نص عليه في رواية الأثرم، وقد سئل عن الصحيح؛ هل له أن يعطي من يحج عنه بعد الفريضة يتطوع بذلك؟ فقال: إنما جاء الحديث في الذي لا يستطيع، ولكن إن أحج عنه الصحيح أرجو أن لا يضره.
وهو قول لأبي حنيفة.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: لا يجوز.
وهذا في المعضوب، فأما في الصحيح، فلا يجوز قولًا واحدًا.
وقد انتقل أبو جعفر محمد بن أبي حرب الجر جرائي نحو هذا، فقال: سألته عمن قد حج الفريضة يعطي دراهم يحج عنه، فقال: أيش يكون له؟! ليس عليه شئ.
رأي أنه ليس له أن يحج عنه بعد الفريضة.
[ ١ / ٦٩ ]
وعلى هذا: أنه لا تصح النيابة في نقل الحج؛ لأنه كان ليس له أن يحج بعد الفرض، ويجعل العلة: أنه ليس عليه.
وقال في موضع آخر من "مسائلة": وقد سأله: الرجل [يعطي المال للحج]، قال: لا، لا يأخذ.
هذا محمول على الاستبانة في حجة التطوع، فأما في حجة الفرض، فقد نص في موضع آخر: أنها تخرج عنه، فقال: سألته عن الرجل يحج عنه، قال: إذا لم يكن حج فمن جميع المال، وكذلك جميع ما يلزمه من الزكاة وغيره، والزكاة أشد.
فقد نص في حجة الفرض.
وقوله: "الزكاة أشد" لم يرد أنها تقدم على الحج، أو أنها تقضي دون الحج، وإنما أراد أنهما- وإن كانا يقضيان- فإن الزكاة أكد؛ لأنه يتعلق بها حق الله- تعالى- وحق الآدمي، وهم الفقراء، والحج يتعلق به حق الله فقط، والدين يتعلق به حق آدمي فقط.
فالدلالة على أنه تصح الاستبانة في حجة التطوع: أن كل ما صحت النيابة في فرضه، صحت في نقله، كالصدقة؛ لما جاز أن يقول لغيره: (خذ [من] مالي خمسة دراهم، وأد الزكاة الواجبة علي) جاز أن يقول له: (خذ من مالي خمسة دراهم، تصدق بها صدقة التطوع).
[ ١ / ٧٠ ]
ولأن الفرض آكد من التطوع، وإذا صحت النيابة في الفرض، ففي التطوع أولى.
واحتج المخالف بأنها عبادة على البدن، فلا تصح النيابة فيها عند عدم الضرورة في الأًصل.
وعلى أنه لما لم تصح النيابة في الصلاة، استوي في ذلك حكم الفرض والنقل، فلو كان الحج كذلك، لاستوى حكم فرضه ونفله.
واحتج بأن النيابة إنما جازت فيها للحاجة، بدليل: أن الصحيح لا [يستنيب فيها]، ولا حاجة في الاستبانة في التطوع.
والجواب: أن النيابة إنما جازت؛ لأن فعلها بنفسه غير واجب، وهذا موجود في النقل.
وعلى أنا لا نسلم: أنه لا حاجة به إلى النقل؛ لأن الإنسان به حاجة إلى فعل الطاعات بعد موته، كما به حاجة إلى إسقاط الفرض.
١٨ - مسألة