رواها حنبل عنه فقال: إذا نتف المحرم ثلاث شعرات أهراق لهن
[ ١ / ٣٩٨ ]
دمًا، فإذا كانت شعرة، أو اثنتين كان فيهما قبضة من طعام.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: في أربع شعرات فصاعدًا دم، فأما الثلاث فما دون فلا دم في رواية المروذي وابن إبراهيم وابن منصور:
فقال في رواية المروذي: كان عطاء يقول: إذا نتف ثلاث شعرات فعليه دم، وكان ابن عيينه يستكثر الدم في ثلاث، ولست أوقت، فإذا نتف متعمدًا أكثر من ثلاث شعرات فعليه دم، والناسي والمعتمد سواء.
قال أبو حنيفة: إذا حلق أو قصر ربع رأسه فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة.
وقال مالك: إن حلق أو نتف مقدارًا يماط به الأذى فعليه دم من غير تقدير ثلاث أو أربع.
وجه الرواية الأولى: قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وتقديره: فحلق، ففدية، ومن حلق ثلاث شعرات يسمى حالقًا.
ولأنه محرم حلق من شعره عددًا يقع عليه اسم الجمع المطلق لم يلجئه الشعر إليه، أشبه إذا حلق ربعه، أو حلق ما يماط به الأذى.
وفيه احتراز من شعر الحلال، ومن شعر البهيمة؛ لقولنا: من شعره.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وفيه احتراز مما دون الثلاث؛ لقولنا: الجمع المطلق.
وفيه احتراز منه إذا نتف شعرًا يؤذيه؛ لأنه ألجأه.
ولأنه إذا كان لابد من تقديره بالثلاث أولى من الربع، لأن الربع لم يقدر به في شيء من الشريعة، والثلاث قد قدرت بها أحكام كثيرة مثل المسح، وخيار الشرط عندهم، وخيار المصراة عندنا، وصوم كفارة اليمين، وصوم المتمتع في الحج، وقال ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥].
واحتج المخالف بأنه حلق من رأسه أقل من الربع، أو قدرًا لا يماط به أذى، أشبه إذا حلق شعرة، أو شعرتين.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الثلاث بما دونها؛ لما بينا، وهو: أن الثلاث قد جعلت حدًا في الشريعة في أحكام كثيرة، وخولف بينها وبين ما دونها، والربع لم يثبت حدًا، فبطل ما ذكره.
وكذلك ما يماط به الأذى لم يتعلق به حد في الأصول، ألا ترى أنه لو غطى يسيرًا من رأسه افتدى؟
واحتج بأن القليل لا يوجب الدم، والكثير يوجبه، فلابد من حد فاصل بينهما، فيجب أن يكون ذلك الحد الربع؛ لأنا وجدنا الربع يقوم مقام الكل في كثير من المواضع، ألا ترى أن الرائي إذا رأى شخصًا يقول: رأيت فلانًا، وإنما رأى أحد جوانبه الأربع.
والجواب: أنا قد بينا: أن الربع لا يجوز أن يكون حدًا هاهنا؛ لأنه
[ ١ / ٤٠٠ ]
لم يحد حدًا في بعض الأصول، وقد جعل الثلاث حدًا.
وما ذكروه من رؤية مقدم الإنسان فلا يصح؛ لأن الإنسان ليس بمربع، فيكون مقدمه ربعه، وإنما هو مسطح.
وعلى أنه إنما يقول: رأيته؛ إذا عرفه، لا لأجل أنه رأى ربعه، ومتى عرفه بجزء منه يقول: رأيت فلانًا، ورأسه أقل من الربع، وكذلك إذا رأى يده وعرفه بها، قال: رأيته، فبطل ما قاله.
واحتج مالك بأنه قدر لا يؤثر في إماطة الأذى، فلا يجب به الدم.
دليله: ما دون الثلاث.
والجواب عنه: ما تقدم من الفرق.
واحتج بعض أصحابنا بأنه حلق أقل من أربع شعرات، فلم يجب الدم، كما لو حلق شعرتين.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأن ما يجزئ في مسح لا يجب به دم.
أصله: ما دون الثلاث.
والجواب: أنه لا يمتنع أن [لا] تتقدر الثلاث في المسح، وتتقدر في الحلق، كما لو يتقدر كشف الرأس بربعه، ويتقدر المسح بربعه عندهم.
والمعنى في الأصل: أنه لا يتناوله اسم الجمع، وهذا بخلافه.
[ ١ / ٤٠١ ]
٧٨ - مسألة