نص عليه في رواية الأثرم وحرب فيمن أحرم بعمرة في أشهر الحج: فهو متمتع إذا أقام حتى يحج، فإن خرج من الحرم سفرًا تقصر في مثله الصلاة، ثم رجع، فحج، فليس بمتمتع، ولا هدي عليه.
وهذا لفظه في رواية حرب، وقد علق القول في رواية يوسف بن موسى وأحمد بن الحسين: إذا قام بإنشاء الحج من مكة فهو متمتع، فإن خرج إلى الميقات، فأحرم بالحج، فليس بمتمتع.
وهذا محمول على أن بين الميقات وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة.
وقال أبو حنيفة: إن رجع إلى أهله سقط الدم فإن لم يرجع إلى أهله لم يسقط.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقال مالك: إن رجع إلى بلده، أو بقدر مسافته في البعد سقط عنه الدم.
وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات سقط عنه الدم.
دليلنا: ما روي عن عمر بن الخطاب: أنه قال: إذا اعتمر في أشهر الحج، ثم أقام، فهو متمتع، فإن خرج، ثم رجع، فليس متمتع.
وهذا عام فيه إذا خرج إلى بلده، أو إلى ميقاته، أو غيرهما من البقاع.
وروى أبو حفص بإسناده عن نافع، عن ابن عمر في الفتنة وأقام حتى الحج، وقال: من كان أقام معنا حتى الحج، فعليه المتعة، ومن رجع إلى أهله، ثم حج، فليس عليه متعة.
فإن قيل: هذا يعارضه ما روي عن يزيد الفقير قال: دخلنا مكة عمارًا، ثم زرنا قبر النبي "صل الله عليه وسلم"، وحججنا من عامنا ذلك، فسألنا ابن عباس فقال:] أنتم [متمتعون.
قيل: هذا يقتضي: أنهم متمتعون، ونحن لا نمنع ذلك، لكن هل يكون عليه دم التمتع؟ ليس فيه، وغير ممتنع أن يكون متمتعًا لا دم عليه، كالمكي.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ويخص أبا حنيفة [بأنه جمع بينهما] في سفرين صحيحين، فسقط الدم.
دليله: لو عاد إلى بلده، أو إلى مثله في المسافة.
ويخص الشافعي بأن جمع بينهما في أشهر الحج من غير أن يتخللهما سفر تقصر فيه] الصلاة، أشبه [لو لم يخرج إلى الميقات.
واحتج المخالف من أصحاب أبي حنيفة بأنه جمع] بينهما في أشهر الحج من غير [إلمام بأهله، أشبه لو لم يسافر، أو سافر ما لا تقصر فيه الصلاة.
] والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه [جمع بينهما في سفر واحد، وليس كذلك هاهنا، لأنه فصل بينهما بسفر تقصر فيه الصلاة، أشبه إذا رجع إلى أهله.
واحتج بأنه لم ينقض سفره بالعود إلى ما تقصر فيه الصلاة، فصار كما لو سافر.
[ ١ / ٢٦٤ ]
والجواب: أنا لا نسلم أنه لم ينقضه.
يبين صحة هذا: أنه بالسفر يحصل ميقاته ميقات أهل البلدان.
واحتج أصحاب الشافعي بأن دم التمتع يجب بشرائط، منها ترك الإحرام من الميقات، فإذا رجع إليه سقط.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يجب بترك الإحرام، وإنما يجب بالترفه بأحد السفرين، فإذا سافر ما يقصر فيه، لم يحصل منه ذلك.
والذي يبين صحة هذا: أن القارن لم يترك الإحرام من الميقات، ومع هذا يجب عليه الدم، فعلم أن العلة الترفه.
فإن قيل: لو كانت العلة الترفه لوجب أن يجب على المفرد الدم؛ لأنه مترفه بأحد السفرين.
قيل له: إنما يجب بالترفه، والجمع بينهما في أشهر الحج، فإذا قدم الحج حصلت العمرة في غير أشهره.
فإن قيل: فيجب أن يقول: لو تحلل من حجه في يوم النحر، ثم أحرم فيه بعمرة: أن يكون متمتعًا؛ لأن يوم النحر من أشهره، فيكون جامعًا بينهما في أشهر الحج، وقد قلتم: لا يكون متمتعًا، على ظاهر كلام أحمد في رواية إسحاق بن هانئ، فقال: لا يجب على من اعتمر
[ ١ / ٢٦٥ ]
بعد الحج هدي.
قيل: هو- وإن كان من أشهر الحج- فقد جعل في حكم ما ليس من أشهره، بدليل: أن الحج يفوت فيه، ولا يدركه بإدراكه، ومثل هذا ما قالوه إذا بقي من وقت صلاة الجمعة ركعة: هو وقت لصلاة الجمعة في حال الاستدامة، وليس بوقت في حال الابتداء، فلو أراد أن يبتدئ الجمعة في هذا الوقت، ويتمها في وقت العصر، لم يصح عندهم.
واحتج بأنه رجع للإحرام بالحج إلى ميقاته، وجب أن لا يجب عليه دم قياسًا عليه إذا رجع إلى ما تقصر فيه الصلاة.
والجواب: أنه حصل مسافرًا بين الحج والعمرة سفرًا صحيحًا، وهذا معدوم هاهنا.
واحتج بأنه موضع لا يستحق فيه الإحرام بالشرع، فلا يسقط دم التمتع بالعود إليه.
دليله: ما ذكرنا.
والجواب عنه: ما تقدم.
واحتج بأنا اعتبرنا الرجوع إلى الميقات، واعتبرتم الرجوع إلى ما تقصر فيه الصلاة، فكان اعتبارنا أولى؛ لأن للرجوع إلى الميقات والإحرام منه تأثيرًا في إسقاط الدم، وهو إذا جاوزه غير محرم، ثم
[ ١ / ٢٦٦ ]
رجع إليه محرمًا أو غير محرم، وأحرم منه، وليس للرجوع إلى غيره تأثير في إسقاط الدم في موضع من المواضع.
والجواب: أنه إنما كان له تأثير في إسقاط الدم؛ لأنه كان يلزمه الإحرام من الميقات، فإذا جاوزه وجب عليه الدم وجوبًا مراعى، فإذا رجع سقط عنه الدم،] و[ليس كذلك المتمتع؛ لأنه إذا أحرم بالعمرة من الميقات لم يلزمه الإحرام بالحج من ميقاته، بل ميقاته مكة، ولا يكون عوده إلى الميقات مسقطًا للدم؛ لأنه لم يلزمه الإحرام منه.
٤٨ - مسألة