نص عليه في رواية بكر بن محمد: وذكر له: إذا لم يجد إزارًا يلبس السراويل، قال: أذهب إليه.
وفي رواية مهنا - أيضًا - وقد حكي له أنه ناظر بعض أصحاب الشافعي في قطع الخفين، وإن سبيل السراويل وسبيل الخف واحد،
[ ١ / ٣٤١ ]
فتبسم أبو عبد الله، وقال: ما أحسن ما احتججت عليه.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك: إن لبس سراويل وجبت الفدية.
واختلف أصحاب أبي حنيفة: هل يجوز له لبسه؟
فقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حتى يفتقه.
وقال الرازي: يجوز له لبسه، ويفتدي، وبه قال أصحاب مالك.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس: أنه سمع رسول الله ﷺ - وهو يخطب - يقول: "من لم يجد إزارًا، ووجد سراويل، فليلبسها، ومن لم يجد نعلين، ووجد خفين، فليلبسهما" قلت: ولم يقل: ليقطعهما؟ قال: لا.
ورواه أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ، وقد خطب بعرفات، فقال: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا، فليلبس سراويل".
[ ١ / ٣٤٢ ]
وروى النجاد بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا، فليلبس سراويل".
وروى النجاد بإسناده عن بكر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ صلى صلاةً، فلما انصرف لبى، ولبى القوم، وفي القوم رجل أعرابي عليه سرا [و] يل، فلبا معهم كما لبوا، فقال رسول الله ﷺ: "السراويل إزار من لا إزار له، والخفان نعلا من لا نعل له".
فأجاز لبس السراويل إذا لم يجد إزارًا، وإذا ثبت جواز لبسه، ثبت أنه لا فدية فيه؛ لأن أحدًا لا يفرق بين الأمرين، ولأن النبي بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى.
فإن قيل: قوله: "فليلبس سراويل"؛ يعني به: بعدما يفتقه، كما
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال: "فليلبس خفين" وأراد به بعدما يفتقهما أسفل من الكعبين.
قيل له: حمله على هذا يبطل فائدة قوله: "فمن لم يجد إزارًا" لأنه إذا فتقه جاز أن يتزر به مع وجود الإزار؛ لأن جواز لبسه بعد فتقه لا يشتبه على أحد، فحمل الخير عليه لا يفيد شيئًا، ولهذا نقول في الخفين ما نقوله في السراويل، والكلام عليه يأتي.
فإن قيل: فأكثر ما فيه إباحة لبسه على جهته في حال عدم الإزار، وليس فيه نفي وجوب الفدية، فلا دلالة فيه على موضع الخلاف.
قيل [له]: لو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأنه إذا كانت إباحته مع الفدية لا يجوز أن يلبس اللبس، ولا يبين ما يجب عليه، ولاسيما وهو بعرفات يخاطب المحرمين الذين يحتاجون إلى معرفة الفدية، كما يحتاجون أن يعلموا إباحة اللبس، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
والقياس أنه لبس أباحه الشرع نطقًا، فوجب أن لا تجب به الفدية.
دليله: لبس الإزار والنعلين.
ولا يلزم عليه لبس القميص والبرنس لشدة حر أو برد أنه مباح، وتجب الفدية؛ لأن إباحته باجتهاد، لا من جهة النطق.
واحتج المخالف بما روى ابن عمر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عما يلبسه المحرم: فقال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا السَّراويلات،
[ ١ / ٣٤٤ ]
ولا العمائم، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين"، فنهى عن السراويل نهيًا عامًا.
والجواب: أن هذا محمول عليه إذا كان واجدًا للإزار بدليل حديث ابن عباس.
واحتج بأنه لو لبسه مع وجود الإزار لزم دم، كذلك إذا لبسه مع عدمه كالقميص.
والجواب: أن هذا موضوع فاسد؛ لأنه لا يجوز اعتبار حالة العذر بحالة عدم العذر في وجوب الضمان؛ لأن وجوب الضمان طريقه التغليظ، فلا يستدل بذلك في حالة عدم العذر.
ثم المعنى في القميص: أنه ممنوع من لبسه، فلهذا كانت عليه الفدية، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه لبس أباحه الشرع نطقًا، فلم تجب به الفدية.
دليله: لبس الإزار والنعلين.
وقد دللنا على إباحة الشرع نطقًا بحديث ابن عباس.
واحتج بأن إباحة لبسه في حالة عدم الإزار لا تمنع وجوب الدم؛ لأن ما يستبيحه المحرم إذا كان فيه ضرر من الاستمتاع، فإنه لا يختلف حال العذر وغيره.
والجواب: أن للعذر تأثير في إسقاط الفدية بدليل أن الصيد إذا
[ ١ / ٣٤٥ ]
صال عليه، فقتله دفعًا عن نفسه، فلا فدية عليه، وكذلك ترك طواف الصدر يوجب دمًا، ويختلف حال العذر وغيره، ألا ترى أن المرأة لو تركته - وهي طاهر - لزمها دم، و[لو] تركته - وهي حائض - لم يلزمها شيء، وبهذا وردت السنة عن النبي ﷺ: أنه رخص للحيض في ترك طواف الصدر، ولم يوجب عليهن شيئًا.
ثم المعنى في الأصل: هو إذا لبسه لشدة برد أو حر أن ذلك لإحياء نفسه، ولهذا تأثير في الضمان بدليل أنه إذا أكل طعام غيره لإحياء نفسه ضمنه، وليس كذلك هاهنا؛ لأن السراويل بدل عن مبدل هو المئزر، ومن شأن البدل أن يقوم مقام المبدل بدليل التيمم والصيام في الكفارة، وقد ثبت أن المئزر لا يوجب الكفارة، كذلك ما قام مقامه.
فإن لم يسلموا أن هذا بدل فالدلالة عليه قول ﵇: "فإن لم يجد الإزار، فليلبس السراويل".
وهذه صيغة بدل كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة:٦]، وقوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء:٩٢].
[ ١ / ٣٤٦ ]
٦٥ - مسألة