نص عليه [في رواية صالح وإسماعيل بن سعيد]:
فقال في رواية صالح: لا يحج أحد عن أحد لم يحج عن نفسه، وقد بين النبي ﷺ فقال: «حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة».
وقال في رواية إسماعيل - وقد سئل عن الصرورة أهل بالحج عن غيره - قال: لا يحج فإن فعل لا يجزئه ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال لمن لبى عن غيره، وهو صرورة: «اجعلها عن نفسك».
فقد نص: أنه لا يجزئ عن الغير، واختلف أصحابنا: هل يقع
[ ١ / ١٠٣ ]
عن نفسه، أم لا؟
فقال ألخرقي: يقع عن نفسه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو بكر في كتاب «الخلاف»: لا يقع عن نفسه، ولا عن غيره.
فعلى قوله لا ينعقد الإحرام.
وقال أبو حفص العكبري في «شرح ألخرقي «: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
ونقل محمد بن ماهان في رجل عليه دين، وليس له مال: يحج الحج عن غيره حتى يقضي دينه؟ قال: نعم.
وظاهر هذا: جواز الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وقال أبو حنيفة ومالك وداود: يجزئ عن الغير.
فالدلالة: أنه لا يجرئ عن الغير: ما روى عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «من شبرمة؟» قال: أخي، أو قريب لي، قال: «[هل] حججت قط؟» قال: لا، قال: «اجعل هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وروي في لفظ آخر: «فعن نفسك فلب»
[ ١ / ١٠٤ ]
وفي لفظ آخر رواه أبو إسحاق الشالنجي قال: «لب - أو حج - عن نفسك، ثم عن شبرمة»
وروي في لفظ آخر: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وروي [. . . .]: «هذه عنك، ثم حج عن شبرمة».
وهذه الألفاظ كلها نصوص؛ لأنه منعه من الحج عن غيره، وعليه فرض الحج.
فإن قيل: قوله: «حج عن نفسك» يقتضي وجوب استئناف الحج عن نفسه، وعندكم أنه كان حاجا عن نفسه.
قيل له: قوله: «حج عن نفسك» معناه: استدمة عن نفسك؛ لأنه إذا قيل لمن هو متلبس بالحج: حج، معناه: استدم، كما قيل للمؤمن: آمن، معناه: استدم الإيمان.
فان قيل: قوله: «اجعلها عنك» يدل على: أن الإحرام كان واقعًا عن شبرمة؛ لأنه لو كان انعقد عنه لما احتاج أن يجعله عن نفسه.
قيل له: قوله: «اجعلها» كناية عن التلبية، وإشارة إليها؛ لأنه رآه
[ ١ / ١٠٥ ]
يلبي عن شبرمة، فقال: اجعل هذه التلبية عن نفسك؛ فإن الإحرام واقع عنك.
فإن قيل: فلم لا يون كناية عن الحجة؟ وقد تقدم ذكرها أيضًا؛ لأن في الخبر: «هل حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «اجعلها عن نفسك».
قيل: إنه إنما وجب حمله على التلبية؛ لأنه قد صرح به في لفظ آخر، فقال: «أيها الملبي عن فلان! لب عن نفسك، ثم عن فلان».
وجواب آخر، وهو: أنه لو كان المراد صرف الإحرام عن شبرمة بعد انعقاده [عنه إلى نفسه]، لكان فيه فسخ حج إلى حج، وذلك غير جائز، فعلم أن المراد به: التلبية، أو المراد به: استدامة الإحرام عن نفسك.
فإن قيل: فسخ الإحرام كان جائزًا في ذلك الوقت، وهذه القصة كانت في حجة الودع، وقد أمر أصحابه بالفسخ لمن لم يسق الهدي.
قيل له: فسخ الإحرام كان ثابتًا على وجه مخصوص، وهو أن يفسخه إلى عمرة، فأما فسخ الحج إلى حج آخر، وفعله شخص عن شخص، فلم يكن ذلك جائزًا في الشرع، فلم يجز حمل الخبر عليه.
فإن قيل: قوله: «هذه عنك» فيه إضمار، يحتمل أن يريد: اجعل
[ ١ / ١٠٦ ]
هذه عنك، ويحتمل: هذه واقعة عنك.
قيل له: قوله:» هذه» إشارة إلى موجود، وهي الحجة التي أحرم بها، وعندك لا تكون هذه عنه، وإنما يكون مثلها عنه بإحرام مستأنف.
فإن قيل: فقد روي: أن النبي ﷺ سمع رجلًا يلبي عن نبيشة فقال له: «هل حججت قط؟» قال: لا، فقال: «هذه عن نبيشة، ثم حج عن نفسك».
