نص عليه في رواية الأثرم في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]: يجعل آخرها يوم عرفة، ولا يبالي إن تقدم أولها بعد أن يصومها في أشهر الحج، وإن صامها قبل أن يحرم فجائز.
وأراد بذلك قبل أن يحرم بالحج.
وقال - أيضًا - في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن الصيام للمتعة: متى يجب؟ فقال: إذا عقد الإحرام، فصام، أجزاه إذا كان في أشهر الحج.
وهذا يدخل على من قال: لا تجزئ الكفارة إلا بعد الحنث، ولعل هذا ينصرف، ولا يحج.
وقوله: إذا عقد الإحرام، أراد به: إحرام العمرة؛ لأنه شبهه بالكفارة قبل الحنث، وإنما يصح الشبه إذا كان صومه قبل الإحرام بالحج؛ لأنه قد وجد أحد السببين، ولأنه قال: إذا عقد الإحرام في
[ ١ / ٢٨١ ]
أشهر الحج، وهذا إنما يقال في إحرام العمرة؛ لأن من شرط التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج.
وبهذا قال أبو خيفة.
وقال مالك والشافعي: لا يجوز حتى يحرم بالحج.
دليلنا: لأنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فجاز صوم المتعة عقيبه.
دليله: إحرام الحج.
فان قيل: إنما جاز الصوم عقيب إحرام الحج؛ لأنه يجوز ذبح الهدي عقيبه، وليس كذلك إحرام المتعة؛ لأنه لا يجوز ذبح الهدي عقيبه، فلا يجوز الصوم [أيضًا.
قيل له]: لا يجوز ذبح الهدي عقيب الإحرام عندنا.
وأيضًا العمرة سببًا لوجوب صوم المتعة، بدليل: أنه إحرام تتعلق به صحة التمتع، فوجب أن يكون سببًا لوجود الصوم، كإحرام الحج، وبدليل [أن] أكل شيئين تعلق الوجوب بهما، وجاز، اجتماعهما، كان الأول منهما سببًا، كالنصاب، والحول، والظهار، والعود، والجراحة، والموت.
ولا يلزم عليه صوم رمضان؛ أنه ليس بسبب للكفارة، وإن كانت الكفارة لا تجب إلا بوجود الصوم والجماع؛ لأنه لا يجوز اجتماعهما، ولهذا قال أحمد في رواية ابن منصور: يجوز تقديم الفدية قبل أن يحلق
[ ١ / ٢٨٢ ]
الرأس إذا آذاه القمل؛ لأنه [لا] يجوز اجتماع الإحرام والحلق، فجاز تقديم الفدية على الحلق.
وإذا ثبت أن العمرة سبب لوجوب صوم المتعة، جاز أن يثبت حكمه عقيبها، كما ثبت حكم الزكاة إذا وجد النصاب، والكفارة إذا وجدت الجراحة.
فإن قيل: فيجب أن تكون سببًا لهدي المتعة، وتثبت حكمه.
قيل له: هي سبب له، ويثبت حكمه فيها، ألا ترى أنه إذا أحرم بعمرة وساق الهدي صار هدي متعة، ومنعه ذلك من الإحلال بين الحج والعمرة؟
نص عليه في رواية حنبل، وهذه مسألة ثانية إن شاء الله.
فإذ قيل: فلم لا يجوز بذبحه؟
قيل: لأنه مخصوص بوقت، وهو يوم النحر، كما أنه مخصوص بمكان، وهو الحرم.
وإن شئت قلت: إن العمرة سبب للصوم، وهو غير مخصوص
[ ١ / ٢٨٣ ]
بوقت، فإذا وجد السبب جاز تقديمه، كما يجوز تقديم الزكاة إذا وجد النصاب، ويجوز تقديم الكفارة إذا وجدت الجراحة.
ولا يلزم عليه الهدي؛ لأنه مخصوص بوقت، فلا يجوز تقديمه على وقته، وإن وجد سببه، كما لا يجوز تقديم الطواف والرمي على يوم النحر، وكذلك الوقوف على يوم عرفة.
ولأن كل صوم جاز بعد إحرام الحج، جاز بعد إحرام العمرة.
دليله: سائر الصيام.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فوجه الدلالة من وجهين:
أحدهما: أنه أمر بالصوم بعد التمتع [بالعمرة] إلى الحج، فجعل الحج غاية، فلا يكون متمتعًا إلا بوجوده.
والثاني: أنه أمر بالصيام في الحج، فلا يجوز تقديمه عليه.
فأما الجواب عن الأول: فإنه إذا أحرم بالعمرة، وهو يريد الحج في تلك السنة، فإنه يصير متمتعًا، بدلالة أنه لو ساق الهدي كان ذلك هدي متعة، ومنعه من الإحلال قبل يوم النحر، فإذا ثبت أن التمتع يحصل بإحرام العمرة في أشهر الحج بشرط أن يحج في تلك السنة، وجب أن
[ ١ / ٢٨٤ ]
يجزئه صومه؛ لأن الله - تعالى - أجاز الصوم في الحال التي لا يجيز فيها الهدي بقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾.
