نص عليه في رواية المَرُّوذي وغيره.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال في رواية عبد الله: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرة ذي الحجة.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
وقال الشافعي: شوال، وذو القعدة، وتسعة أيام من ذي الحجة، فخالف في اليوم العاشر.
ويفيد هذا الاختلاف عندنا: أنه لو حلف حالف أن يوم النحر من أشهر الحج، لم يحنث.
وسألت قاضي القضاة أبا عبد الله الدامغاني عن ذلك، فقال لي: الفائدة فيه اليمين، وليس تحته فائدة حكمية تختصه.
وفائدته عند الشافعي: إن أحرم فيه بالحج لم ينعقد إحرامه به.
وفائدته عند أصحاب مالك: إن أخر طواف الزيارة عن جميع ذي الحجة كان عليه دم، وأن أخره عن يوم النحر، وفعله في بقية الشهر، فلا دم عليه، هكذا ذكر لي القاضي أبو محمد بن نصر المالكي.
دليلنا على أصحاب الشافعي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، قال علي وابن عباس: يوم النحر، فدل على أنه من أشهره.
وقد ذكره أبو داوود عن علي، وابن عباس بإسناده.
ونص عليه أحمد- أيضًا- في رواية حرب، وأبي طالب.
[ ١ / ١٣٨ ]
وروى أبو حفص بإسناده، عن ابن أبي أوفى قال: قال رسول الله (ﷺ) "يوم الأضحى الحج الأكبر".
ولأنه إجماع الصحابة، فروي ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير، وإحدى الروايتين عن ابن عمر مثل ذلك.
وروى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن الضحاك، عن ابن عباس قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن محمد بن عبد الله الثقفي، عن عبد الله بن الزبير قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وبإسناده عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
وروى أبو بكر النجاد، عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير مثل ما رواه وأبو الحسن.
وروى عن ابن عمر بإسناده، عن نافع، عن ابن عمر قال: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
فالرواية مختلفة عن ابن عمر.
[ ١ / ١٣٩ ]
فوجه الدلالة: أن العشر إذا أطلق في الشرع اقتضى الأيام، قال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] والمراد به: عشرة أيام بلا خلاف.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف:٤٢] قال أهل التفسير: أربعين يومًا، وأربعين ليلة.
وقد قيل فيه طريقة أخرى، وهو: أن ذكر [أحد] العددين على طريق الجمع يوجب ما بإزائه من العدد [الآخر، بدلالة قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والقصة واحدة.
فلما كان قولهم: (وعشر من ذي الحجة) يتضمن الليالي، وجب ما بإيذائه من الأيام.
وفي هذه الطريقة ضعف على أصلنا؛ لأنا قد تكلنا عليها في الاعتكاف.
فإن قيل: قولهم: (وعشر من ذي الحجة) المراد به: الليالي؛ لأنه لو كان المراد به: الأيام، لقال: وعشرة؛ لأن الهاء تدل على المذكر، وهي الأيام، وتحذف في المؤنث، وهي الليالي.
قيل له: إنما غلب لفظ المؤنث؛ لأن العرب تغلب التذكير إلا
[ ١ / ١٤٠ ]
في عدد الليالي والأيام، فأنها تغلب التأنيث، فتقول: (سرنا عشرًا) وتريد: سرنا عشر ليال وأيامها، ولهذا [قال] الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وأراد الليالي وأيامها، فغلب لفظ الليالي، كذلك هاهنا.
وقد قيل: إنما غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ؛ لأن ليلة الشهر غلبت يومه، ولم يلدها وولدته؛ لأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر.
وكذلك لما ذكرهما الله- تعالى- قدم الليالي على الأيام بقوله: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧].
وقال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [سبأ:١٨].
والعرب تستعمل الليالي في الأشياء التي يشاركها فيها النهار دون الليل، وإن كانت لا تتم إلا به.
وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢].
ويقولون: (إذا أدركنا الليل بموضع كذا) لاستهالته، ولأنه
[ ١ / ١٤١ ]
أول ما يرى.
والقياس: أنه يوم ليلته من الأشهر فكان منها، كما قبله.
ولأنه أول وقت ركن من أركان الحج، فهو كيوم عرفة.
ولأن أركان العبادة لا تتوقف بما بعد وقتها، كأركان الصلاة، فلما توقت ابتداء الطواف بيوم النحر، دل على أنه من وقت العبادة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]
قالوا: وفيها دليلان:
أحدهما: أنه [حد شهور] الحج، وأخيرًا أنها معلومات، والتحديد لا بد من فائدة، وتلك الفائدة عندكم كراهية الإحرام في غيرها، وعندنا منع صحة الإحرام [في غيرها، ولا يصح] عندنا، فثبت أنه ليس من أشهر الحج.
[ ١ / ١٤٢ ]
والثاني: قوله- تعالى- في سياق الآية: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فنهى عن الرفث- وهو الجماع- في وقت الحج، والوطء قد يحصل في يوم النحر؛ لأنه يرمي عندنا وعندكم قبل طلوع الفجر، ويطوف، فيحل له الوطء في جميع اليوم، فثبت أن هذا اليوم ليس من أشهر الحج.
