وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد الله وابن إبراهيم فيمن استطاع
[ ١ / ١٢٠ ]
الحج، وكان موسرًا، ولم تحسبه علة، ولا سبب: لم تجز شهادته.
وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب مالك، وداود.
وقال الشافعي: وجوب الحج على التراخي.
دليلنا: ما روى ابن بطة بإسناده عن علي، عن النبي ﷺ قال: "من ملك زادًا وراحلًة تبلغه إلى البيت، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا، أو نصرانيًا، ومن كفر فإن الله غنٌي عن العالمين".
فإن قيل: إذا أخره حتى مات أثم بالاتفاق.
قيل له: لو جاز له التأخير، لم يأثم بالموت إذا فاجأه من غير أمارة، ولا عليه ظٌن، والخبر يقتضي أنه أثم بكل حال.
وروى ابن عباس عن النبي ﷺ: أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل"، ذكره شيخنا.
فإن قيل: علقه بإدارته.
قيل له: هذه الإرادة التي يخرج بها من حيز الساهي إلى حيز القاصد، لا إرادة تخيير، ولا يتعلق الأمر بها.
[ ١ / ١٢١ ]
وهذا كقوله ﵊: "من أراد الجمعة فليغتسل"ز
وكقولنا: من أراد الصلاة فليتوضأ.
وروى ابن بطة في "سننه" بإسناده، عن الحجاج بن عمرو السلمي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من [قابٍل".
فأوجب الحج] على الفور.
وروى عبد الله في كتاب الإيمان من "مسائله": أنا أبي، أنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات، ولم يحج، لم يمنعه من ذلك مرٌض حابٌس، أو سلطاٌن ظالٌم، أو حاجٌة ظاهرٌة، فليمت على أي حاٍل شاء، إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا".
قال: وحدثني أبي قال: ثنا هشيم قال: ثنا منصور، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه
[ ١ / ١٢٢ ]
الأمصار، فينظروا كل رجل ذا جدٍة لم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم مسلمون! ما هم مسلمون!
والقياس: أن لو كان على التراخي لم يخل المأمور به من وجهين:
إما أن يكون له تأخيره أبدًا حتى لا يحلقه التفريط، ولا يستحق اللوم، وإن مات قبل فعله.
أو يكون مفرطًا مستحقًا اللوم إذا تركه حتى مات.
فإن قلنا: إنه لا يكون مفرطًا بتركه في حياته، خرج عن حد الوجوب، وصار في حيز النوافل، لأن ما كان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، فهو نافلة، أو مباح.
ولا خلاف أن الحج واجب، فبطل هذا القسم.
وإن قلنا: إنه يلحقه التفريط بالموت، أدى ذلك إلى أن يكون الله- تعالى- ألزمه إتيان عبادة في وقٍت، لم ينصب له عليه دليلًا يوصله إلى العلم به، ونهاه عن تأخيرها عنه.
ولا يجوز أن يتعبده الله بعبادة في وقت مجهول، كما لا يجوز أن يتعبده بعبادة مجهولة.
فإذا بطل هذان القسمان صح القسم الذي ذهبنا إليه، وهو أنه على الفور.
[ ١ / ١٢٣ ]
ولا يلزم على هذا الزكوات، والنذور، والكفارات، فإن ذلك على الفور، وقد نص على ذلك في الزكاة فيما تقدم.
ولا يلزم عليه قضاء رمضان، فإنه مؤقت بما بين رمضانين، ويأثم بتأخيره عن ذلك، فلا يؤدي إلى جعله في حد النَّوافل، ولا إلى أن يكون متعبدًا بعبادة في وقت مجهول.
فإن قيل: لا يمتنع أن يتعبد الله بعبادة في وقت مجهول، ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]؟
قيل له: وجوب الوصية متعلق بشرط، وهو حضور الموت، [وللموت أمارٌة يغلب معها في الظن وجوده، وهو أن يشتد مرضه، فإذا وجدت الأمارة وجبت، ولم يجز له تأخيرها، ويصير الوقت الذي يتعين وجوبها فيه معلومًا.
فإن قيل: قيل في الحج مثله.
