قال في رواية الأثرم - وقد سئل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج - قال: نعم، يدهن به إذا احتاج إليه.
وظاهر هذا: أنه لا فدية عليه؛ لأنه أباح استعماله.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وفيه رواية أخرى: عليه دم.
قال في رواية أبي داود: الزيت الذي يؤكل لا يدهن به المحرم رأسه، فذكرت له حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ ادهن بزيت غير مقتت، فسمعته يقول: الأشعث الأغبر.
وظاهر هذا: أن فيه الفدية؛ لأنه منع منه، وهو اختيار الخرقي، وقد يحتمل أن يكون منع منه على طريق الكراهية من غير فدية.
وقال أبو حنيفة: عليه الفدية.
وقال الشافعي: إذا دهن به رأسه أو وجهه، فعليه الفدية، وإن دهن به سائر بدنه لم يجب عليه شيء.
والرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا روح، قال: ثنا حماد، عن فرقد السبخي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ ادهن بزيت غير مقتت، وهو محرم.
قال أبو عبيد: يعني: غير مطيب، والمقتت الذي فيه الرياحين، يطبخ بها الزيت حتى تطيب، ويتعالج به من الرياح.
فإن قيل: يجوز أن يكون ادهن بعد الحلق، وقبل الطواف.
[ ١ / ٣٨٠ ]
قيل له: إذا رمى فقد تحلل، ولا يسمى محرمًا على الإطلاق.
ولأنه في هذا الوقت كان يتطيب بأطيب الطيب، وهو المسك، وقد روته عائشة ﵂، فلا معنى لتخصيص الزيت، واستثنى الذي ليس بمطيب في هذا الوقت، فلم يجز حمل الخبر عليه.
والقياس أنه ليس عليه رائحة مستطابة، فلم يكن من الطيب، أو نقول: فلم تجب به فدية.
دليله: السمن والزبد.
ولأنه لو استعمله في بعض عضو كامل لم يجب به الدم.
دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بان الزيت والشيرج، كما أصل الأدهان التي هي الطيب، ومعلوم أن الدهن لم يكتسب من هذه الأشياء إلا الرائحة؛ لأن جرم البنفسج والورد غير قائم فيه، ولا مخالط له، ووجدنا الرائحة بانفرادها لا حكم لها في الأصول، ولا تتعلق بها وجوب الكفارة، ألا ترى أنه لو لبس ثوبًا مبخرًا بند أو عود، لم يلزمه شيء؟ فلما اتفقوا على أنه يجب في دهن البنفسج والورد دم، علم أنه إنما يجب لأن الشيرج الذي هو أصله في نفسه طيب.
ويدل على أنه طيب ما روي عن علي: أنه كان إذا أراد أن يحرم ادهن من دبة زيت.
وهذا يدل على أنه طيب؛ لأنه كان يستعمله على وجه التطيب
[ ١ / ٣٨١ ]
الذي ندب إليه لأجل إحرامه.
والجواب: أن قولهم: (إنه لم يكتسب من تلك الأشياء إلا الرائحة، والرائحة بانفرادها لا تجب بها الفدية) غير مسلم؛ لأن المقصود من الطيب ريحته دون جرمه، وغاية الطيب هو الشم، فإذا كان كذلك لم يكن فرق بين ما طيب برائحته من غير جرمه، وبين ما خلط بجرم الطيب.
وما ذكروه من الثوب المبخر فإن الفدية تجب [فيه] به.
وما ذكروه من حديث علي فيحتمل أن يكون قصد بذلك التداوي؛ لان النبي ﷺ كان يبارك في الزيت، لا أنه على وجه الطيب.
- فصل:
والدلالة على الشافعي: أنه لو دهن به بدنه لم يجب به دم، كذلك إذا دهن به رأسه ووجهه.
دليله: السمن والزبد.
ولأنه عضو لو دهنه بالسمن والبزر، لم يجب به الدم، كذلك إذا دهنه بالزيت والشيرج، كالبدن.
ولأن الرأس موضع [من] بدنه، فإذا دهنه بالزيت والشيرج لم يلزمه دم.
[ ١ / ٣٨٢ ]
دليله: سائر البدن.
ولأن حكم الرأس والجسد سواء فيما يرجع إلى تغطيته وطيبه، وكان يجب مثله هاهنا.
فإن قيل: إنما يقصد باستعمال الشيرج في الرأس والوجه تحسين الشعر وترجيله وإزالة الشعث عنه، فلهذا وجب فيه دم، وليس كذلك سائر البدن؛ لأن هذا المعنى معدوم فيه.
قيل له: إذا استعمل الماء في رأسه ووجهه، فإنه يقصد به إزالة الشعث وتحسين الشعر، ومع هذا لا يجب فيه شيء.
على أنه يجوز [أن يقصد] باستعمال الشيرج في سائر بدنه إزالة القشف والشعث، كما يقصد باستعماله في رأسه ووجهه.
٧٣ - مسألة