم يقسم وليس في الخبر أنه قسم.
واحتج: بأنه مال أخذه على وجه العدوان والظلم فلا يفيد الملك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد، رقم (١٦٤١).
(٢) أخرجه الشافعي في المسند (٢/ ٧٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى رقم (١٨٢٤٥).
(٣) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٣)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٤) لم أجد رواية أبي طالب هذه، وينظر: المغني (٩/ ٢٧٣)، كشاف القناع (٣/ ٧٩).
(٥) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب إذا غنم المشركون مال المسلم ثم وجده المسلم، رقم (٣٠٦٧)، (٣٠٦٨)، (٣٠٦٩). ولكن ليس في هذه الأحاديث أن الراد للفرس هو رسول الله ﷺ؛ ففي الحديث (٣٠٦٧): "فرد عليه في زمن رسول الله ﷺ ". وفي الحديث (٣٠٦٨): "وأن فرسًا لابن عمر عار فلحق بالروم، فظهر عليه، فردوه على عبد الله". وفي الحديث (٣٠٦٩): "أنه كان على فرس يوم لقي المسلمون، وأمير المسلمين يومئذ خالد بن الوليد بعثه أبو بكر، فأخذه العدو فلما هزم العدو رد خالد فرسه".
[ ١ / ٢٧١ ]
دليله: المسلم يغصب مال المسلم (^١).
والجواب: أنه يبطل بالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان وأخذ الهم وأحرزه في دار الإسلام فإنه يملكه وإن كان قد أخذه على وجه العدوان والظلم، وكذلك إذا استولد جارية ابنه وإذا اشترى عند سماع النداء وعلى سوم أخيه.
فإن احترزوا وقالوا: أخذ المال من المسلم لم يكن له تأثير؛ لأن عندهم لا فرق بين مال المسلم وبين مال الذمي ثم المعنى في المسلمين لما يملك مال أحدهما على الآخر بالقهر لم يملك الآخر عليه بالقهر وهذا بخلافه (^٢).
واحتج بأن من لا يملك رقاب المسلمين لا يملك أموالهم بالقهر كالمسلمين (^٣).
والجواب: عن الرقاب وعن الأصل ما مضى (^٤).
واحتج: بأنه مال مسلم مأخوذ بالقهر فكان صاحبه أحق به.
أصله: إذا وجده قبل القسمة وبعدها، وإذا وجده في يد رجل أحد منهم لا على وجه القهر كالسرقة أو أخذه منهم بغير عوض كالهبة (^٥).
والجواب: عنه: أن قبل القسمة أن المال على حكم ملك أهل الحرب ولهذا يجوز للإمام أن ينفل فجاز للمسلم أن يأخذه كما لو وجده في أيديهم وبعد القسمة استقر حق المسلم فيه، ولهذا لا يجوز النفل فلم يجز أن يأخذه بغير عوضٍ وأما بقية المسائل فلا يمتنع أن يملكه من أخذه منهم ثم يكون صاحبه أحق به، كما قلنا في الشفيع ينتزع المبيع من يد المشتري كالواهب من يد ابنه إلا أنه في موضع يأخذه بالقيمة؛ لأنه عاوض عليه فهو كالشفيع وفي موضع يأخذه بغير قيمة؛ لأنه ما عاوض عليه كالهبة (^٦).
_________________
(١) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٢) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٣) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣).
(٤) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٠٤)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٥) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٣)، التنبيه (١/ ٢٣٥)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٦) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
[ ١ / ٢٧٢ ]
واحتج بأن محرمًا لو اصطاد صيدًا لم يملكه؛ لأنه سبب محرم كذلك ههنا (^١).
والجواب: أن القهر بالإحرام أغلظ ألا تراه يوجب الضمان على متلفه، وهذا أخف ألا تراه لا يوجب الضمان عليهم، ولأن تلك العين محرمة في حق المحرم.
بدليل: أن سائر أسباب الملك من هبة وبيع لا يصح وليس كذلك ههنا فإنها مباحة في حق الكفار (^٢).
بدليل: يصح ملكهم لها بالبيع والهبة وغير ذلك. وقد حصل على قولهم مال أخذ على وجه العدوان كلام آخر، وهو أنه لا يمتنع أن يكون جهة الأخذ محظورة ويحصل الملك بها من ذلك الاستيلاد لأمة ابنه والأمة المشتركة والبيع عند النداء وإذا قتلت أم الولد سيدها، وكذلك الدين المؤجل يحل بقتل صاحب الدين لمن عليه الدين (^٣).
فإن قيل: الاستيلاد حصل بالعلوق وذلك من فعل الله تعالى.
قيل: إذا قتل مورثه حرم الميراث وإن كان الموت من فعل الله؛ لأنه استند إلى فعله وكذلك السفر (^٤).
فإن قيل: البيع عند النداء لا يختص تحريمه بالعقد ألا ترى أنه لو تشاغل عن الصلاة بغير البيع لم يجز. قبل صلاة النافلة في البقعة الغصب باطلة وإن لم يختص التحريم بالصلاة؛ لأنه لو أراد أن يجلس منع، وكذلك التفريق في البيع بين الأقارب يمنع صحة البيع وإن كان المنع من التفريق لا يختص البيع؛ لأنه لو فرق بالهبة لم يجز.
واحتج: بأن ما حصنه الإسلام من النهب لا يملك بالنهب (^٥).
دليله: مال المسلم إذا انتهبه مسلم (^٦).
_________________
(١) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٢) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٣) ينظر: المغني (٨/ ٤٤٦)، بدائع الصنائع (٧/ ١٢٧).
(٤) ينظر: المبدع شرح المقنع (٨/ ١٢١)، تبيين الحقائق (٦/ ٤٨).
(٥) ينظر: المجموع (١٩/ ٣٤٦)، روضة الطالبين (١٠/ ٢٩٣)، نهاية المطلب (١٧/ ٤٩٠).
(٦) ينظر: المراجع السابقة.
[ ١ / ٢٧٣ ]
والجواب: أنه لا يملك بالنهب وإنما يملك بالغلبة والحيازة، فنقول: بموجب ما ذكروه والمعنى في المسلمين ما ذكرنا.
واحتج: بأن ما ذهبتم إليه يفضي إلى أن يملك الكافر عبدًا مسلمًا؛ لأنه قد يقهر المسلم على عبده أو أمته المسلمة فملكها وهو ظاهر كلام أحمد أنه يملك المكاتب بالقهر، وهذا لا يجوز كما لا يجوز ملكه بالبيع وقد صرح به في رواية إسحاق بن هانئ (^١) في عبد أبق إلى بلاد الروم فتنصر ثم ظهر عليه ليس لمولاه أخذه بعدما قسم إلا باليمين، وقال في رواية أبي طالبٍ (^٢) في عبد مسلم دخل بلاد العدو وارتد عن الإسلام: فإذا قسمت الغنائم فليس له شيء (^٣).
والجواب: أنه لا يمتنع أن يملكوا بالقهر وإن لم يملكوا بالبيع.
بدليل: أنه يملك المجهول بالقهر ويملك رقاب الأحرار وهم النساء والصبيان ويملك قهرًا بغير رضا المالك (^٤).