نص عليه في رواية ابن منصور، وحرب، ومهنا:
[ ١ / ٤٢٢ ]
فقال في رواية ابن منصور: وقد سئل: يقصر المحرم رأس الحلال؟ قال: نعم.
وفي رواية مهنا: إذا حلق المحرم رأس حلال، وهو نائم، أو كاره، لا كفارة عليه.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية؛ يطعم شيئًا.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا خطاب للمحرمين، [فنهاهم] من حلق رؤوسهم، فدل على أن لهم أن يحلقوا رؤوس المحلين.
فإن قيل: تقديره: لا يحلق أحد رأسه، ولا رأس غيره، كما قال تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، لا يقتل أحد نفسه، ولا نفس غيره.
قيل له: قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] خطاب للمحرمين، فلا يدخل فيهم غيرهم، وقوله: ﴿ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ خطاب لجميع المكلفين، وكان ذلك في المكلفين بمنزلة قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ في المحرمين.
فإن قيل: العادة أنهم لا يحلقون رؤوسهم، وإنما يحلقون رؤوس
[ ١ / ٤٢٣ ]
غيرهم، فحمل النهي على ذلك.
قيل له: قد ثبت أن هذا خطاب للمحرمين، فإن لم يتأت فعله في نفسه، حمل على فعله في محرم مثله؛ لأن قوله: ﴿ولا تَحْلِقُوا﴾ خطاب لكل واحد منهم، وقوله: ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ لفظ الجمع المعرف فيقتضي جنس رؤوس المحرمين.
والقياس: أنه حلق شعر محل، فلا يلزمه الفدية.
دليله: إذا كان الحالق حلالًا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه إذا حلق شعر نفسه لم تلزمه الفدية، وكذلك إذا حلق شعر محل، وليس كذلك المحرم؛ [فإنه] إذا حلق شعر نفسه لزمته الفدية.
قيل: إذا كان الحالق حلالًا فاستوى شعره وشعر المحلوق؛ لأن كل واحد منهما شعر محل، فلم تختلف [] الفدية، وليس كذلك إذا كان الحالق محرمًا؛ لأن شعره مخالف لشعر المحل، فلهذا افترقا في وجوب الفدية.
وقياس آخر: وهو: أنه شعر لا يختلف باختلاف المكان، فإذا لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياسًا على شعر البهيمة.
أو نقول: كل شعر لم يضمنه المحل لم يضمنه المحرم قياسًا
[ ١ / ٤٢٤ ]
على شعر البهيمة.
ولا يدخل عليه شعر الصيد؛ لأنه يضمنه المحل في الحرم.
أو نقول: شعر لا يتعلق بمنبته حرمه الإحرام، أشبه شعر البهيمة.
وقياس آخر، وهو: أنه معنى يراد للترفه، فإذا فعله المحرم بالمحل لم يلزمه الضمان، كالطيب واللباس.
وعبر عن هذا المعنى بعضهم، فقال: عبر على المحل كراهية المحرمين، فلم يلزمه فدية.
دليله: اللبس.
وهذا ينتقض بالمحرم إذا وطئ المحلة، فإنه يلزمه الفدية، وقد عبر على المحلة هيئة المحرمات، والصحيح ما ذكرنا.
فان قيل: فرق بينهما، وذلك أن اللبس والطيب غير محرم على المحرم في حال العذر على الإطلاق؛ لأن له لبس الإزار والرداء، وإنما نهي عن لبسه على صفة، وهو أن يشتمل عليه بالخياطة.
وكذلك لم ينهه عن التطيب على الإطلاق؛ لأن له أن يلبس ثوبًا
[ ١ / ٤٢٥ ]
مبخرًا بعود وند.
وليس كذلك الحلق؛ فإنه محرم على المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق وغيره.
دليله: قتل الصيد.
قيل له: هذا ينتقض بقتل الصيد؛ فإن المحرم يمنع من قتله على الإطلاق في غير حال العذر؛ لأن صيد البحر من جمله الصيد، ومع هذا فلا يمنع منه، وكذلك الذئب عندهم هو صيد لا يمنع، ومع هذا لا يستوي في وجوب الكفارة في حقه وحق غيره، وكذلك لحم الصيد ليس بمجرم على المحرم إذا لم يصد لأجله، ولحمه يجرى مجرى الصيد في باب التحريم إذا ذبح لأجله.