قيل له: لا يغلب في ظنه أنه يموت إلا في وقت يكون عاجزًا عن أداء الحج بنفسه، وهو إذا اشتد مرضه، ولا يجوز أن يتوجه إليه الخطاب بأدائه في حال لا يقدر عليه، وليس كذلك الوصية، لأن وجود الأمارة التي يغلب معها في ظنه وجود الموت، لا يوجب عجزه عن الوصية، فجاز تعليق وجوبها بوجود تلك الأمارة.
[ ١ / ١٢٤ ]
فإن قيل: يجوز أن يوجب الله- تعالى- صلاة، ويعلق أداءها باختيار المأمور]، يؤديها أي وقت شاء.
قيل له: لا يجوز أن [لا] يكون آخر وقتها معلومًا عند المخاطب.
وحكم عن أبي إسحاق المروزي: أنه كان يقول: إذا كان قادرًا على أداء الحج في السنة التي هي من آخر عمره، فلم يؤده فيها، صار عاصيًا بتأخره عنها، لأنا إنما جعلنا له التأخير بشرط السلامة، فأي سنة تبينا أنه لم يمكنه الحج بعدها، علمنا أن وجوب أدائه متعين في تلك السنة.
وقد بينا فساد هذا القول بما قدمنا.
وروى عن أبي هريرة: أنه كان يقول: إن أخره، وهو عازم على فعله في الثاني، ومات، لم يكن عاصيًا، وإن اشتغل باللهو، ولم يعزم على فعله، كان عاصيًا بتأخيره.
وهذا لا معنى له، لأنه قد سلم أنه يصير بتركه وترك ما يقوم مقامه عاصيًا، إلا أنه ادعى: أن العزم بدل عنه، وهذا فاسد، لأن البدل ما قام مقام المبدل، وسقط الفرض به، والعزم لا يسقط الفرض به.
ووجه آخر، وهو: أن وجوه بتعلق بشرط، وهو وجود الاستطاعة، فإذا وجد الشرط لم يجز أن يتأخر ما علق به، كقوله: (أنت طالق إن دخلت الدار) ونحو ذلك.
[ ١ / ١٢٥ ]
فإن قيل: نحن نقول بأن الحج يجب بوجود الشرط، ولكن كلامنا في الأداء.
قيل له: وجوب الأداء متعلق بالشرط، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] معناه: فعل الحج، يقال: حج يحج حجًا.
ولأن الحج عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فوجب ألا يجوز تأخيرها بعد وجوبها عن حال الإمكان.
دليله: صوم رمضان.
ولأنها عبادة تجب بقطع مسافة، أو تجب بزاد وراحلة، وكان وجوبها على الفور، كالجهاد.
ولأن وجوبه غير مؤقت، فوجب أن يلزم أداؤه على الفور.
دليله: حقوق الآدميين.
واحتج المخالف بأن فريضة الحج نزلت سنة سٍّت، وحج النبي ﷺ سنة عشر، فلو كان وجوبه مضيفًا لما أخره عن أول أحوال الإمكان.
والجواب: أنه لم يثبت عندنا: أن النبي ﷺ أخره عن وقت وجوبه، لأن وجوب الحج ثبت بقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾.
وروى: أنه نزل في سنة عشر، وروى: في سنة تسع، فإن كان في سنة عشر، فلم يؤخره، وإن كان في سنة تسع، فجائٌز أن يكون نزل بعد مضي وقت الحج، فلم يجب فعله إلا في سنة عشر.
[ ١ / ١٢٦ ]
وذكر أبو إسحاق إبراهيم بن حبيب البصري المعروف بالحاكم في تاريخه "لوامع الأمور وحوادث الدهور": أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي ﷺ سنة تسع، فسأله عن الفرائض، وذكر من جملتها الحج.
فإن قيل: فالدلالة على أن فريضة الحج نزلت سنة سًّت: أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] [نزل سنة سًّت من الهجرة]، [حين خرج النبي ﷺ] معتمرًا، فصده المشركون عن البيت، فصالحهم على أن يرجع إلى المدينة، ويعود في القابل، ويقضي تلك العمرة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦].
فرجع، ثم خرج في السنة السابعة لعمرة القضاء، فلما فرغ منها عاد إلى المدينة.
وخرج لعشر مضين من رمضان في سنة ثمان من الهجرة، وفتح مكة، ودخلها، وانصرف إلى المدينة في شوال، واستخلف عليها عتاب ابن أسيد، ثم أمر أبا بكر في السنة التاسعة، فحج بالناس، وبعث خلفه عليًا، ليقرأ عليهم سورة (براءة) وحج في سنة عشر حجة الوداع، وعاش بعد ذلك شهرين، وقبض ﷺ.
