وقد قال: أحمد في راية المروذي في المتمتع: إذا دخل يوم التروية فأعجب إلي أن يقصر، إن دخل في العشر، فأراد أن يحلق حلق، فإن هو دخل في يوم التروية، فحلق فلا بأس به، ويمر الموسى على رأسه يوم الحلق.
وهذا محمول على طريق الاستحباب؛ لأنه قد قال في رواية بكر ابن محمد: لا يعتمر حتى يخرج شعره، فيمكن حلقه، أو تقصيره.
وهذا يدل على أن إمرار الموسى لا يجب، ولا يقوم مقام الحلق.
وقال أبو إسحاق في «تعاليق كتاب العلل»: قد قال أحمد في الذي
[ ١ / ٤٣٨ ]
يولد، وليس له شيء: كأنه مختون، يمر الموسى على الموضع، كما قال ابن عمر في الأصلع.
وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجب.
دليلنا: قوله تعالى:﴾ مُحَلِقِينَ رُءُوسَكُم وَمُقَصِرِينَ ﴿] الفتح: ٢٧ [والمراد به: شعور رؤوسكم؛ لأن الرأس لا يحلق، ولا يقصر، فإذا لم يكن على رأسه شعر لم يتناوله الأمر.
ولأن إمرار الموسى لو كان حلقًا لوجب إذا فعله قبل التحلل أن يجب به الفدية، فلما لم يجب به ثبت أنه ليس بحلق يؤمر به حال التحلل.
ولأن الفرض تعلق بشعر الرأس مع وجوده، فإذا عدم الشعر سقط الفرض، كالطهارة لما تعلقت بالعضو سقطت بعدم العضو.
فإن قيل: فيجب أن لا يستحب إمرار الموسى على رأسه لعدم الشعر.
قيل له: لا فرق بين الأصل والفرع في باب الاستحباب، فإنه يستحب له أن يمر الماء على محل القطع وإن لم يجب، كما نستحبه هاهنا.
نص عليه أحمد في رواية صالح وعبد الله: من قطعت يده من المرفق يغسل الموضع الذي قطع؛ يدير الماء بيده الأخرى.
[ ١ / ٤٣٩ ]
وقال في رواية مهنا: المتيم يمسح الموضع الذي قطع بالتراب.
واحتج المخالف بما روي عن ابن عمر: أنه قال في الأصلع: يمر الموسى على رأسه.
ولا يعرف له مخالف ذكره النجاد بإسناده.
والجواب: أن هذا محمول على الاستحباب دون الإيجاب.
واحتج بأنها عبادة متعلقة بالرأس، فإذا لم يكن عليه شعر تعلقت ببشرة الرأس، كالمسح.
والجواب: أنه مأمور في الطهارة بمسح الرأس، والماسح على بشرة الرأس يسمى ماسحًا، فجاز أن تتعلق العبادة بها، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه مأمور بحلق الرأس، وهذا لا يسمى حالقًا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يؤمر بالتشبه بالحالق، وإن لم يسم حالقًا، كما أن من أصبح في أول يوم من رمضان، وهو يظن أنه من شعبان، فأكل، ثم استبان له في بعض النهار أنه من رمضان، فإنه يؤمر بالتشبه بالصائم بالإمساك، وإن لم يسم صائمًا.
قيل: إنما لزمه الإمساك هاهنا، وإن لم يكن صائمًا؛ لأن الصيام
[ ١ / ٤٤٠ ]
لزمه باطنًا، ومحل الصوم باٍق، فلزمه الإمساك، وهاهنا محل الفرض متعلق بالشعر، وذلك غير موجود، فمثاله: أن يستبين له أنه كان من رمضان بعد دخول الليل، فلا يلزمه الإمساك بفوات الزمان.
ويبين صحة هذا: أن فرض المسح تعلق بالرأس دون الشعر بدلالة أنه لو كان الشعر على بعض رأسه دون بعض كان بالخيار عندهم؛ إن شاء مسح على البشرة، وإن شاء مسح على الشعر، فلم يسقط الفرض لعدم الشعر.
وفي الحلق تعلق بالشعر بدلالة أنه لو كان الشعر في بعض رأسه دون بعض، لم يجز له إمرار الموسى على البشرة، فإذا عدم ما تعلق به الفرض سقط.
فإن قيل: تعلق الفرض به لا يوجب سقوطه بعدمه بدلالة فرض الطهارة يتعلق بالماء، ثم لا يسقط الفرض بعدمه، وكذلك الصوم في أول يوم من رمضان.
قيل له: قد بينا أن الأصول على هذا، وأن الفرض إذا تعلق بمحل مخصوص سقط بفواته، كالطهارة لما تعلقت بالأعضاء سقطت بفواتها، وكذلك الإيجاب إذا تعلق برقبة سقط بفواتها.
وأما الصيام فقد تكلمنا عليه، وأما انتقال الطهارة إلى التيمم عند عدم الماء، فذلك بالشرع لا غيره.
[ ١ / ٤٤١ ]
٨٩ - مسألة