وأما قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ فلا يخلو من أن يكون المراد: في إحرام الحج، أو: في أفعاله، أو: في وقته، ولا يجوز أن يريد به [ما] في الوجهين الأولين؛ لأن (في) من حروف الظرف، والفعل لا يكون ظرفًا للفعل حقيقة، وإنما يكون الوقت ظرفًا له، فإذا كان كذلك، ثبت أن المراد بقوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾: في وقت الحج، ووقت الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فإذا أحرم بعمرة في شوال، وصام ثلاثة أيام، حصل الصيام في وقت الحج، فوجب أن يجزئه.
فإن قيل: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في إحرام الحج، كما قال تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] تعين: في إحرام الحج، ويقال: صام في إحرام الحج، وطاف فيه، كما يقال: دعا في صلاته، وذكر الله فيها، وروي: أن النبي ﷺ علم الحسن دعاء القنوت، وقال: «اجعله في وترك».
قيل له: هذا مجاز، ومعناه: دعا في الوقت الذي يصلي فيه،
[ ١ / ٢٨٥ ]
وذكر الله في وقت اشتغاله بالصلاة؛ لأنا قد بينا: أن الفعل لا يكون ظرفًا للفعل، وإنما يكون الوقت ظرفًا له.
فإن قيل: لا يجوز أن يحمل قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ على وقت الحج؛ لأن أحدًا لا يقول: إن له أن يصوم في وقت الحج؛ لأنه لابد من الإحرام؛ إما بالعمرة عندك، أو بالحج عندنا.
قيل له: إذا دلت الدلالة على امتناع جوازه بغير إحرام، صار تقديره: فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج إذا كان محرمًا.
فإن قيل: قوله: ﴿فِي الحَجِّ﴾ معناه: في حال الحج، ويكون هذا الإضمار أولى؛ لأنه [لا] يحتاج إلى تخصيص، والوقت يحتاج إلى تخصيص بما بعد إحرام العمرة، وتخصيص المضمر لا يجوز؛ لأنه إنما يضمر ما دل [عليه] الدليل، والدليل يدل على حاض دون العام.
قيل له: حمله على حال الحج إنما هو عبارة عن وقت بصفة، وإضمار الوقت أولى من إضماره وزيادة عليه.
وقولهم: إن ذلك يؤدي التخصيص، فليس بصحيح؛ لأن الذي يريد التمتع بالعمرة هو الذي فعلها ناويًا لضم الحج إليها، فلا نحتاج في إضمارنا إلى تخصيص.
وقد قيل في جواب الآية: إنها أفادت وجوب الصوم، والكلام في الجواز
[ ١ / ٢٨٦ ]
وعندنا يجب إذا أحرم بالحج، وقد قال أحمد في رواية ابن القاسم وسندي، وقد سئل عن صيام المتعة: متى يجب؟ قال: إذا عقد الإحرام.
واحتج بأن كل وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، [لا يجوز فيه فعل البدل]، بدلالة العتق والصوم في الكفارة، ولا خلاف في مسألتنا: أن المبدل - وهو الهدي - لا يجوز قبل إحرام الحج، كذلك البدل.
والجواب: أن صوم المتعة يجوز في الحرم وخارج الحرم، وهدي المتعة لا يجوز ذبحه في غير الحرم، فإذا جاز فعل البدل في مسألتنا في موضع لا يجوز فيه فعل المبدل، لم يمتنع - أيضًا - أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فيه فعل المبدل، ويفارق [هذا] البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الموضع الذي يجوز فعل المبدل فيه [يجوز فعل البدل فيه]، كذلك الوقت الذي يجوز فعل البدل فيه، [يجوز فعل المبدل فيه.
ولأن صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر جائز، وصوم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، وإذا جاز بعض البدل في وقت لا يجوز فيه البعض الآخر، لم يمتنع أن يجوز جميع البدل في وقت لا يجوز فيه المبدل، وبفارق هذا البدل والمبدل في الكفارة؛ لأن الوقت الذي يجوز فيه بعض المبدل يجوز جميعه، كذلك الوقت الذي يجوز فيه جميع البدل يجوز فيه المبدل.
[ ١ / ٢٨٧ ]
ولأنه يجوز تأخير المبدل إلى يوم النحر، ولا يجوز تأخير صوم الثلاثة إلى يوم النحر.
ولأن جنس المبدل الهدايا والضحايا، وذلك يختص بيوم النحر، وليس من جنس البال ما يختص بيوم النحر، فبان الفرق بينهما.
واحتج المخالف بأن الهدي حق المال بدل من الصيام، فوجب أن لا يتقدم وقت جواز البدل على وقت جواز المبدل، كالرقبة والصيام في كفارة الظهار.
ولأنه أحد موجبي المتعة، فلا يجوز فعله في العمرة قياسًا على الذبح.
والجواب: أنا قد بينا الفرق بين الصوم والهدي، وبينه وبين البدل والمبدل في الكفارة.
٥٢ - مسألة