[ ١ / ١٢٧ ]
روي أن ضمام بن ثعلبة وفد على النبي ﷺ في سنة تسع، فسأله عن أشياء منها أن قال: آلله أمرك أن تحج هذا البيت؟ فقال: نعم.
ولأنه أنفذ أبا بكر سنة تسع، ليحج بالناس، وهذا يدل على أن وجوبه كان قبل سنة عشر.
قيل: أما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنه يقتضي وجوب إتمامه بعد الدخول فيه، وكلامنا في وجوبه ابتدًاء قبل الدخول فيه، لأن هذا اللفظ يستعمل في العرف بعد الدخول في الشيء، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] عقل منه وجوب المضي فيه والفراغ منه بعد ابتدائه.
وكذلك [إذا] قيل: (أتم هذا الكتاب) يعقل منه الفراغ بعد الدخول فيه.
كذلك اقتضى قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وجوب الإتمام بعد الدخول فيهما، وهكذا نقول.
فإن قيل: الآية اقتضت أمرًا بالابتداء بهما، يدل عليه ما روى عن عمر وعلي ﵄: أنهما قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.
[ ١ / ١٢٨ ]
فحملا البناء على الابتداء.
وروى أن عبد الله بن مسعود كان يقرؤها: (وأقيموا الحج والعمرة لله)، لأنه لم يكن بالحديبية [من كان] محرمًا بالحج، وإنما كانوا محرمين بالعمرة، فدل على: أن المراد بها الابتداء.
قيل له: أما ما روى عن عمر وعلي، فلم يقصدا بذلك بيان معنى الإتمام، وأنه عبارة عن ابتداء الإحرام، وإنما قصدا إلى أن يبينا: أن النقصان ينتفي عنهما، والكمال يحصل لهما بالإحرام قبل الميقات، ولهذا قال قوم: الإحرام بهما قبل الميقات أفضل.
وعلى أن الإحرام من دويرة الأهل مستحٌب، فكأنهما حملا الأمر على الاستحباب دون الوجوب، وهذا ترك الظاهر، فصار هذا دلالة على المخالف.
وأما قراءة ابن مسعود، فيحتمل أن يريد به: أقيموا بعد الدخول فيهما، بدليل ما ذكرنا.
وأما قوله: (إنه لم يكن بالحديبية من كان محرمًا بالحج، إنما كانوا
[ ١ / ١٢٩ ]
محرمين بالعمرة) فلا يمتنع أن يبين حكم الحج والعمرة، وإن كان التلبس بأحدهما.
وأما حديث ضمام بن ثعلبة، فنحمله على وجوب كان تامًا في شريعة إبراهيم ﵇، وكان النبي ﷺ مأمورًا بإتباعه فيما لم يثبت نسخه، فقوله: "نعم" يحتمل أن يريد به: أنه أمر على هذا الوجه، وكلامنا في نزول فرض الحج في شريعته.
فإن قيل: هذا يؤكد السؤال، لأنه إذا كان ثبت وجوبه في شريعة إبراهيم، ولم يثبت نسخه، والنبي ﷺ كان متعبدًا به، وقد أخره إلى سنة عشر، دل على أن وجوبه لم يكن مضيقًا.
قيل له: لم يثبت أن وجوبه في شريعة إبراهيم كان بلفظ يقتضي الفور، وكلامنا في حكم الأمر المقتضي لوجوبه في شريعة نبينا ﵇.
وهكذا الجواب عن إنفاذه أبا بكر إنما كان على موجب شريعة إبراهيم ﵇.
وجواب آخر، وهو: أنا لو سلمنا أنه أخر الحج عن وقت وجوبه، فيحتمل أن يكون تأخيره لعذر، ونحن لا نأبى ذلك، والخلاف في تأخيره لغير عذر.
[ ١ / ١٣٠ ]
الدليل على صحة هذا: أنه لا يترك الأفضل، ويداوم على تركه فيما لا يتكرر فعله من جهته إلا لعذر، والعذر الذي ترك به الأفضلية عندهم، هو المعنى الذي جوز له تأخير الواجب عندنا.
فإن قيل: الأصل عدم العذر.