والجواب عن الدليل الأول: أن قوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]
معناه: أفعال الحج في أشهر معلومات، ويوم النحر يختص بدخول وقت ركن من أركان الحج، وهو الطواف، ولا يجوز تقديمه عليه، وإذا كان المراد به الأفعال فقد جعلنا للتحديد فائدة.
فإن قيل: فالإحرام من أفعال الحج أيضًا.
قيل له: يحمل التحديد على أنه رجع إلى معظم الأفعال غير الإحرام بما ذكرنا.
وأما الدليل الثاني- وأنه منع من الرفث في أشهر الحج، وذلك جائز في أيام النحر- فالجواب عنه: أن قوله: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] معناه: في أفعال الحج بدليل أنه متى كان متلبسًا بها منع من الرفث، ومتى لم يكن متلبسًا بها لم يمنع، وإن كانت الأشهر موجودة؛ لأنه لو لم يحرم من أول شوال جاز له الرفث- وإن كان من أشهر
[ ١ / ١٤٣ ]
الحج- لعدم الأفعال.
وهذا موجود قي يوم النحر؛ لأنه متى لم يتحلل بالطواف، فالرفث محرم في حقه، وأن تحلل جاز له الرفث؛ لعدم الأفعال، كما يجوز في سائر الأيام.
واحتج بأنه لو كان من أشهر الحج لم تفت العبادة فيه، كسائر أوقات الصلوات، فلما فاتت فيه دل على أنه ليس بوقت لها.
والجواب: أنا نقابله فنقول: ولم لم يكن وقتًا لها لم يتقدر وقت الطواف بيوم النحر، دل على أنه منها.
وتحريره: أنه لا يمتنع أن يكون من وقتها، وإن فاتت فيه، كما لم يكن وقتًا لها عندك، وتقدر بوقت ركن لها.
فإن قيل: لا يتقدر بفعل الطواف؛ لأن وقته يتقدر عندنا بعد نصف الليل.
قيل: ذلك وقت رخصة، كوقت الظهر لصلاة العصر في الجمع، فأما وقت العزيمة فبعده.
واحتج بأن هذا يوم يسرع فيه الرمي، فلم يكن من أشهر الحج.
دليله: ما بعده من أيام التشريق.
[ ١ / ١٤٤ ]
والجواب: أنه لا تأثير للرمي في نفي ذلك بدليل: أن ما بعد أيام التشريق ليس من أشهر الحج، وإن لم يسن فيه الرمي.
ثم إن المعنى في الأًصل: إن ليلته لست من أشهر الحج، فلهذا لم يكن يومه منه، ليس كذلك يوم النحر؛ لأن ليلته من أشهر الحج فكان يومه من أشهره.
دليله: ما قبله.
واحتج بأن الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تفوت إلا بخروج وقتها.
والجواب: أنه إنما تفوت العبادة يفوت الوقوف؛ لأنها لا تصح إلا به، فأما أن تفوت بخروج وقت الحج فلا.
- فصل:
والدلالة على مالك، وأن ما بعد يوم النحر ليس من أشهره: ما تعدد من تفسير الصحابة، وهو ما روينا عن ابن عباس، وابن مسعود، وابن الزبير.
فإن قيل: فقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك.
قيل له: قد روينا عن ابن عمر روايتين:
فإما أن يتعارضًا فيسقطان، ونسلم قول غيره.
[ ١ / ١٤٥ ]
أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة.
ولأن ما بعد يوم النحر يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، وأقلها ثلاثة كاملة.
والجواب: أن (أشهر) اسم جمع، ويجوز إطلاق الجمع على الاثنين، وبعض الثالث، وعلى الاثنين أيضًا، قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨].
والأيام المعلومات عشرة، والتسمية إنما تكون في أيام النحر منها على الذبيحة.
وقولهم: (حججت عام كذا) وإنما حج في بعضه.
و: (لقيت فلانًا سنة كذا) وإنما كان لقاؤه في بعضها.
و: (كلمته يوم الجمعة) وإنما المراد البعض.
وقد حلوا قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] على قرئين وبعض الثالث، لأن عندهم الإقراء الأطهار، فبعض طهر قرء.
وقد أجاب عنه أبو بكر بن الأنبا ري فقال: العرب توقع الجمع على التنبيه بدليل قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦].
وإنما يريد: عائشة، وصفوان بن المعطل.
[ ١ / ١٤٦ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]
يريد: لحكم داوود، وسليمان.
وعلى أنه ليس يمتنع أن يكون الحج مضافًا إلى الأشهر بلفظ الجمع، والمراد به بعضها، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح:١٦]، فأضافه إلى السموات السبع، وليس هو إلا في بعضها، وهي السماء الدنيا، كذلك في الحج،
واحتج بأن كل شهر كان أوله من أشهر الحج، كان آخره من أشهره.
دليله: شوال، وذو القعدة.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون أوله من أشهر الحج، ولا يكون آخره، كالشهر الخامس في حق المتوفى عنها زوجها، أوله من زمان العدة، وآخره ليس منها.
على أن شوال وذا القعدة وقت للدخول في العبادة، وليس كذلك ما بعد يوم النحر؛ لأنه يطرأ بعد كمال التحلل من الحج، فلم يكن من أشهره، كالمحرم.
٣٢ - مسألة