ذكره الخرقي في "مختصره"، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: إن عاد إلى الميقات ملبيًا سقط الدم، وإن لم يعد ملبيًا لم يسقط.
وقال الشافعي: يسقط في الحالين إذا عاد قبل أن يطوف.
[ ١ / ٣٢٠ ]
دليلنا: أنه ترفه لو استدامه لوجب الدم، فإذا قطعه لم يسقط الدم.
دليله: إذا تطيب، أو لبس، ثم غسل الطيب، وخلع اللباس بعد ذلك، فإنه يلزمه الدم، كما لو استدامه، كذلك هاهنا، لو استدام المضي على إحرامه، ولم يرجع، لزمه، كذلك إذا رجع.
فإن قيل: إنما لزم الدم؛ لأنه حصل له هناك الاستمتاع بالطيب، ولبس الثوب، ونزعه وغسله لا يزيلان ذلك، وإنما يقطعان الاستمتاع في الحال، فلزمته الفدية لأجل ما حصل له، وفي مسألتنا إذا عاد لزمته مشقة في العود مقابل ما حصل له من الترفه.
قيل له: فيجب إذا رجع ولم يلب - أو رجع بعدما طاف - أن يسقط عنه أيضًا للمعنى الذي ذكرته.
وعلى أنه لا فرق بينهما، وذلك أنه لما حصل في الميقات، لزمه الإحرام منه، ولم يجز له مجاوزته محلًا، فإذا جاوزه محلًا فقد ترفه بترك الإحرام في ذلك الزمان، فإذا عاد إليه محرمًا فلم يزل ذلك الترفه في الزمان الماضي، وإنما حصل منه الرجوع بأحرام في الزمان الثاني.
ولأن كل دم استقر عليه إذا تلبس بالطواف، أو لم يأت بالتلبية، استقر عليه قبل التلبس به وبعد التلبية.
دليله: سائر الدماء المواجبة بقتل الصيد، والحلاق، وتقليم الأظفار، ونحو ذلك.
ولأنه مريد للنسك مر على الميقات محلًا، وأحرم دونه، لزمه الدم.
[ ١ / ٣٢١ ]
دليله: إذا لم يعد، أو عاد ولم يلب، أو عاد بعدما طاف.
وقولنا: (مريد للنسك) احتراز من الحطابة والحشاشة.
وقولنا: (أحرم دونه) احتراز منه إذا رجع قبل الإحرام فما بعد.
فإن قيل: إنما لزمه الدم إذا لم يعد؛ لأنه لم يحصل في الميقات محرمًا، وهاهنا قد حصل.
قيل له: فإذا عاد بعدما طاف، أو عاد ولم يلب، فقد حصل في الميقات محرمًا وعليه الدم.
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدن إذا عاد يلبـ]ـي [؛ لأن المتروك في الميقات هو التلبية، فإذا لم يأت بها في الميقات، فلم يأت بالمتروك، فلهذا وجب عليه الدم، وإذا لبى فقد أتى بالمتروك، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أن التلبية يلزمه الإتيان بها في الميقات، وإنما يستحب ذلك، ولهذا نقول: ينعقد الإحرام بمجرد النية.
فإن قيل: إذا عاد بعدما طاف فلم يأت بالنسك بإحرام كامل، فلهذا لم يسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه متى عاد قبل الطواف فقد أتى بالنسك بإحرام كامل، فلهذا سقط الدم.
قيل له: لا نسلم أنه أتى بالنسك بإحرام كامل؛ لأن النقص إذا دخل
[ ١ / ٣٢٢ ]
على إحرامه بعد مجاوزته [الميقات]، وإحرامه من غيره، وبعوده لا يزول النقص السابق، كما إذا غسل الطيب، وخلع اللباس في الثاني، فإن النقص السابق لا يزول، كذلك هاهنا.
ثم هذا لا يصح على أصل المخالف؛ لأنه يقول: هذا الإحرام مراعى؛ فإن عاد إلى الميقات تبينًا أنه وقع تامًا.
وقد عاد، فلا يصح قوله: إذا طاف في إحرام ناقص.
