نص عليه في رواية الأثرم- وقد سئل: بأي شيء يكون الرجل محرمًا؟ -] فقال: بالنية.
قيل له: فيكون محرمًا بغير تلبية؟ قال [: نعم إذا عزم على الإحرام فهو محرم، وقد يلبي الرجل، ولا يحرم، ولا يكون عليه شيء.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: التلبية واجبة في ابتداء الإحرام، فإن لم يلب، وقلد الهدي وساقه، ونوى الإحرام، صار محرمًا.
وقال مالك: يجب بترك التلبية دم.
[ ١ / ١٧٤ ]
دليلنا على أبي حنيفة: أن كل ذكر جاز تركه في العبادة مع القدرة عليه، لم يكن واجبًا.
دليله: دعاء الاستفتاح والاستعاذة.
وذلك أنه يجوز تركه عندهم، والعدول إلى التقليد وسوق الهدي، فلو كان واجبًا لم يجز تركه إلى غيره.
فإن قيل: جواز الإحرام بالتقليد وسوق الهدي لا يدل على نفي وجوب الذكر في أوله، ألا ترى أن المسح على الخفين قد يقوم مقام غسل الرجلين، ولم يدل هذا على نفي وجوب غسلهما في الوضوء؟
قيل له: [المسح] فعل، [و] قد يجوز أن يقوم الفعل مقام غيره، والتلبية قول، ولسنا نجد في الأصول ذكرًا واجبًا يقوم غيره مقامه مع القدرة عليه.
ألا ترى أن الذكر في أول الصلاة، والقراءة في أثنائها، لما كان واجبًا لم يقم غيره مقامه مع القدرة عليه.
وعلى أن المسح على الخفين يقوم مقام الغسل؛ لضرب من المشقة في نزع الخفين وغسل الرجلين، وهذا المعنى غير معتبر فيه.
ولأن الإحرام أحد طرفي الحج، فلم يكن فيه ذكر واجب.
دليله: الطرف الثاني، وهو الرمي والطواف.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار أوله بآخره في باب الإيجاب، كما لم
[ ١ / ١٧٥ ]
يصح اعتبار آخره بأوله في باب الاستحباب.
قيل له: نحن نعتبر أوله بآخره في باب الاستحباب؛ لأنه يتحلل بالرمي لجمرة العقبة، والتلبية مسنونة إلى أن يرمي الجمرة.
فإن قيل: لا يصح اعتبار أوله بآخره في الإيجاب، كما لم يصح اعتبار أول الطهارة عندك بآخرها في إيجاب التسمية.
قيل له: الذكر في أول الطهارة لما كان واجبًا لم يقم غيره مقامه مع القدرة عليه، فلو كان الذكر في الحج عندك يجري مجرى الطهارة عندنا، لوجب ألا يقوم غيره مقامه.
ولأنها عبادة تجب بإفسادها كفارة- أو نقول: يدخل في جبرانها المال- فلم يكن فيها ذكر واجب.
دليله: الصيام.
وعكسه: الصلاة والطهارة؛ لما لم يدخل فيهما المال، وجب فيهما ذكر.
ولا يلزم عليه الاعتكاف؛ لأن في] إيجاب الكفارة روايتين [.
فإن قيل: الصوم ليس فيه ذكر مسنون، فلهذا لم يكن واجبًا، والحج فيه ذكر مشروع، فجاز أن يجب فيه.
قيل له: الوضوء فيه ذكر مشروع،] وليس فيه ذكر واجب عندك،
[ ١ / ١٧٦ ]
فانتقضت معارضتك [.
واحتج المخالف بأن فرض الحج مجمل في الكتاب، مفتقر إلى] البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد [مورد البيان كان على الوجوب.
وروي: أن النبي ﷺ] لبى حين أحرم، فوجب أن يكون على [الوجوب.
والجواب: أنه قد يبين الواجب، ويبين المسنون، فنحمل بيانه هاهنا على المسنون.
يبين صحة هذا: أنه استدام التلبية إلى أن رمى الجمرة، ومعلوم أن الأولى واجب عندك، وما بعدها مسنون.
واحتج بما روي: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: «مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها من شعار الحج».
