رواها صالح وعبد الله وحنبل، فقال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع عنه يلزمه لو قتل صيدًا ناسيًا أو … ناسيًا - وهو محرم - لم يكن عليه شيء، وقد أوجب الله ﷿ في قتل الخطأ عتق رقبة.
وقال - أيضًا - في رواية ابن منصور في من لبس قميصًا عشرة أيام ناسيًا: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر.
وبهذا قال أبو حنيفة ومالك.
وفيه رواية أخرى: لا كفارة عليه.
رواها أبو طالب، وحرب، وابن القسم:
فقال في رواية أبي طالب: إذا وطئ - يعنى: ناسيًا - بطل حجه، وإذا قتل صيدًا، أو حلق شعره، لم يقدر على رده، فهذه الثلاثة العمد والنسيان سواء، وكل شيء من النسيان بعد الثلاث فهو يقدر على رده مثل أن يغطي برأسه، ليس عليه شيء، ويلقيه.
وكذلك نقل حرب عنه: إذا لبس قميصًا ناسيًا يخلعه، ويفزع إلى التلبية.
وكذلك نقل ابن القاسم: إن تعمد التغطية وجب عليه، والناسي
[ ١ / ٣٦٨ ]
يفزع إلى التلبية.
وبهذا قال الشافعي، وهو اختيار الخرقي من أصحابنا.
وجه الرواية الأولى: أن هذا معنى يحظره الإحرام، فلم يختلف فيه الساهي والعامد.
دليله: الحلاقـ، وقتل الصيد، وتقليم الأظفار.
فإن قيل: ذكر ابن أبي هريرة: أن للشافعي في قتل الصيد قولين:
أحدهما: لا جزاء عليه.
قيل له: الصحيح أن عليه الجزاء.
فإن قيل: الحلق والقتل إتلاف، فلهذا استوى حكم الساهي والعامد، كإتلاف مال الغير، وليس كذلك اللبس والطيب؛ لأنهما ليسا بإتلاف.
قيل له: هذا يوجب الفرق بينهما، ألا ترى أن الحلق وفوات الحج ليس بإتلاف، ومع هذا لا يختلفان في حال العمد والسهو؟
على أن هذا المعنى لا يوجب الفرق بينهما في حال السهو، كما لم يوجب في حال العمد.
وربما قالوا: إن الحلق والقتل لا يمكن تلافيهما بعد وقوعهما، فاستوى فيهما حكم العمد والسهو، وليس كذلك الطيب واللباس؛ لأن تلافيهما بعد وقوعهما ممكن بأن يغسل الطيب، وينزع المخيط.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وهذا لا معنى له؛ لأن الفدية تجب بحصول الاستمتاع باللبس والطيب في الأوقات الماضية، وهذا المعنى لا يمكن رفعه، وإنما يمكن الامتناع [من ذلك] في الأوقات المستقبلة، والفدية لا تجب باستمتاع لم يحصل بعد.
على أن هذا المعنى لم يوجب الفرق بينهما في حال العمد، كذلك لا يوجب في حال السهو.
وربما قالوا: المحرم من الحلق والقتل جهة الإتلاف دون الاستمتاع والترفه، ألا ترى أنه لو نتف شعره بحيث يتألم به الفدية؟ فاستوى عمده وسهوه كسائر الإتلاف، وليس كذلك الطيب واللباس؛ لأن المحرم منهما جهة الاستمتاع دون الإتلاف بدليل أنه لو أتلف طبيًا كثيرًا لم يلزمه الفدية، فاعتبر فيه القصد إلى الاستمتاع به مع العلم بتحريمه وذكره لإحرامه.
وهذا - أيضًا - لا معنى له؛ لأن الاستمتاع قد حصل له في الزمان الماضي، وقد بينا أن الفدية تجب لما يمضي من الزمان.
وعلى أن هذا المعنى [لا] يوجب الفرق بينهما في حال العمد، كذلك لا يوجبه في حال السهو.
وقياس آخر، وهو: أنه محرم لبس ما يشتمل عليه بالخياطة، أشبه إذا لبسه، وهو عالم بتحريمه.
[ ١ / ٣٧٠ ]
ولا يلزم عليه إذا لبسه بعد التحلل الأول وقبل الطواف؛ لأنه لا فرق بين الأصل والفرع في العمد والسهو؛ ففي الأصل تسقط الكفارة في الحالين، وهاهنا تجب في الحالين.
وعلى أنه بعد التحلل ليس بمحرم على الإطلاق.
وأيضًا فإن ما يحظره الإحرام لا يختلف فيه حكم العالم بحظره والجاهل بدلالة الحلق، وقتل الصيد، وتفويت الحج، وترك الميقات، وتشهد لصحة ذلك الأصول، ألا ترى أن كل عبادة خطر فيها معنى من المعاني فإن حكم العالم بحظره والجاهل سواء، كالأكل والجماع في الصوم والصلاة.
فإن قيل: الإحرام من الميقات مأمور به، وهذا منهي عنه.
قيل له: الحلاق وقتل الصيد منهي عنه، ويستوي فيه العامد والجاهل.
ولأن المأمور به فرض عليه، كما أن تجنب المحظورات فرض عليه، فحكم أحدهما حكم الآخر.
ولأن الجهل بأحكام الشرع مع التمكن من العلم لا يسقط أحكامها عن الجاهل، كمن جعل تحريم الزنا ووجوب العبادات.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وروي: "عفي لأمتي".
