أومأ إليه أحمد في رواية المر وذي، وقد سئل عن رجل له أم ضريرة، ولها مال، أيحج عنها؟ فقال: يحج عنها إذا لم تقدر على الركوب.
فلم يجعل العمى مسقطًا لفرض الحج بنفسه، واعتبر عدم الثبوت على الراحلة.
وقد حكاه أبو حفص عن ابن بطة فقال: استطاعة الضرير: الزاد،
[ ١ / ٧٦ ]
والراحلة، ومن يقوده.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الحج بنفسه، ويلزمه في ماله.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وفسر النبي (ﷺ) السبيل بالزاد والراحلة.
والظاهر: أن كل من وجد زادًا أو راحلة، وجب عليه الحج، فوجب عمل الآية على ظاهرها.
فإن قيل: الآية تقتضي وجوب الحج عليه، ونحن نقول: يجب عليه الحج، وليس فيه أن يفعله بنفسه، [أو] بماله.
قيل له: قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ يقتضي قصد البيت، فيجب أن يكون على كل واحد من الناس قصد البيت بنفسه؛ لأن الحج هو القصد.
ولأن الأعمى لا تلحقه مشقة في الثبات على المراكب، وهو كالمبصر الصحيح.
فإن قيل: البصير الصحيح يمكنه [أن] يتصرف بنفسه، والأعمى لا يقدر على التصرف بنفسه.
[ ١ / ٧٧ ]
قيل له: إذا كان معه [من يقوده] فأنه يتمكن من ذلك.
[و] لأنه فقد حاسة، فلا تمنع من وجوب الحج عليه بنفسه.
دليله: الصمم.
ولا يلزم عليه الغضب والكبر؛ لأنه فقد قدرة.
يبين هذا: أن الحاسة مأخوذة من الحس بالأشياء، ولهذا حدها المتكلمون بالحواس الخمس.
فإن قيل: الصمم لا يمنع من التصرف بنفسه، والعمى يمنه من ذلك.
قيل له: الصمم يمنع من مخاطبه الحمال، ومن يبيع منه ويشتري.
وعلى أنه إذا كان معه قائد يرشده ويسدده، فلا يتعذر عليه ذلك، كما لا يتعذر على البصير.
فالأعمى لم يفته إلا العلم بالطريق، ومواضع النسك، وإذا وجد قائدًا يوصل إلى العلم به، فيلزمه، كالبصير إذا كان لا يهتدي الطريق، ولا يعرف المواضع التي تؤدي بها المناسك، وأنه إذا وجد من يهديه ويرشده، لزمه ذلك.
واحتج المخالف بأن الأعمى لا يمكنه أن يتصرف في سفره بنفسه، ألا ترى أنه يحتاج إلى من يركبه، وينزله، ويعينه على قطع المسافة، فهو كالزمن، بل الأعمى أسوأ حالًا من الزمن والمقعد؛ لأن الزمن إذا ركب قدر على أداء فرض الحج راكبًا، والأعمى لا يقدر على أدائه وإن
[ ١ / ٧٨ ]
ركب، حتى يقوده غيره.
والجواب: أن الزمن والمقعد لا يتمكن من النزول والركوب والثبوت على الراحلة، ومباشرة المناسك بنفسه، والأعمى يمكنه ذلك، وإنما يفقد الهداية إلى الجهة التي يحتاج إليها، فإذا أرشده غيره اهتدى، وقام بالنسك، فأتي به، فهو كالبصير الصحيح الذي لا يهتدي النسك، فإنه لا يسقط عنه، كذلك الأعمى.
واحتج بأن الحج عبادة تحتاج في أدائها إلي قطع مسافة، فوجب أن لا يلزم الأعمى قياسًا على الجهاد.
والجواب: أن هذا لا يصح؛ لأن الأعمى يجب عليه الحج بالإجماع، فالوصف غير صحيح.
فإن قيل: يريد به أنه لا يلزمه الحج بنفسه.
قيل له: لا يؤثر في الأصل؛ لأنه لا يلزمه في ماله، ولا في نفسه.
ثم المعنى في الجهاد: أن القصد منه القتال، وهذا لا يحصل من الأعمى، وليس كذلك الحج؛ لأن المقصود منه حضور مواضع النسك، وهذا يمكن للأعمى مع القائد، كما يحصل من البصير.
[ ١ / ٧٩ ]
٢٢ - مسألة