نص عليه في رواية أبي طالب ومهنًا وبكر بن محمد وإسحاق، ونقل أبو داود عنه في من لبس الخف، وهو يجد النعل، إلا أنه لا يمكنه لبسهما: يلبسه، ويفتدي.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز لبسهما على صفتهما]، بل يقطعهما أسفل من الكعبين، فإن لبسهما افتدى.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عباس وقول النبي ﷺ: "فمن لم يجد النعلين، فليلبس خفين".
فأجاز لبس الخفين إذا لم يجد النعلين، وإذا ثبت جواز لبسه ثبت أنه لا فدية عليه؛ لأن أحدًا لا يفرق بين الأمرين.
ولأن النبي ﷺ بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى.
فإن قيل: قوله "فليلبس خفين"؛ يعني: من بعد ما يقطعه.
قيل له: حمله على هذا يبطل فائدة قوله: "فمن لم يجد النعلين"؛
[ ١ / ٣٤٧ ]
لأنه إذا قطعه جاز أن يلبس مع وجود النعلين.
وعلى أن جواز لبسه بعد قطعه لا يشتبه على أحد، فحمل الخبر عليه لا يفيد شيئًا.
فإن قيل: أكثر ما فيه جواز لبسه، وليس فيه نفي وجوب الفدية.
قيل له: لو كانت الفدية واجبة لبين.
وروى أبو حفص العكبري في "شرحه" بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: رأيت عبد الرحمن بن عوف يطوف وعليه خفان، فقال له عمر: تطوف وعليك خفان؟ فقال: لقد لبستهما مع من هو خير منك.
يعنى: رسول الله ﷺ.
ولأنه لبس أباحه الشرع نطقًا، فلم يتعلق به وجوب الفدية قياسًا على لبس الإزار والنعلين.
ولأن في قطعة ضررًا عليه، كما أن عليه في فتق السراويل ضرر [ًا].
ثم قد ثبت أنه يجوز لبس السراويل عند عدم الإزار على قول الشافعي، كذلك هاهنا.
فإن قيل: القصد من المئزر الستر، وبفتق السراويل لا يوجد الستر، والنعلين المقصود منهما متابعة المشي عليهما، وهذا يحصل من الخف
[ ١ / ٣٤٨ ]
المقطوع، وكذلك المرأة القصد في حقها من لبس القميص الستر، ولا يحصل ذلك بفتقه.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه يمكنه أن يفتقه، ثم يستر به عورته من غير أن يلبسه على هيئته، وكذلك المرأة يمكنها أن تستر عورتها بقميص وإزار من غير أن تلبس السراويل والخفين.
فإن قيل: الفرق بين الخف والسراويل: أن الخف يقصد به منفعة نفسه، ويفعله لمعنى فيه، وليس كذلك السراويل وقميص المرأة وخفها؛ لأنه يفعله لمنعني في غيره، وهو أنه يستر العورة لأجل الغير؛ لئلا ينظر إليها، والأصول فرقت بين أن يفعل الشيء لمعنى في نفسه، أو في غيره، ألا ترى أنه لو اضطر إلى أكل الصيد، فقتله، كان عليه الجزاء؛ لأنـ[ـه] قتله لمعنى في نفسه، وهو حاجته إليه، ولو صال عليه الصيد فقتله، لم يكن عليه الجزاء؛ لأنه قتله لمعنى في الصيد.
ولأن لبس السراويل ألجأه الشرع إليه؛ ليستر عورته، فلم تتعلق به فدية، كالحائض بترك طواف الوداع، وهذا المعنى معدوم في الخفين.
قيل له: إذا كان الفدية تسقط عنه بلبس السراويل لما ذكرت، وهو ستر العورة لأجل الغير، فيجب إذا لم يكون بحضرته أحد يحتاج إلى ستر العورة لأجله أن تلزمه الفدية؛ لأن لبسه في هذه الحال لا لمعنى من غيره.
[ ١ / ٣٤٩ ]
وقولهم: (إن الشرع ألجأه إلى لبسه) غير صحيح؛ لأنا قد بينا أنه يفتقه، ويستر عورته، والحائض ما ألجأها الشرع إلى ترك الطواف؛ لأنها تقدر أن تقيم حتى تطهر وتطوف، وإنما خفف الشرع عنها ذلك.
