نص عليه في رواية حنبل وابن إبراهيم، فقال: إذا مات، وقد وجب عليه الحج، فهو من جميع المال بمنزلة الدين.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم: يحج عنه من حيث وجب عليه، من حيث أيسر، قيل له: فرجل من أهل بغداد، خرج إلى خراسان فأيسر، ثم يحج عنه؟ فذكر له أن رجلًا قال: يحج عنه من الميقات، فأنكره.
قيل له: فرجل من أهل خراسان، أو من أهل بغداد، خرج إلى البصرة، ومات بها، قال: يحج عنه من حيث وجب عليه.
وقال- أيضًا- في رواية أبي داود في رجل من أهل الري، وجب عليه الحج ببغداد، ومات بنيسابور: يحج عنه من بغداد.
فقد نص على ما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يلزم الورثة أن يحجوا عنه إلا أن يوصي بها.
وقال الشافعي: يحج من الميقات.
وقال داود: الحج لا يسقط بالموت.
فالدلالة على وجوب الحج- وإن لم يوص- ما تقدم من حديث ابن الزبير الذي رواه أحمد: أن رجلًا من خثعم أتى النبي (ﷺ)، فقال: إن
[ ١ / ٨٠ ]
أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: "أنت أكبر أولاده؟ " قال: نعم، قال: "أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان ذلك يجزئ عنه؟ " قال: نعم، قال: "فاحجج عن أبيك".
فشبه قضاء الحج بقضاء الدين، وقد ثبت أن الدين يقضي عنه حيًا وميتًا، الحج لظاهر الخير.
وقوله: "احجج عنه" أمر، وذلك يقتضي الوجوب.
فإن قيل: إنما شبهه بالدين في الجواز، []، ونحن نقول بذلك.
قيل له: من حكم الدين إيجاب القضاء، فيجب أن يكون حكم المشبه به كذلك.
وروى الأثرم بإسناده عن ابن عباس: أن امرأة جاءت إلى النبي (ﷺ) فقالت: إن أمي نذرت أن تحج، فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال:"اقضي الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء".
[ ١ / ٨١ ]
وقوله: "أقضي" أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وتشبيهه بالدين يدل على وجوب القضاء.
وقوله: "أحق" يدل على أنه أولى بالقضاء من الدين.
فإن قيل: الخبر يقتضي جواز القضاء، ونحن كذلك نقول، وإنما خلافنا في الإيجاب في التركة.
قيل له: الحج قد سقط عندك بالموت، وإذا فعل أحد عن أحد لا يكون قضاء، فلا يصح هذا التأويل.
مع أن قوله: "احجج عن أبيك" وقوله: "فاقض" أمر، والأمر يدل على الوجوب.
والقياس: أن الحج حق واجب تصح الوصية به، فوجب ألا يسقط قضاؤه بموته.
دليله: دين الآدمي.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام والمال الذي على المكاتب لمولاه؛ لأن الوصية لا تصح بشئ من ذلك.
وفيه احتراز من [الزكاة]؛ لأنه قبل الحول غير واجب، وإذا حال الحول وجب، ولم يسقط.
[ ١ / ٨٢ ]
ولا يلزم عليه الجزية؛ لأنه لا تعرف الرواية فيها، وكان شيخنا يقول: لا تسقط.
وإن شئت احترزت عن الجزية فقلت: حق مستقر تصح الوصية به، والجزية غير مستقرة؛ لأنه يماك إسقاطها بالإسلام، والمستقر ما لا يملك إسقاطه.
فإن قيل: لا نسلم أنه تصح الوصية بالحج الذي كان عليه؛ لأنه يسقط بموته، والذي يجب إخراجه بالوصية غير الذي كان عليه، وإنما الوصية بحج تطوع.
قيل له: نحن أدعين صحة الوصية بالحج في الجملة، وهذا مسلم، فعندنا بالواجب والتطوع، وعندكم بالتطوع.
فإن قيل: المعنى في الديون: أن استيفاها في حياته لا يتعلق برضاه وإذنه، ألا ترى أن صاحب الحق لو أخذ من ماله مقدار حقه من جنس ما عليه جاز؟ فلم يفت بموته إلا أذنه، وذلك غير معتبر، فجاز أن يستوفى يعد موته، وليس كذلك الحج؛ لأنه لو أخرج من ماله في حياته مقدار نفقة الحج بغير إذنه، كذلك بعد موته.
قيل له: علة الأصل تبطل بصدفة الفطر؛ فإن الأب يؤديها عن
[ ١ / ٨٣ ]
ابنه في حال حياته من غير اعتبار إذنه ورضاه، [ومع هذا] تسقط بالموت عندهم.
وعلة الفرع تبطل بالعشر؛ فإنه لو أخرج عنه من ماله في حياته [حياته مقدار] العشر بغير إذنه لم يجز، ومع هذا لا يسقط بموته عندهم على الرواية المشهورة.
وكذلك [] الشهيد إذا قتل، وهو جنب، ولم يجد الماء، فإنه []، ولا يسقط ذلك بموته، وإن كان لا يصح فعله في حال حياته بغير إذنه.
وعلى أنه إنما يصح إخراجه في حال حياته بغير إذنه [] الإذن من جهته، وبعد الموت قد تعذر ذلك، فلا يمنع ذلك من الإيجاب، كالحي إذا أمتنع من أداء الزكاة، فإنها تؤخذ منه، وإن لم يوجد الإذن؛ لتعذره من جهته.
ولأنه إنما احتيج إلى إذنه في حال حياته؛ ليحصل التمييز بين
[ ١ / ٨٤ ]
الفرض والتطوع، وبعد الوفاة لا يخرج من رأس المال إلا الفرض الذي وجب عليه في حال الحياة، فاستغنى عن إذنه ونيته.
