الضمان يجب جميعه على الثاني للأول وإن كنا نعلم أنه مات بالسراية من فعل مضمون وهو الثاني وغير مضمون وهو الأول، وهذا أصل مسلم مذكور في كتاب الصيد، وجعلوا العلة فيه أن ضمان الصيد التحريم، والتحريم حاصل من الثاني دون الأول ويجعل هذا طريقه، فنقول: إتلاف النفس إذا حصل من فعل مأذون وغير مأذون تعلق الضمان بغير المأذون دون المأذون (^١).
دليله: ما ذكرناه من الصيد ولا يلزم عليه ما تقدم من المسائل وهو إذا جرح نفسه وجرحه غيره أو جرح صيده الذي في يده أو جرحه غيره أن الضمان يتقسط؛ لأن الجرحين غير مأذون فيهما، وما ذكروه من أن ضمان الصيد يتعلق بالتحريم، والتحريم حصل بالثاني دون الأول لا يصح؛ لأن الضمان يتعلق بالإتلاف، وبالإتلاف يحصل التحريم، والإتلاف حصل من فعلهما جميعًا (^٢).
٨ - مسألة: لا يجوز شرب الخمر في حال الضرورة. نص عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم (^٣)، وقد سئل: عطش يشرب الخمر؟ فقال: لا. الخمر تعطش، لا يشربها، ورخص في الميتة، ولم يرخص في شرب الخمر (^٤)، وقال في رواية أبي طالب (^٥) في الخمر:
_________________
(١) ينظر: المغني (٨/ ٣٤٢)، (٩/ ٣٨٤)، المحرر (٢/ ١٩٥)، كشاف القناع (٥/ ٥٦١).
(٢) ينظر: المغني (٩/ ٣٨٤)، المحرر (٢/ ١٩٥)، الشرح الكبير (٥/ ١١).
(٣) هو إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري أبو يعقوب، ولد أول يوم من شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين؛ قال ابن أبي يعلى: "وخدم إمامنا وهو ابن تسع سنين، وذكره أبو بكر الخلال فقال: كان أخادين وورع، نقل عن أحمد مسائل كثيرة ستة أجزاء". ومات ببغداد سنة (٢٧٥ هـ) ذكره أبو الحسين بن المنادي. ينظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٠٩)، المقصد الأرشد (١/ ٢٤١).
(٤) ينظر: مسائل إسحاق بن إبراهيم (٢/ ١٣٤) رقم (١٧٥٥)، وأورد قريبا من هذه الرواية عبد الله بن الإمام أحمد في مسائله عن أبيه (ص ٤٣٤) رقم (١٥٦٩)، فقال: "قلت لأبي: فخمر يضطر إليها رجل يشربها؟ قال: لا يكون الخمر اضطرارًا، إنما الاضطرار إلى الميتة؛ لأن الخمر يعطش"، وبنحوها في مسائل صالح رقم (٤٥٦)، مسائل الكوسج (٨/ ٣٩٩٦) رقم (٢٨٤٣)، المغني (٩/ ١٦١)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص ٥٥٥)، رؤوس المسائل (٣/ ١٥٧٤).
(٥) هو أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني قال عنه ابن أبي يعلى: المتخصص بصحبة إمامنا أحمد. روى عن أحمد مسائل كثيرة وكان أحمد يكرمه ويعظمه، وقال الخطيب البغدادي: وكان رجلًا صالحا فقيرا صبورا على الفقر، فعلمه أبو عبد الله مذهب القنوع والاحتراف، ومات قديما بالقرب من موت أبي عبد الله، فلم تقع مسائله إلى الأحداث. مات أبو طالب سنة (٢٤٤ هـ) ذكره ابن قانع. ينظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٩٨)، طبقات الحنابلة (١/ ٤٠)، تاريخ الإسلام (٥/ ٩٩٨)، المقصد الأرشد (١/ ٩٥ - ٩٦).
[ ١ / ١٦٦ ]
لا يتداوى به، قليله وكثيره حرام (^١)، وقال أيضًا في رواية المروذي في فتى اعتل فوصفوا له دواء يشربه بنبيذ، فأتاه أبوه بقدح نبيذ مسكر، وفيه الدواء الذي وصف له، وقال له: أمك طالق ثلاثا إن لم تشربه، فقال أحمد لا يشربه حرام شربه (^٢)، ونحو هذا نقل إسحاق بن إبراهيم (^٣).
وقال أبو حنيفة: يجوز شربها خوف العطش ولا يجوز التداوي بها (^٤)، وقال الشافعي: لا يجوز شربها خوف العطش ويجوز التداوي بها (^٥)، ومن أصحابه من منع الجميع (^٦).