وعلى أنه كان يجب أن يقول: يسقط الدم لأجل عوده، ويلزمه إعادة الطواف؛ ليأتي به في إحرام كامل.
واحتج المخالف بأنه حصل في الميقات محرمًا قبل التلبس بشيء من أفعال النسك التي تلي الإحرام، فلم يلزمه دم الميقات، كما لو أنشأ الإحرام من الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه حصل إحرامه من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم للميقات، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه أحرم بعد مجاوزته للميقات، فلزمه دم الميقات، كما لو لم يعد، أو عاد بعدما طاف.
واحتج بأنه لو جاوز الميقات غير محرم، ثم أحرم بحجة أو عمرة، ثم جامع فيها، فقضاها، وسقط عنه الدم لترك الميقات، كذلك هاهنا.
والجواب: أن في تلك المسألة روايتين:
إحداهما - وهي الصحيحة -: أنه لا يسقط، فعلى هذا لا فرق بينهما.
والثانية: يسقط، فعلى هذا المعنى فيه: أن الدم قائم مقام النسك
[ ١ / ٣٢٣ ]
المتروك، [] وهو الإحرام من الميقات، فإذا قضى ذلك الإحرام من الميقات، فقد فعل المتروك فسقط الدم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه إذا عاد محرمًا، فلم يأت بالمتروك، وهو الإحرام في الميقات، فلهذا لم يسقط، فنظيره في مسألتنا أن يعود محلًا، ويحرم من الميقات، فيسقط الدم.
واحتج بأن المكي لو ترك الإحرام بالحج من الحرم، وأحرم من الحل، لا دم عليه، كذلك هاهنا.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه لا يجب عليه الإحرام من الحرم على قولنا، بل هو مخير، ولهذا نقول: لو لم يعد، ومضى إلى عرفات، فلا دم.
واحتج [بأنه] لو عاد إلى الميقات محلًا، وأحرم منه، لم يلزمه دم، وعوده هناك حصل بغير نسك، وهاهنا حصل بنسك وعبادة، فلأن لا يلزمه الدم أولى.
والجواب: أن هذا موجب أن لا يلزمه الدم إذا عاد بعدما طاف؛ لأنه عاد بنسك، ومع هذا فالدم لازم له.
وعلى أنه إذا عاد قبل الإحرام فإنما لم يلزمه الدم؛ لأن إحرامه
[ ١ / ٣٢٤ ]
حصل من الميقات، فلهذا لم يلزمه دم الميقات، وهاهنا حصل إحرامه بعد الميقات.
واحتج بأنه إنما لزمه الدم بترك الإحرام من الميقات، فإذا عاد فقد تلافى ما كان منه، فلم يلزمه دم، كما لو دفع من عرفات قبل المغيب، ثم عاد قبل طلوع الفجر، وكما لو صاد صيدًا، ثم أرسله، وكما لو ضرب رأس رجل، فابيضت عيناه، ثم زال البياض، فإنه لا تلزمه الدية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يحصل منه التلافي، ومع هذا فلا يسقط عنه الدم، كما لو غسل الطيب، وخلع اللباس، فقد تلافى، ومع هذا لا يسقط عنه الدم، وكذلك إذا أخرج الوديعة من حرزها، ثم ردها إلى الحرز، فقد تلافى، ومع هذا لا يبرأ من ضمانها، وكذلك إذا ترك التشهد الأول، ثم عاد إليه، لم يسقط عنه سجود السهو، كذلك هاهنا.
وعلى أن الدم إنما يجب عندنا بترك الإحرام من الميقات، وإيقاعه في غيره، وذلك لا يرتفع بعوده، فلا نسلم أنه تلافى ما كان منه.
وعلى أنه إذا رجع إلى عرفات قبل المغيب، فإنما يسقط الدم؛ لأن المأخوذ عليه الجمع بين الليل والنهار، وقد حصل له ذلك.
وكذلك إذا أرسل الصيد، فإنما لم يلزمه الضمان؛ لأنه إنما يجب بالإتلاف، وهو غير متلف.
وكذلك إذا عاد ضوء عينه لم يلزمه الضمان؛ لأن الإتلاف غير حاصل.
[ ١ / ٣٢٥ ]