وهذا يقتضي وجوب التلبية ورفع الصوت جميعًا، غير أن الدلالة دلت على أن رفع الصوت غير واجب.
[ ١ / ١٧٧ ]
والجواب: أن الخبر يقتضي الأمر برفع الصوت، والتلبية تجب بالمعنى دون اللفظ، فإذا سقط وجوب اللفظ- وهو رفع الصوت- سقط تابعه.
وعلى أن نحمل ذلك على طريق الاستحباب دون الإيجاب بدليل ما تقدم.
واحتج بما روي: أن النبي ﷺ قال لعائشة: «انقضي رأسك، وامتشطي، واغتسلي، ودعي العمرة، وأهلي بالحج».
وأراد بالإهلال التلبية، وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
والجواب: أن الإهلال قد يراد به التلبية- كما ذكرت- بدليل ما روي عن عكرمة قال: دفعت مع الحسين بن علي من مزدلفة، فرأيته يلبي حين انتهى إلى جمرة العقبة، فقلت: ما هذا الإهلال يا أبا عبد الله؟.
وأراد به التلبية، ولم يرد به الإحرام؛ لأنه معلوم أن الحسين لم يبتدئ الإحرام بعدما دفع من المزدلفة.
وكذلك ما روي: أنه قيل لابن عباس: كيف اختلف الناس في إهلال النبي ﷺ؟ فقال: سأخبركم، أهل رسول الله ﷺ في مصلاه …
إلى أن قال: فلما استوى على راحلته أهل، وقال: فلما استوى
[ ١ / ١٧٨ ]
على البيداء أهل.
ومعلوم أن النبي ﷺ لم يجدد الإحرام في الأحوال الثلاثة.
وقد يرد، ويراد به الإحرام، بدليل ما روي عن علي: أنه لما قدم على النبي ﷺ من اليمن قال: «بم أهللت؟» قال: بإهلاٍل كإهلال رسول الله ﷺ.
يعني: كإحرام رسول الله ﷺ.
وقال الشاعر:
يهل بالفرقد ركبانها
أراد به: يحرم.
وإذا كان كذلك، حلمناه على الإحرام دون التلبية.
واحتج بأن الحج عبادة مقصودة لنفسها، تنتظم أفعالًا متغايرة، فوجب أن لا يصح الدخول فيها بمجرد النية.
دليله: الصلاة.
وعبارة] أخرى: عبادة لها [إحرام وإحلال، فوجب أن يكون
[ ١ / ١٧٩ ]
الذكر في ابتدائها واجبًا، كالصلاة.
والجواب:] أن العبارة الثانية تنتقض [بالصيام؛ لأن له تحليلًا وتحريمًا، وليس فيه ذكر واجب.
وذلك أن الإحرام] هو: الدخول في العبادة [التي يحرم عليه فيها ما كان حلالًا قبل الدخول، من قولهم: (أظهر) إذا دخل [في وقت] الظهر، و(أتهم) و(أنجد (إذا دخل أرض نجٍد وتهامة.
وكذلك التحليل هو: الخروج مما كان] محرمًا عليه.
وهذا موجود في [الصيام.
ثم المعنى في الصلاة: أن الذكر فيها لما يقم مقامه فعل، لهذا ما كان واجبًا، وذكر الحج يقوم مقامه سوق الهدي مع قدرته على الذكر، فبان الفرق بينهما.
* فصل:
والدلالة على مالك ما روي عن النبي ﷺ قال: «ليس في المال
[ ١ / ١٨٠ ]
حق سوى الزكاة».
ولأنه ذكر في أثناء الحج، فلم يجب بتركه دم.
دليله: الدعاء بعرفات، والمزدلفة، وعند رمي جمرة العقبة.
واحتج المخالف بأن النبي ﷺ أمر بالتلبية، والأمر يدل على الوجوب.
والجواب عنه: ما تقدم.
وإن قاسوا على الصلاة في إيجاب الذكر، فنهي بالعبارة التي تقدمت.
والجواب عنه: ما تقدم.
وعلى أن الذكر في الصلاة آكد منه في الحج بدليل أنه يؤثر في فسادها، ولا يؤثر في فساد الحج.
٣٦ - مسألة