دليلنا: قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله: حرمت الخمرة لعينها" (^٧)، وأيضا ما روى أحمد بإسناده عن طارق بن سويد (^٨) أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر، وقال: إنما
_________________
(١) ينظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ٢٣٩)، كشاف القناع (٢/ ٧٧).
(٢) المراجع السابقة.
(٣) قال إسحاق بن إبراهيم في مسائله (٢/ ١٤٤): "وسألته عن رجل كان عليلا، فوصف له دواء يطرح فيه شيء من مسكر، فجاء أبوه إليه يريد أن يسقيه؟ فقال المريض: لا أشربه، وحلف أن لا يشربه، وحلف الأب عليه بالطلاق ثلاثة بتة أن يشربه؟ فقلت له: أيش ترى في هذا؟ فقال: لا يشرب أمره أن يشرب حراما، تحرم امرأته عليه، ولا يشرب".
(٤) لا يجوز عند الحنفية شرب الخمر عطشا إلا في الضرورة، ولا يشرب حال الضرورة منها إلا بقدر ما يدفع عنه ضرورته. ينظر المبسوط (٢٤/ ٨)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٢٦).
(٥) ينظر الأم (٢/ ٢٧٧)، الوسيط (٦/ ٥٠٥).
(٦) للشافعية في شرب المسكرات للتداوي أو العطش أربعة أوجه مشهورة: الأول: لا يجوز الشرب والتداوي، والثاني: يجوز، والثالث: يجوز للتداوي دون العطش، والرابع: عكسه، وهو أنه يجوز شربها للعطش دون التداوي، وهو قول إما الحرمين، والغزالي. قال الرافعي: الصحيح عند الجمهور لا يجوز لواحد منهما. لكن هذا القول - والله أعلم - محمول على التداوي بها مع وجود غيرها، وليس في حال اضطرار. فلقد قال النووي: أما التداوي بشرب الخمر في حال الاضطرار، فإن الراجح عند الشافعية أنه يجوز التداوي بها، وحمل النووي حديث "لم يجعل شفاءكم … " على عدم الحاجة، فقال: "وحديث لم يجعل شفاءكم … " محمول على عدم الحاجة إليه بأن يكون هناك ما يغني عنه، ويقوم مقامه من الأدوية الطاهرة" ينظر: الأم (٢/ ٢٧٧)، المجموع (٩/ ٥١)، الوسيط (٦/ ٥٠٥).
(٧) سبق تخريجه ص ٧٨.
(٨) هو طارق. بن سويد ويقال سويد بن طارق الحضرمي ويقال الجعفي له صحبة حديثه عند أهل الكوفة (روى له أبو داود وابن ماجه). روى عن: النبي ﷺ في الأشربة، وروى عنه: سماك بن حرب، وعلقمة بن وائل، وغيرهم. وقال ابن السكن، والبغوي: له صحبة. ينظر: تهذيب الكمال (١٣/ ٣٣٩)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣)، الإصابة (٣/ ٤١٢).
[ ١ / ١٦٧ ]
أصنعها للدواء، فقال: "إنه ليس بدواء ولكن داء" ذكره أبو بكر الخلال في كتاب الطب (^١).
وروى أحمد في الأشربة بإسناده عن ابن مخارق (^٢) أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة و[قد] (^٣) نبذت نبيذًا [في جر] (^٤) قال: فسمع النبيذ يهدر، فقال لها: "ما هذا؟ " قالت: فلانة اشتكت بطنها فنعت لها [هذا] (^٥)، فدفعه برجله فكسره ثم قال: "إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء" (^٦)، ولأنه شارب للخمر مع علمه بالتحريم من غير إكراه ولا غلبة ظن في إزالة ضرره، فوجب أن يحرم عليه ذلك (^٧).
دليله: إذا لم يضطر إلى شربها ولا يلزم عليه إذا وقعت لقمة في حلقه فلم يجد ما يدفعها أنه يجوز أن يذودها بالخمر؛ لأنه يغلب على ظنه زوال ضرورته في تلك الحال كأكل الميتة، وههنا لا نغلب؛ لأن الخمر تعطش ولا تروي، وكذلك لا يتحقق زوال المرض بها مع قوله ﷺ: "ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها" (^٨) ولأنه لو اضطر إلى الزنا لم يبح له فعله (^٩).
واحتج المخالف: بأن تناولها في حال الإكراه فله أن يتناولها في حال الضرورة، دليله الميتة (^١٠).
_________________
(١) لم أقف على رواية أبي بكر الخلال، وينظر: مسند أحمد برقم (١٨٨٦٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٧٣) كتاب الأشربة، باب: تحريم التداوي بالخمر، رقم (١٩٨٤).