[ ١ / ٣٧١ ]
والجواب عنه: أن الظاهر يقتضي أن يكون [نفس] النسيان مرفوعًا عن الأمة، وقد علمنا أنه غير مرفوع، فثبت أن المراد بالخبر غير ما يقتضي ظاهره، ولا يخلو إما أن يكون المراد به الحكم، أو المأثم، وليس واحد منهما مذكورًا في الخبر، فليس له أن يدعي أن المراد به الحكم، إلا ولنا أن ندعي أن المراد به المأثم.
فإن قيل: نحمله عليهما.
قيل له: العموم يدعى في الألفاظ، وليس هاهنا لفظ يبني عليهما.
واحتج بما روى صفوان بن يعلى بن أمية، أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ بالجعرانة، وعليه مقطعة تضمخ بالخلوق، فقال: يا رسول الله! أحرمت بالمعمرة، فقال له النبي ﷺ: "ما كنت تصنع في حجتك؟ " قال: كنت أنزع هذه المقطعة، وأغسل هذا الخلوق، أو قال: الصفرة، فقال النبي ﷺ: "اصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجتك".
فوجه الدلالة من الخبر: أن السائل كان جاهلًا بالحكم، فأمره النبي ﷺ بغسل الخلوق، ولم يأمره بالفدية، فلو كانت واجبة لأمره بها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
والجواب: أن تحريم الطيب يثبت في ذلك بدلالة أنه روي في
[ ١ / ٣٧٢ ]
الخبر: أن النبي ﷺ انتظر الوحي حين سئل، فلما سري عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ " فأتي به، فقال: "أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله"، ولم يوجب الفدية؛ لأن الطيب كان قبل التحريم.
فإن قيل: في الخبر ما يدل على أن تحريمه كان ثابتًا قبل ذلك، وهو ما روي: أن النبي ﷺ قال للسائل: "ما كنت تصنع في حجتك؟ " قال: كنت أنزع المقطعة، وأغسل الخلوق.
ولأنه روي أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يومئون إليه، ويستجهلونه في فعله، وهذا يدل على تقدم التحريم وشهرته.
ولأنه يحتمل أن يكون توقف؛ لا [ن] تحريم التزعفر لم يكن حصل.
قيل له: يجوز أن يكون حرم في الحج، ولم يحرم في العمرة إلى هذه الحال.
وأما قوله: إن الناس كانوا يسخرون مني، فيجوز أن يكون اعتقدوا: أن العمرة محمولة على الحج قياسًا، والنص إنما علم بالوحي، وما ظنوه قبل ذلك لا حكم له.
[ ١ / ٣٧٣ ]
وقولهم: إنه توقف في تحريم التزعفر، فلو كان كذلك لبين له تحريم اللبس المختص بالإحرام، فأما التزعفر فلا يختص تحريمه بالإحرام؛ لأنه استعماله قبل الإحرام، فلا يمنع من البقاء عليه لأجل الإحرام، وإنما يمنع منه لمعنى آخر.
فإن قيل: هذه القصة كانت بالجعرانة سنة ثمان، وتحريم اللباس سنة ست عام الحديبية بقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّاسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قيل له: هذا دل [على] تحريم الحلق والطيب، [و] ليس فيه اللباس.
واحتج بأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب أن يكون في محظوراتها ما يختلف حكم عمده وسهوه قياسًا على الصوم.
والجواب: أن الصوم يفرق بين عمده وسهوه في جميع محظوراته عندهم؛ لأن الأكل والشرب والجماع يفرق بين عمده وسهوه، فالوصف غير صحيح.
وعلى أن الصوم ليس للصائم أمارة تدل على كونه صائمًا، فلذلك جاز أن يعذر في النسيان، وفي المحرم علامة تدل على كونه محرمًا، وهو التجرد، والتلبية، وأعمال النسك، فلم يعذر في النسيان، فلذلك
[ ١ / ٣٧٤ ]
استوى العامد والساهي.
وعلى أنه لو أكل في الصيام ناسيًا لم يفسد، ولو أكل جاهلًا بالحكم فسد صومه، وكان يجب أن يقول في الحج كذلك.
فإن قيل: قولكم: (إن الحج عليه أمارة، فلهذا سوى بين عمده وسهوه، والصوم لا أمارة عليه) تنتقض علة الفرع بالطهارة؛ لا أمارة عليها، ومع هذا يستوي عمد الحدث وخطؤه، وعلة الأصل تبطل بالذبيحة؛ عليها أمارة، وقد فرقت بين العمد والخطأ في باب التسمية.
قيل: نحن اعتبرنا وجود الأمارة وعدمها حال التلبس بالعبادة، وعدم الأمارة في الطهارة بعد الفراغ منها، وبعد نقضها، فلا يلزم عليه على ما قلنا.
وأما الذبيحة فإن الأمارة إنما توجد في وقت الذبح، والتسمية تنعدم على تلك الحال، فلا توجد الأمارة المشروطة في وقت التسمية.
واحتج بأنها عبادة لها تحليل وتحريم، وكان من المنهي عنه فيها ما يفرق بين عمده وسهوه، كالصلاة.
والجواب: أن السلام مشروع في الصلاة، واللباس غير مشروع في الحج.
[ ١ / ٣٧٥ ]
٧١ - مسألة