رواها جعفر بن محمد عنه فقال: المحرم يشم الريحان، ليس هو من الطيب، ورخص فيه.
وكذلك نقل ابن منصور عنه في المحرم: يشم الريحان، وينظر في المرآة.
وكذلك نقل حرب عنه قال: أما الطيب فلا تقربه، والريحان ليس مثل الطيب.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وفيه رواية أخرى: فيه الفدية.
قال في رواية أبي طالب والأثرم: لا يشم المحرم الريحان، كرهه ابن عمر، ليس هو من آلة المحرم.
والروايتان فيما يتخذ منه الطيب مثل البنفسج، والورد، والقيصوم،
[ ١ / ٣٩٥ ]
والياسمين، وهو الذي يتخذ منه الزنبق، والخيري، وهو المنثور، وفيما لا يتخذ منه كالريحان الفارسي، والثمام، والبرم، والنرجس، والمرزيكوش، ففي الجميع روايتان على ظاهر كلام أحمد.
وهو قول شيخنا أبي عبد الله.
وقد قال أحمد في رواية المروذي وابن إبراهيم- وقد سئل عن الريحان والبقول للمحرم- فقال: ما زرعته أنت فلا بأس، وما نبت فلا.
وهذا يقتضي أن جميع ما ينبته يجوز شمه، وامتنع مما ينبت لنفسه؛ لأن جنس الحرم يمنع من أخذه.
ويحتمل أن يكون المذهب رواية واحدة: لا كفارة عليه، ويكون قوله: (ليس من آلة المحرم) على طريق الكراهة دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه بشم شيء من الرياحين فدية.
وللشافعي في شم الريحان الذي لا يتخذ منه الطيب قولان: أصحهما: أن عليه الفدية.
دليلنا: ما رواه أبو بكر، عن عثمان بن عفان: أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "المحرم يدخل البستان، ويشم الريحان ".
[ ١ / ٣٩٦ ]
ولأن من شم شيئًا من هذه الأشياء لا يسمى متطيبًا في العادة، فلم تجب به الفدية، كما لو شم الفاكهة التي لها رائحة طيبة كالأترج، والتفاح، والسفرجل، ونحو ذلك.
ولأنه لو شمه ناسيًا لم تلزمه الفدية، كذلك إذا تعمد شم الأترج والتفاح ونحو ذلك.
أو نقول: إنه لا يتخذ منه الطيب، أشبه ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الورد، والبنفسج؛ لأنه يتخذ منه الطيب، وهذه العلة أجود مما قبلها.
واحتج المخالف بما روى الشافعي بإسناده عن جابر: أنه سئل عن المحرم: يشم الريحان؟ فقال: لا.
وروى ابن المنذر، عن جابر قال: لا يشم المحرم الريحان، ولا الطيب.
وروى- أيضًا- عن عمر: أنه كان يكره شم الريحان للمحرم.
وقد روى الأثرم ذلك.
[ ١ / ٣٩٧ ]
والجواب: أنه يعارض هذا ما روى حمران بن أبان، عن أبان بن عثمان بن عفان: أنه سئل عن المحرم: يدخل البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان.
وروى ابن المنذر عن عكرمة، عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم [أن] يشم الريحان.
وإذا اختلفوا لم يمكن ترجيح قول بعضهم على بعض.
واحتج بأن الشم تطيب في العادة، فجاز أن تجب به الفدية، كاستعمال الغالية، وشم الزعفران، والورس، والمسك.
والجواب: أنا نقول بموجب هذا، وأنه تجب بالشم فدية إذا كان للطيب مثل الزعفران، والمسك، ونحو ذلك، وما اختلفنا فيه ليس بطيب في العادة، فهو كالفواكه الطيبة الرائحة.
٧٧ - مسألة