وأموال فظهر المسلمون على الدار، أحرز عقاره وماله بالإسلام ولا يصير شيء من ذلك فيئًا (^١) وهو قول الشافعي (^٢).
قال أبو حنيفة: إذا كان له في دار الحرب عقار وأموال فالعقار فيء، وما سواه من سائر الأموال فما كان منها في يده فهو له، وكذلك ما أودعه مسلمًا أو ذميا، وما أودعه حربيا أو لم يكن في يد أحد فهو فيء (^٣).
واختلفت الرواية عن مالكٍ فروي عنه مثل مذهبنا (^٤) وروي عنه أنه يكون فيئًا (^٥).
دليلنا: ما روي عن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" (^٦) والذي في يدي الحربي مال مسلم
_________________
(١) ينظر: الهداية في مذهب الإمام أحمد (١/ ٢١٣)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٣١)، (٤/ ١٥١)، المغني (٩/ ٢٦٩)، الإنصاف (٤/ ١٣٩).
(٢) ينظر: الأم (٤/ ٢٨٣)، (٤/ ٣٠٩)، (٧/ ٣٨٨)، مختصر المزني (٨/ ٣٨٠)، نهاية المطلب (١٧/ ٥٠٤).
(٣) هذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وأما محمد بن الحسن فقال: ماله من عقار ومنقول فيء؛ ينظر: السير الصغير (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٨٧).
(٤) ينظر: الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٨٢)، الذخيرة (٣/ ٤٣٩)، القوانين الفقهية (ص ١٠٢).
(٥) وهذه الرواية الثانية فيها تفصيل وهو إذا أسلم الحربي في بلده ثم خرج إلينا مسلما فإن أولاده الصغار أحرار ومسلمون وما أودعه مسلما أو ذميا فهو له وما أودعه حربي وسائر ماله هناك فيء. ينظر: الاستذكار (٥/ ١٥٤)، الكافي لابن عبد البر (١/ ٤٨٢). وفي رواية ابن القاسم وهي مشهور المذهب: ماله وولده وأهله فيء للمسلمين. ينظر: المدونة (١/ ٥٠٨)، الذخيرة (٣/ ٤٣٩)، القوانين الفقهية (ص ١٠٢). وهذه الرواية قد ضعفها ابن عبد البر كما في الكافي (١/ ٤٨٢).
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، رقم (٢٥)، وأخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة، رقم (٣٩١)، (٣٩٢)، (٣٩٣) من حديث أنس بن مالك ﵁. وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم (١٣٩٩)، (١٤٠٠)، وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نسبوا إلى الردة، رقم (٦٩٢٤)، (٦٩٢٥)، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، رقم (٧٢٨٤)، وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة، وأن لا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، رقم (٢٩٤٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم (٢٢) من حديث من حديث ابن عمر ﵄، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم (٢٠) من حديث عمر بن الخطاب ﵁، ومسلم في كتاب الإيمان، =
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكذلك الأرض مال مسلم فوجب أن يكون معصومًا من المسلمين (^١).
وأيضًا قول النبي ﷺ من أسلم على شيء فهو له، وقوله: "لا يحل مال امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ منه" (^٢).
وروي أن النبي ﷺ حاصر بني قريظة (^٣) فأسلم أبناء شعبة فأحرز لهما إسلامهما أموالهما وأولادهما الصغار (^٤).
فإن قيل: هذا قول الراوي ويجوز أن يكون قاله ظنا (^٥).
قيل: الراوي يجب تصديقه فيما يقوله وحمله على الصواب دون الخطأ/، فإذا قال: أحرز الإسلام أموالهما وأولادهما الصغار يجب أن يحمل ذلك على الصحة ولا يكون ذلك
_________________
(١) = باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله رقم (٢١) من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم (٢١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) ينظر: الهداية في مذهب الإمام أحمد (١/ ٢١٣)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٣١)، (٤/ ١٥١)، المغني (٩/ ٢٦٩)، الإنصاف (٤/ ١٣٩).