قيل: هذا غير صحيح.
قال: كان الحسن بن عمارة يروي هذا الحديث، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن طاووس، عن ابن عباس، وكان وهم الحسن بن عمارة، ثم رجع في آخر عمره إلى الصواب من حديث شبرمة، وترك رواية حديث نبيشة.
والحسن بن عمارة ضعيف في الجملة.
وعلى أنهما لو تعارضا كان تقديم المشهور المتفق على صحته أولى.
[ ١ / ١٠٧ ]
والقياس: أنه لم يؤد فرض الحج عن نفسه، فلا يجوز أن يؤديه عن غيره، كالمراهق.
فإن قيل: المراهق لا ينعقد إحرامه، وحجه ليس بحج صحيح، ألا ترى أنه لو حج عن نفسه لم يجز؟
قيل له: لا نسلم هذا، بل عندنا أن حجه صحيح، كالبالغ.
فإن قيل: فالمعنى: أنه لا ينعقد نذره، وليس كذلك الصرورة؛ فإنه ينعقد نذره، فانعقد إحرامه عن غيره.
قيل له: علة الفرع تبطل بالمحرم؛ فإنه ينعقد نذره بالحج، ولا ينعقد إحرامه.
وعلى أنه إذا نذر لا يجب إحضاره مواضع النسك لتأديته، وليس كذلك الإحرام؛ فإنه يجب إحضاره مواضع النسك، وأمره بتأديته.
ولأنه لا ينعقد نذره، وينعقد لم سلامه، كذلك لا ينعقد نذره، وينعقد إحرامه.
[وأيضًا فإنه إذا حضر ذلك الموضع] تعين عليه أداء الفرض عن نفسه، فلا يجوز أن يؤدي عن غيره، كما لو حضر الوقعة، ووقف في صف القتال، ونوى أن يقاتل عن غيره، كان عن نفسه.
[ ١ / ١٠٨ ]
فإن قيل: لمَّا لم يجز أن ينوي القتال عن غره استوي فيه حكم المرة الأولى والثانية، وليس كذلك الحج؛ لأنه له أن ينوي عن غيره بعدما يحج عن نفسه مرة، كذلك الابتداء.
قيل له: إنما لم يجز أن ينوي بالقتال عن غيره في المرة الثانية؛ لأنه يتعين عليه بالحضور في الدفعة الثانية، وليس كذلك في الحج في الدفعة الثانية؛ لأنه لا يتعين عليه بالحضور، وفي الدفعة الأولى يتعين فكانت بمثابة كل حضور ينوى به الجهاد.
وأيضًا فإن الإحرام ركن من أركان الحج، فبقاؤه عليه يمنع أداءه عن غيره، كطواف الزيارة.
فإن قيل: الطواف موجب بالإحرام، والأصول فرقت بين موجبات الإحرام وبين الإحرام نفسه في أن حكم موجباته لا يتعين بالنية، ويتعين حكم الإحرام، ألا ترى أن موجبات الصلاة لا تتعين بالنية، ويتعين الإحرام؟
وبيان هذا: أنه لو أحرم بالصلاة بنيه النفل لم يجز صرف موجباتها - وهو الركوع والسجود - إلى الفرض، ولو أراد صرفها إلى الفرض قبل الإحرام بها صح، كذلك الطواف لا يجوز صرفه إلى غيره بعد أن تلبس بالإحرام عن نفسه، ويجوز قبل التلبس به.
قيل له: موجبات الصلاة تابعة لإحرامها، ألا ترى أنها لا تنفرد بنية، ولا بوقت، ولا بمكان؟ فجاز أن يكون الاعتبار بإحرام الصلاة، وليس
[ ١ / ١٠٩ ]
كذلك الطواف وغيره من أركان الحج؛ لأنه ليس في حكم التابع للإحرام، ألا ترى أنه ينفرد الطواف بنية؟ فلو طاف حول البيت لطلب غريم له لم يجزه، وكذلك ينفرد بوقت يخالف وقت الإحرام، وبمكان، فجرى في ذلك مجرى الإحرام، فلما لم يجز أداؤه عن غيره، وعليه فرضه، كذلك الإحرام به.
واحتج المخالف بما روى ابن عباس: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأ حج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين الله أحق».
قال: فوجه الدلالة: أن النبي ﷺ لم يسأله: أحججت عن نفسك، أو لا؟ ولو كان الحكم يختلف لسأله.
والثاني: أنه شبهه بالدين، ومعلوم أن من كان عليه دين جاز أن يؤدى دين غيره.