وعلى أن الحلاق واللباس فد تساويا في حق المحرم في إيجاب الفدية عليه، وإن كانا يختلفان من الوجه الذي ذكروه، وهو: أن اللبس يباح في غير حال العذر، والحلق لا يباح، يجب - أيضًا - أن يتساويا في حق المحل.
وعلى أن أكثر ما في هذا [أن] تحريم الحلاق أعم من تحريم اللبس، وهذا لا يوجد الفرق بينهما في باب الضمان، ألا ترى أن كل ما يؤكل لحمه من الحيوان لا يباح قتله لغير ضرورة، وما يباح أكله
[ ١ / ٤٢٦ ]
[يقتل] للضرورة ولغيرها، ثم يتساويان في الضمان في حق الأجنبي إذا أتلفه عليه، كذلك هاهنا.
واحتج المخالف بأنه محرم حلق شعر الآدمي، فوجب أن تلزمه الفدية، كما لو حلق رأس نفسه، أو رأس محرم آخر.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه لو ألبسه المخيط أو طيبه وجب عليه الفدية، فكذلك إذا حلقه، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لو ألبسه أو طيبه لم تلزمه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأن منبته لا تتعلق به حرمة الإحرام.
ولأن شعر المحرم مضمون بالدم، وما اختلفنا فيه مضمون بالصدقة، فلو كانا سواء لوجب أن يتساويا في مقدار الضمان.
واحتج بأنه معنى نهي عنه المحرم في غير حال العذر على الإطلاق، فوجب أن يستوي في وجوب الكفارة في حقه، وحق غيره.
دليله: الصيد.
قالوا: ولا يلزم عليه إذا ألبس غيره، أو طيبه؛ أنة لا فدية؛ لأنه لم ينه عن اللبس على الإطلاق، إنما نهي عن لبس على صفة هي المخيط، وكذلك الطيب؛ لم ينه عن ثوب مبخر بعود.
والجواب: أنا قد بينا: أن الصيد لم يمنع منه المحرم على الإطلاق
[ ١ / ٤٢٧ ]
في حال العذر من الوجه الذي ذكرنا.
وعلى أن الصيد قد يحرم إذا كان للمحل على المحل، ويجب الجزاء بقتله، وهذا إذا كان في المحرم، ولا يحرم شعر المحل على المحل بحال، ولا تجب الفدية عليه بحلقه.
ولأن الله - تعالى - أطلق تحريم الصيد بقوله: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، فلهذا استوى صيده وصيد غيره، وقيد الحلق فقال: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا خطاب للمحرمين خاصة من الوجه الذي ذكرنا، فبان الفرق بينهما.
ولأن الصيد لما منع من قتله في حقه وحق غيره استوى الجزاء، فلو كان الحلق كذلك لاستوى، ولما فرق بينهما، فقال: في شعر المحرم دم، وفي شعر الحلال صدقة، دل على الفرق بينهما.
فإن قيل: اختلافهما في المقدار لا يمنع استواءهما في وجوب الفدية فيهما، كما أن اختلاف المقدار الواجب في شعرة واحدة وفي ثلاث شعرات لا يمنع استواهما في الوجوب، وإنما اختلفا في المقدار؛ لأنه إذا حلق رأس نفسه حصل له الانتفاع به، وإذا حلق رأس غيره حصل الانتفاع به للمحلوق.
قيل له: إنما اختلف المقدار فيما دون الثلاث؛ لأنه لا يقع عليه اسم الجمع المطلق، ويقع على الثلاث، وليس كذلك هاهنا؛ لأن اسم الجمع المطلق قد وجد، وعند مخالفنا ربع الرأس في حق الحلق، فلو
[ ١ / ٤٢٨ ]
كان ممن تتعلق به الفدية، لوجب أن يستوي حكمه في حقه، كما استوى في حق المحرم.
واحتج بأن الاعتبار بالمحرم، لا بالشعر، كما أن الاعتبار به، لا بالصيد، ألا ترى أن رجلًا لو كان في الحرم، فرمى صيدًا في الحل، لزمه الجزاء، وإن كان الصيد في الحل مباحًا؛ لأن حال الرجل يحظر الصيد، كذلك إذا حلق رأس الحلال يجب أن تلزمه الفدية؛ لأن حاله يحظر حلق الشعر.
والجواب: أنه لما كان الاعتبار به في مثل الصيد، لا بالصيد، لزمه بقتل صيد الحل ما يلزمه بقتل صيد الحرم، فلو كان الاعتبار به، لا بالسفر، لوجب أن يلزمه بذلك ما يلزم المحرم.
٨٥ - مسألة