(٢) حسان بن مخارق، الكوفي، وقد قيل حسان بن أبي المخارق كنيته أبو العوام. روى عن: أم سلمة وأبي عبد الله الجدلي وسعيد بن جبير. روى عنه: أبو إسحاق الشيباني وجابر بن يزيد. ينظر: التاريخ الكبير (٣/ ٣٣)، والجرح والتعديل (٢٣٥٣)، والثقات لابن حبان (٦/ ٢٢٣).
(٣) غير موجود بالأصل، والتصويب من الأشربة.
(٤) غير موجود بالأصل، والتصويب من الأشربة.
(٥) غير موجود بالأصل، والتصويب من الأشربة.
(٦) أخرجه أحمد في الأشربة (ص ٦٣) رقم (١٥٩)، وقال في مجمع الزوائد (٥/ ١١٣) إسناده منقطع ورجاله رجال الصحيح.
(٧) ينظر: المغني (٩/ ١٦٢)، العدة (١/ ١٩)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٩).
(٨) تقدم تخريجه.
(٩) ينظر: المغني (٩/ ١٦٢)، العدة (١/ ١٩)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٩).
(١٠) ينظر: المبسوط (٢٤/ ٨)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٢٦).
[ ١ / ١٦٨ ]
والجواب: أن الرواية مختلفة في تناولها في حال الإكراه، فروي عنه أنه لا يجوز له تناولها، وهو ظاهر ما نقله صالح (^١)، واختاره أبو بكر في السير (^٢)، ونقل عنه المروذي وجعفر بن محمد جواز ذلك (^٣)، فعلى هذا الإكراه لا يضاف الفعل إليه، ولهذا لا يفطر الصائم بالإكراه على الأكل (^٤)، وفي حال الاضطرار يضاف الفعل إليه، ولهذا المريض إذا أكل أفطر (^٥)، وعلى أن الميتة يحصل بها المقصود وهو الشبع، ولا يحصل ذلك بالخمر؛ لأنها تعطش (^٦).
واحتج: بأن تحريم الخمر حق الله تعالى وتحريم طعام الغير حق لآدمي، وحق الآدمي آكد من حق الله تعالى، ثم اتفقوا أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير، فتناول ما هو محرم لحق الله تعالى أولى (^٧).
والجواب: أن طعام الغير يحصل به المقصود، ولأن طعام الغير يحصل به المقصود.
ولأن طعام الغير يحصل عنه العوض، وحق الله لا يحصل عنه (^٨).
واحتج من منع الشرب وأجاز التداوي: بأن الشرب لا يحصل به المقصود وهو الري، والتداوي أكثر ما فيه أنه شيء نجس، وهذا جائز (^٩).
والجواب: أنا لا نسلم التداوي بنجس؛ لأنهم قد منعوا أكل الدرياق (^١٠)؛ لأنه نجس (^١١).
_________________
(١) ينظر: مسائل أحمد رواية صالح (٢/ ٣٢) رقم (٥٧٢)، الهداية على مذهب أحمد (١/ ٥٥٥).
(٢) لم أقف على الرواية، وينظر: الكافي (٣/ ١١٠)، المبدع (٦/ ٢٩٤).
(٣) لم أقف على الرواية، وينظر: المسائل الفقهية من كتاب الراويتين والوجهين (٢/ ١٥٥) رقم (٩٢)، الشرح الكبير (٨/ ٢٣٨)، المبدع (٦/ ٢٩٤).
(٤) ينظر: الإنصاف (٣/ ٣٠٤)، المغني (٨/ ٢٨) الشرح الكبير (٨/ ٦٠٧) المبدع (٦/ ٢٩٤).
(٥) ينظر: الفروع (٥/ ١٣)، كشاف القناع (٢/ ٣٠٦).
(٦) ينظر: المغني (٩/ ١٦٢)، العدة (١/ ١٩)، الشرح الكبير (١٠/ ٣٢٩).
(٧) ينظر: المبسوط (٨/ ٢٤)، تحفة الفقهاء (٣/ ٣٢٦).
(٨) ينظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ٢٣٩)، الإقناع للشربيني (١/ ٢١٠)، كشاف القناع (٢/ ٧٧).
(٩) ينظر الأم (٢/ ٢٧٧)، الوسيط (٦/ ٥٠٥).
(١٠) ويقال له: الترياق، وهو دواء من لحوم الأفاعي والخمر يستعمل لدفع السموم. ينظر: لسان العرب (١٠/ ٣٢)، مختار الصحاح ص (٤٥).
(١١) ينظر: الفروع وتصحيح الفروع (٣/ ٢٣٩)، كشاف القناع (٢/ ٧٧).
[ ١ / ١٦٩ ]