نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: أيما أعجب إليك: الإحرام من الميقات، أم قبل؟ - فقال: من الميقات أعجب إلي.
وكذلك نقل ابن منصور عنه- وقد سئل: إنهم كانوا يحبون أن يحرم الرجل أول ما يحج من بيته، أو من بيت المقدس، أو من دون الميقات؟ -فقال: وجه العمل المواقيت.
وكذلك نقل أبو بكر بن محمد عن أبيه، وقد سئل عن الحديث: «أن تحرم من دويرة أهلك»؟ فقال: ينشئ لها سفرًا من أهله، كأنه يخرج للعمرة عامدًا، كما يخرج للحج عامدًا، وهذا مما يؤكد العمرة.
فقد نص في الحج والعمرة على الإحرام من الميقات.
وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل قولنا.
والثاني: مثل قول أبي حنيفة.
ونقل صالح عنه: إن قوي على ذلك أرجو أن لا يكون به بأس.
دليلنا: ما روي: أن النبي ﷺ حج في عمره مرًة، واعتمر مرارًا.
[ ١ / ١٦١ ]
ولم ينقل أنه أحرم قبل الميقات، فلو كان تقديمه على الميقات أفضل لكان النبي ﷺ يفعله؛ لأنه لا يختار من الأفعال إلا أفضلها.
فإن قيل: قد يختار غير الأفضل للتعليم.
قيل له: إنما يكون ذلك بمرة، فأما في جميع أفعاله فلا، وقد روينا: أن العمرة تكررت منه من الميقات.
وعلى أنه قد كان يمكنه أن يعلم بقوله، ويعمل الأفضل بفعله.
ثم هذا يجوز] أن يقال في الفعل الذي يتكرر منه، فأما الفعل [الذي [لا] يتكرر منه، فلا يجوز أن يترك الفضيلة والاختيار فيه، والحج لم يقع منه مكررًا.
ولأن ترك الإحرام قبل الميقات مباح، فلو أحرم قبله؛ فإنه يطول بقاؤه عليه، فلا يأمن مواقعة المحظور، وهو الطيب، والحلق، واللباس، وإذا أحرم من الميقات فإنه يسلم من الغرر والخطر، وما كان أبعد من الغرر فهو أولى.
روي عن ابن عباس: أنه سئل عن رجلين؛ أحدهما [قليل الطاعة
[ ١ / ١٦٢ ]
قليل المعصية [، والآخر كثير الطاعة كثير المعصية، أيهما أفضل؟ فقال: يا ابن أخي [! السلامة لا يعدلها عندك شيء.
يعني: من قلت طاعته، وقلت معصيته، فهو أسلم.
فإن قيل: فيجب أن يعتبر هذا المعنى في العمرة، وقد قال أحمد في رواية صالح: كلما تباعد فهو أعظم للأجر، والعمرة على قدر تعبها.
فظاهر هذا: أن الأفضل الإحرام بها من دويرة أهله.
قيل له: نعتبر في العمرة ما نعتبره في الحج.
وإنما قال أحمد هذا في المكي: إن الأفضل في حقه أن يتباعد بالإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلدان أفضل من الإحرام من أدنى الحل، وقد بين هذا في رواية بكر بن محمد- وقد سئل: من أين يعتمر الرجل؟ -قال: يخرج إلى المواقيت فهو أحب إلي، كما فعل ابن عمر، وابن الزبير، وعائشة ﵃ أحرموا من المواقيت، فإن أحرم من التنعيم
[ ١ / ١٦٣ ]
فهو عمرة، وذلك أفضل، العمرة على قدر تعبها.
وإنما كان الأفضل الإحرام بالعمرة من ميقات أهل البلد؛ لأنه ميقات شرعي [وهو] عزيمة، وأدنى الحل جعل ميقات أهل مكة على وجه الرخصة، وهذا المعنى معدوم في الإحرام من دويرة أهله.