وإن شئت قلت: حق تدخله النيابة، استقر عليه في حال الحياة، فلم يسقط عنه في موته.
دليله: ما ذكرنا.
وفيه احتراز من الصلاة والصيام؛ لأن النيابة لا تدخل في ذلك.
وفيه احتراز من المال على المكاتب، ومن الدية؛ لأن الحق غير مستقر، وفي الجزية نطق.
فإن قيل: لا نسلم أنه مستقر، بل هو مراعي، فإن حج تبينًا استقراره، وإن مات تبينًا عدم الاستقرار.
قيل له: الدلالة على أنه مستقر: أن من وجب عليه الحق لا يمكنه []، فهذا معنى الاستقرار، والحج بهذه الصفة.
فإن قيل: ولا نسلم: أن الحج تدخله النيابة؛ لأن الحج يقع عن الحاج عندنا، ويكون للمحجوج [عنه] ثواب النفقة.
قيل له: الدلالة على أنه يصح منه: أن تصح فيه الاستبانة، وهو أن يدفع إلى غيره مالًا؛ لينوي عنه، ويلبي عنه، ولا يجوز أن يكون هذا إلا فيما تقع فيه النيابة، ألا ترى أن الصلاة والصيام لما لم تصحَّ النِّيابة
[ ١ / ٨٥ ]
فيهما، لم تصح فيهما الاستبانة؟ ولأن ما صحت الوصية به إذا لم يكن مستحقًا عليه، لم يسقط بموته إذا كان مستحقًا عليه، قياسًا على حقوق الآدميين؛ لأنه إذا أوصى بعبد له لإنسان- وهو لا يستحقه عليه- صحت الوصية، وإذا كان في يده عبد مغصوب يستحق عليه، لم يسقط عنه بموته، ووجب رده على صاحبه.
واحتج المخالف بأن كل من وجبت عليه عبادة، لم يلزم غيره أن يؤديها عنه بعد موته.
دليله: الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالعشر، والغسل إذا وجب عليه قبل القتل.
ثم المعنى في الصلاة: أنه لا تصح الوصية بها، أو لا تنفذ النيابة فيها في حال الحياة، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح الوصية به، ولأن النيابة تدخله، فهو كالدين.
واحتج بأن الحج وجب في حياته على أن يكون عبادة عليه وقربة له، ولا يمكن أداؤه بعد موته على الوجه الذي وجب، فوجب أن يسقط كالصلاة.
[ ١ / ٨٦ ]
والجواب: أن العبادة قد يسقط فرضها، وإن لم تكن قربة له، ولا ثواب له فيها، وهو الصلاة في الدار المغصوبة، عندهم هي صلاة صحيحة، وكذلك الزكاة تؤخذ من الممتنع، ويجبر على إعطائها، وإن لم يكن ذلك قربة إلا بنية وإخلاص.
ثم المعنى في الصلاة ما تقدم.
واحتج بأن هذه حجة لم يأذن بفعلها من وجبت عليه، فوجب أن لا تلزم غيره إذا أداها عنه؛ قياسًا على حال الحياة.
والجواب: أن حالة الحياة إنما تمنع الحج عنه بغير إذنه؛ لإمكان أدائه بإذنه، وإذا مات فقد تعذر إذنه، ألا ترى لو أنه كان صحيحًا وجب أن يؤدي الحج، فلو عجز عنه بزمانه، أو موت، قام فعل غيره مقام فعله؟
واحتج بأنه لا تحاص بالحج ديون، فوجب أن لا يجب إخراجه بغير وصيه، كسائر العطايا.
والجواب: أنا لا نسلم هذا، بل نقول: تحاص بالحج ديون الآدميين.
نص عليه في الزكاة في رواية ابن القاسم: إذا مات، وعليه دين وزكاة، تحاص الغرماء من الزكاة نصفين.
وعلى أنه ليس إذا لم يحاص يجب أن يسقط بالموت، بدليل أنه
[ ١ / ٨٧ ]
إذا اجتمع غرماء الصحة وغرماء المرض، وضاق المال، فيقدم غرماء الصحة، فلم تسقط حقوق غرماء المرض، بل الدين في الذمة، فلو أبرأه عنه، أو قضاه أجنبي عنه، صح، كذلك هاهنا.
واحتج بأن الحج عبادة يفتقر في أدائها إلى قطع مسافة، فوجب أن تسقط بالموت، كالجهاد.
والجواب: أن الجهاد لا تصح النيابة فيه، وليس ذلك هاهنا؛ لأنه تصح النيابة فيه، وينويه عن صاحب المال، ويلبي عنه.
- فصل:
والدلالة على أنه يجب إخراج الحج عنه من دويرة أهله، كالنيابة عن المعضوب.
ولأن السبب إلى العبادة يجري مجراها في الوجوب، ولهذا يلزم من تعذرت داره من الجامع أن يتسبب إليها، ويأثم بتركها، كما يأثم بتركها.
واحتج المخالف بأن هذه المسافة غير مقصودة، وإنما هو توصل
[ ١ / ٨٨ ]
إلى الواجب، فهو في حال الحياة لا يمكن التوصل إلا بقطعها، وبعد الموت يمكن التوصل عنه من الميقات، فلهذا فرقنا بينهما.
والجواب: أنه يجب أن نقول في المعضوب إذا حج عن نفسه: أن يخرج من الميقات … إلى من يحج عنه من الميقات.
وعلى أن الطهارة غير مقصودة في نفسها، ويجب فعلها.
٢٣ - مسألة