وأما استشهاده بالصيد، فلا معنى له؛ لأنه إن اضطر إلى أكله، فإنما يقتله لمعنى في نفسه، وهو ضرر الجوع، وإن قتله لأنه صال عليه، فإنما قتله - أيضًا - لمعنى في نفسه، وهو خوفه على نفسه، ألا ترى أنه لو لم يخف لم يجز له قتله؟ وخوفه على معنى فيه نفسه.
واحتج المخالف بما تقدم من حديث ابن عمر: "فإن لم يجد النعليم فليلبس الخفين، ويقطعهما أسفل من الكعبين".
فنص على القطع، وهذا مقيد، وخبر ابن عباس مطلق، والمقيد يقضي على المطلق.
والجواب: أنا نقابل هذا بحديث ابن عباس، وهو أولى من وجوه:
أحدها: أنه لم يختلف فيه، وخبر ابن عمر اختلف في اتصاله، فقال أبو داود في "سننه": رواه مرسى بن طارق، عن موسى بن عقبة موقوفًا على ابن عمر، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب.
والثاني: أن لفظ خبر ابن عباس لم يختلف، وخبر ابن عمر اختلف؛ فروي القطع، وروي ترك القطع، رواه أبو بكر النجاد في كتابه عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "السراويل لمن لم يجد النعلين".
[ ١ / ٣٥٠ ]
والثالث: أن خبرنا رواه ابن عباس [وغيره]، [وخبرهم] تفرد بروايته ابن عمر.
والرابع: خبرنا عملت عليه الأئمة؛ عمر، وعلي، وابن عباس، وعائشة، وسعد بن أبي وقاص.
فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الأسود قال: سألت عمر بن الخطاب قلت: من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، وقال: الخفان نعلان لمن لا نعل له.
وروى - أيضًا - عن الحارث، عن علي قال: السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفان لمن لم يجد النعلين.
وبإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه قال: إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين.
وبإسناده عن مولى الحسن بن علي قال: رأيت على المسور بن مخزمة خفين وهو محرم، فقيل له: ما هذا؟ فقال: أمرتنا به عائشة.
وروى بإسناده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنت مع عبد الرحمن بن عوف في سفر ومعنا حاد - أو مغني - فأتاه عمر في بعض الليل، فقال: ألا أرى أن يطلع الفجر، اذكر الله، ثم التفت فرأى عليه خفين، وهو محرم، فقال: وخفين؟ فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك.
[ ١ / ٣٥١ ]
وجواب رابع، وهو: أنا نحمل قوله: "وليقطعهما" على الجواز، وتكون فائدة التخصيص: أنه يكره قطعهما لغير الإحرام؛ لما فيه من الفساد.
وأما قولهم: (إن خبرنا مقيد، وخبركم مطلق) فإنما يكون المقيد يقضي على المطلق إذا لم يمكن تأويله، وقد تأولنا التقييد على الجواز دون الإيجاب.
وعلى أن أبا بكر المروذي قال: احتججت على أبي عبد الله بقول ابن عمر عن النبي ﷺ وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، ورد هذا الكلام.
وظاهر هذا أنه لم يحمل المطلق على المقيد.
فإن قيل: فخبرنا فيه زيادة لفظ، وهو القطع.
قيل له: وخبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بغير قطع.
وإن قاسوا عليه إذا لبسهما مع وجود النعلين، فالمعنى فيه: أنه ممنوع منه، وهاهنا قد أباحه الشرع نطقًا، فهو كخف المرأة.
وإن قالوا: ليس في لبسه أكثر من أنه معذور، وذلك لا يسقط الكفارة، كلبس القميص في شدة البرد.
فالجواب عنه: ما تقدم.
[ ١ / ٣٥٢ ]
واحتج بأن كل عضو لا يجبب تغطيته، لا يجوز ستره بالمخيط، كبقية البدن.
والجواب: أنه يبطل بالساق والقدم؛ يسترهما بلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، وإن لم يجب تغطيته.
ولأن المعنى في الأصل: أن الشرع لم يبحه، وهذا بخلافه.
واحتج بأنه عضو في أحد طرفي الطهارة، فلا يجوز تغطيته بالمخيط، كالوجه.
والجواب: أن الوجه لا يجوز تغطيته بمخيط، ولا بغيره، وفلا معنى لتخصيصه بالمخيط، وإذا سقط ذلك، انتقض إذا غطى رجليه بإزاره.
ولأن اليدين ليست بطرف الطهارة، فلا يجوز تغطيتهما بالمخيط [] القفازين، والمعنى في الأصل ما تقدم.
٦٦ - مسألة