فإن قيل: هذا يوجب أن يكون الإحرام يوم التروية أفضل من تقديمه عليه؛ لأنه يؤدي إلى ما ذكرت.
قيل له: لأن ما قبله ميقات للحج شرعي بقوله تعال:﴾ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [، وهي شوال، وذو القعدة، وعشرة من ذي الحجة.
على أنا لا نسلم ذلك، بل نقول: الإحرام يوم التروية أفضل.
وقد نص على ذلك في رواية الميموني، وأبي داود في المتمتع: يهل يوم التروية، فإن أهل قبله فجائز.
فتبين أن الاختيار يوم التروية.
ولأن الميقات ميقاتان:
ميقات زمان: وهو شهور الحج.
وميقات مكان.
ثم ثبت أنه يكره التقديم على ميقات الزمان، فلا يستحب أن يحرم قبل أشهر الحج، كذلك [الإحرام] من ميقات المكان.
فإن قيل: إنما كرهنا له ذلك إذا لم يأمن مواقعه المحظور، فإن
[ ١ / ١٦٤ ]
أمن كان الإحرام بالحج قبل أشهر الحج أفضل.
قيل له: فيجب أن تقول هاهنا: (إذا لم نأمن مواقعه المحظور بالإحرام قبل الميقات يكره)، كما كرهت ذلك في الإحرام في غير أشهره، وقد أطلقت القول بالفضيلة في تقديم الإحرام على المكان.
والمخالف] يسوي بينهما، ويقول [: إذا أمن من مواقعة المحظور لم يكره ذلك؛ لا في الزمان، ولا في المكان،] ولا يتصور الأمن [؛ لأنه تعرض عوارض لا يمكن دفعها.
واحتج المخالف بما وت أم سلمة] قالت: سمعت [النبي ﷺ يقول: «من أهل بحجٍة أو عمرٍة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر»، أو: «وجبت له الجنة» شك الراوي.
] وروت أم سلمة قالت [: سمعت النبي ﷺ يقول: «من أهل بعمرٍة أو حجٍة من بيت المقدس كانت كفارًة لما قبلها من الذنوب».
[ ١ / ١٦٥ ]
والجواب: أن قوله: «من أهل» معناه: من قصد من المسجد الأقصى، ويكون إحرامه من الميقات.
واحتج بما روي عن علي، وابن مسعود: أنهما قالا في قوله تعالى:﴾ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴿] البقرة: ١٩٦ [: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
وأحرم ابن عمر من بيت المقدس بعمرة، وأهل ابن عباس من الشام، وأحرم عمران بن حصيٍن من البصرة، وأحرم ابن مسعود من القادسية.
والجواب: أن هذا يعارضه ما رواه أبو بكر النجاد بإسناده عن الحسن: أن عمران بن الحصين أحرم من البصرة، فقدم على عمر، فأغلظ له، وقال: يتحدث الناس أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أحرم من مصر من الأمصار.
وبإسناده عن مسلم: أن رجلًا أحرم من الكوفة، فرآه عمر سيئ الهيئة، فأخذ بيده، وجعل يديره في الخلق، ويقول: انظروا إلى هذا ما صنع بنفسه وقد وسع الله عليه؟!
وبإسناده عن الحسن: أن عبد الله بن عامر أحرم من سمرقند، فبلغ ذلك عثمان، فلامه.
وفي لفظ آخر: أحرم من خراسان، فلما قدم عثمان لامه ولامه، وكره ما صنع.
[ ١ / ١٦٦ ]
وبإسناده عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: استمتعوا بثيابكم؛ فإن وكاءكم لا يغني عنكم من الله شيئًا.
واحتج بأن إحرامه من دويرة أهله يوجب بقاءه على العبادة، والبقاء على العبادة أفضل، ألا ترى أن الإحرام قبل يوم التروية أفضل لهذه العلة؟
والجواب: أن الإحرام قبل أشهر الحج يوجب البقاء على العبادة، ومع هذا قلتم: إنه يكره ذلك.
٣٤ - مسألة