(٣) أخرجه أحمد في المسند رقم (١٥٤٨٨)، (٢١٠٨٢)، (٢١٠٨٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٩٧٩)، والروياني في المسند رقم (١٤٧٥)، والطحاوي في شرح المعاني رقم (٦٦٣٣)، وفي شرح المشكل رقم (٢٨٢٣)، والدارقطني في السنن رقم (٢٨٨٣)، (٢٨٨٤) كلهم من طريق عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربي ﵁ مرفوعًا. وقال الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٦٩): "وإسناده جيد" أهـ. . وللحديث شواهد كثيرة، ولذا قال البيهقي في المعرفة (٨/ ٣٠٥): "وإذا ضم بعضه إلى بعض صار قويا. وأصح ما روي فيه: حديث أبي حميد، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم" أهـ. وحديث أبي حميد الساعدي ﵁ أخرجه أحمد في المسند رقم (٢٣٦٠٥)، والبزار في المسند رقم (٣٧١٧)، والروياني في المسند (١٤٥٨)، وابن حبان في الصحيح رقم (٥٩٧٨)، والطحاوي في شرح المعاني رقم (٦٦٣٢)، وفي شرح المشكل رقم (٢٨٢٢). وقال البزار عقب تخريجه للحديث: "وهذا الحديث قد روي نحو كلامه، عن النبي ﷺ من وجوه بغير هذا اللفظ، ولا نعلم لأبي حميد طريقا غير هذا الطريق وإسناده حسن" أهـ.
(٤) بنو قريظة: بطن من اليهود ينتسبون إلى قريظة بن النمام بن الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع، عاشوا في المدينة إلى أن أجلاهم الرسول ﷺ عنها بعد أن نقضوا العهد معه. ينظر: مغازي الواقدي (٢/ ٤٩٦)، سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٣).
(٥) أخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٢١٤)، وأبو نعيم الأصبهاني في الدلائل (١/ ٨١) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة به مطولا.
(٦) ينظر: السير الصغير (١/ ١٣٩ - ١٤٠)، بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٨٧).
[ ١ / ٢٩٠ ]
إلا بالتوقيف من النبي ﷺ والسماع من قوله: "ولأنه مال مسلمٍ فلا يغنم بالظهور على الدار".
أصله؛ ما كان في يده من المال الذي ينقل ويحول وإن شئت.
قلت: مال مسلم قبل الأسر فلم يجز استغنامه.
دليله: ماله الذي في يده مشاهده ولا يلزم عليه إذا ظهر المشركون على أموال المسلمين وأخذوها أنهم يملكوها؛ لأن ذلك لا يسمى غنيمة، ولأنه يستوي فيه الأصل المقيس عليه وهو ما كان في يديه والفرع وهو ما كان وديعة له، ولأن حكم الغلة فلم يجز استغنامه، وهناك لا يجوز لهم استغنامه فإن غنموه معنا ملكوه كما يملك جارية ابنه بالاستيلاد المحرم، فأما ههنا فعندهم يجوز استغنامه ولا يلزم عليه من جهة المعنى؛ لأن القهر هناك حصل من الكفار للمسلمين فملكوا عليهم كما يملك المسلمون عليهم بالقهر، فأما ملك المسلمين على المسلمين بالقهر فلا يجوز كما لا يجوز قهر بعضهم لبعضٍ بالغصب وقطع الطريق، وكل من لم يجز أن يغنم ماله الذي في يده لم يجز أن يغنم ما ليس في يده كالذمي (^١).
واحتج المخالف: بأنها بقعة من دار الحرب، بدليل: أنه لا يتعلق به شيء من أحكام دار الإسلام فوجب أن يغنم بالظهور عليها.
دليله: سائر بقاع دار الحرب (^٢).
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار هذه البقعة بغيرها من البقاع وإن كانت من دار الحرب كما لم يجز اعتباره، وما في يده في دار الحرب وكان المعنى فيه: إن ما في يده ملك لمسلم فيميز عن سائرهم كذلك هذه البقعة ملك لمسلم فيجب أن يتميز عن سائرهم.
ويبين صحة هذا: أن الحربي المستأمن إذا اشترى دارًا في دار الإسلام ورجع إلى دار الحرب وانقضى أمانه كانت الدار مغنومة؛ لأن مالكها لا حرمة له وكان الاعتبار بالمالك دون سائر بقاع دار الإسلام، كذلك هذه من دار الحرب لا يجوز أن تكون مغنومة لحرمة
_________________
(١) ينظر: الهداية في مذهب الإمام أحمد (١/ ٢١٣)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٣١)، (٤/ ١٥١)، المغني (٩/ ٢٦٩)، الإنصاف (٤/ ١٣٩).
(٢) ينظر: بدائع الصنائع (٧/ ١٠٥)، الهداية شرح بداية المبتدي (٢/ ٣٨٧).
[ ١ / ٢٩١ ]