وروي عن علي - ﵇ - قال: استقبلت النبي ﷺ جارية شابة من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحج، أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: «حجي عن أبيك».
ولم يسألها: أحججت عن نفسك، أم لا؟
والجواب: أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ علم من حال السائل أنه
[ ١ / ١١٠ ]
قد حج عن نفسه، فلهذا أجاز له النيابة عن أبيه.
وهذا هو الظاهر من حال الخثعمية، لأنها [سالت النبي ﷺ بعد] منصرفه من المزدلفة إلى منى حيث كان الفضل رديفه، والظاهر من حال من يكون في ذلك الموضع: أنه قد حج، فلذلك لم يستفصل.
وعلى أن الخبر اقتضى السؤال عن جواز النيابة في الجملة، فأما مواضعه فغير مقصود بيانها به.
وأما تشبيهه بالدين، فإنما شبهه بقضاء الدين في حق من كان قد حج عن نفسه، والتشبيه في ذلك الموضع صحيح.
وعلى أن النبي ﷺ شبه النفع الحاصل بقضاء الحج بالنفع الحاصل بقضاء الدين، فيحتاج أن يثبت قضاء الحج حتى يكون نفعه كنفع قضاء الديون.
واحتج بأن هذا مما تصح فيه النيابة، فوجب أن يجوز أداؤه عن غيره قبل أدائه عن نفسه، كالدين والزكاة.
ولا يلزم عليه طواف الزيارة، لأن التعليل لجواز أدائه من غيره قبل أدائه عن نفسه بحال، وهذا مستمر في الطواف، ولأنه إذا لم يكن محرمًا جاز له أن يحرم عن غيره، ويطوف عنه.
والجواب: أن [قوله]: (هذا مما تصح فيه النيابة) رجوع عن كلامه
[ ١ / ١١١ ]
في المسألة التي قبلها، وان الحج لا تدخله النيابة، وإنما يكون له ثواب النفقة، ونسأل الله حسن التوفيق.
مع أن الفرق بين الحج وبين الزكاة والكفارة والدين واضح، وذلك أن الاستنابة تصح في هذه الأفعال في جميع أحوال من وجب عليه، سواء عجز عن فعلها في نفسه، أو لم يعجز، كذلك لا تختص بحال للنائب دون حال، وليس كذلك الحج، فإنه لا يجوز أن يستنيب فيه مع قدرته عليه، ويجوز مع عجزه عن نفسه، فلما اختص بحال دون حال لمن وجب عليه، جاز أن يختص بحال للنائب دون حال.
ولأنه إذا نوع إحرامًا مطلقًا- وعليه فرضه- انصرف إليه، ولو أخرج صدقة إلى الفقراء، أو أعتق رقبة، لم ينصرف بإطلاقه إلى الزكاة والكفارة.
ولأن بقاء بعض الدين والزكاة لا يمنع أداء دين غيره، كذلك بقاء جميعه، وليس كذلك الحج، لأن بقاء بعضه عليه، يمنع أداءه من غيره، كذلك بقاء جميعه.
فإن قيل: على هذا كل جزء من الدين والزكاة له حكٌم قائم بنفسه، لأنه لو أدى جزءًا من الزكاة وقع موقعه، وإن لم يؤد الباقي، وكذلك
[ ١ / ١١٢ ]
الدين، وليس كذلك الحج، لأن بعضه لا يثبت حكمه بنفسه، بدليل أنه لو أفسد بعضه، فسد جميعه.
قيل له: لا فرق بينهما، وذلك أنه قد ثبت حكم بعضه بنفسه، ألا ترى أنه لو أحرم، ووقف بعرفة، وأخر طواف الزيارة إلى أن عاد إلى بلده، لم يفسد ما عمله، بل يثبت حكمه؟ وكذلك لو أفسد الطواف، ولم يفسد ما تقدم، فهو كالزكاة والكفارة.
واحتج بأنه لو أحرم عن نفسه في هذه الحال صح إحرامه، كذلك إذا أحرم عن غيره قياسًا على من حج مرة.
[والجواب: أنه] لا يجوز اعتبار من حج مرة بمن لم يحج، كما لم يجز اعتبار من طاف مرة بمن لم يطف في جواز النيابة.
ولأنه إذا حج مرة لم يتعين عليه الحج، وإذا لم يحج يتعين عليه الحج بالحضور، فلم تصح النيابة فيه كالجهاد.
ولأن المعنى في الأصل: أنه أسقط فرض الحج عن نفسه، وليس كذلك في مسألتنا، لأنه لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فهو كالمراهق.
[ ١ / ١١٣ ]
٢٩ - مسألة