قيل له: ما يلزمنا من هذا في تأخير الواجب، يلزمك مثله في ترك الفضيلة.
فإن قيل: أخره ليبين جواز التأخير.
قيل له: كان يكفي أن يؤخر سنة واحدة.
وجواب أخر، وهو: أنه إذا كان وجب في سنة ست، فلوجوبه شرائط لا يعلم أنها حصلت له، ألا ترى أن الحج يحتاج في وجوبه إلى الزاد، والراحلة، ونفقة الأهل، وأمن الطريق، ويحتاج (ﷺ) إلى أصحاب يكفونه غزو الطريق؟ فيجوز أن تكون هذه الشرائط التي بها يحصل الوجوب لم تكمل إلا في سنة عشر.
فإن قيل: فإن النبي (ﷺ) اعتمر سنة ست، فلا بد أن يكون حصل له الشرائط؛ لأنه كان معه عام الحديبية سبعون بدنه، وفي سنة ثمان اتسع من سبي هوازن حتى قال صفوان بن أمية حين أعطاه" هذا عطاء من لا يخاف الفقر، وفي سنة ثمان فتح مكة، وفرغ من هوازن والطائف، ولم يبق له مانع.
[ ١ / ١٣١ ]
قيل له: يحتمل أن تكون الاستطاعة حصلت له في وقت العمرة، وزالت في وقت الحج؛ لأن قريشًا صالحوه في عمرة القضاء على العمرة، ولسنا نعلم أنهم مكنوه من الحج، وقد كانوا صالحوه على ثلاثة أيام، فأراد أن يقيم بها ليولم […]، فمنعوه.
فإن قيل: فقد كان في أصحابه أغنياء
قيل له: شرط الاستطاعة ليس هو مجرد الغنى، بل يحتاج إلى ما ذكرناه من الشروط.
وجواب أخر، أنه أخر بعد الوجوب؛ لأنهم كانوا يؤخرون الحج تارة، ويقدمونه أخرى، فيقع في غير وقته، فأراد النبي (ﷺ) أن يحج في وقت يستقر فيه الحج؛ ليقع الاقتداء به من بعده، فلما وافق سنة عشر وقت الحج قال: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته خلق [الله] السماوات والأرض.
ولهذا فعل العمرة؛ لأن وقتها لا يتخصص.
فإن قيل: فكيف أنفذ أبا بكر سنة تسع؟
قيل له: من حج على ما كانوا عليه لم يسقط فرضه، فأراد النبي (ﷺ) أن يحج على جهة يقع بها الأجزاء، ويكون إمامًا في المستقبل يقتدى به.
[ ١ / ١٣٢ ]
وجواب آخر، وهو" أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويظهرون الكفر في التلبية، ويقولون: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك*، فلما أنفذ أبا بكر سنة تسع، [و] نبذ إلى المشركين عهدهم، ونادي: (ألا لا يطوف بالبيت مشرك، ولا عريان) حج.
فإن قيل: فكيف اعتمر؟
قيل: لأنهم أخلوا له مكة.
فإن قيل: فكيف أمر أبا بكر بالحج؟
قيل: لأن حرمته لا تضاهي حرمة النبي (ﷺ).
وجواب آخر، وهو: أنه أخر حتى أمن كيد الأعداء.
فإن قيل: كيف اعتمر؟
قيل له: يجوز أن يكون أمن ذلك في غير وقت الحج، ولم يأمن في وقت الحج.
واحتج بما روى أبو بصرة، عن أبي سعيد: أن النبي (ﷺ) قال في حجة الوداع: "من أحب أن يرجع بعمرة قبل الحج، فليفعل".
[ ١ / ١٣٣ ]
وروي أنه لما خرج من العمرة قال: "من أراد أن يقيم للحج معنا فليقم، ومن أراد أن ينصرف فلينصرف".
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك لمن كان قد حج في سنة تسع مع أبي بكر.
واحتج بأن النبي (ﷺ) أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة، والتحلل منه بالعمرة، فلو كان على الفور ما أمرهم بفسخه، وتأخيره إلى وقت آخر.
والجواب: أنه لما فسخوا الحج، وجعلوه عمرة، أحرموا بالحج في تلك السنة يوم التروية، فحصل لهم التمتع بذلك، [يدل] على ذلك: ما روي عن أبي سعيد ألخدري: أنه قال: قدمنا نصرخ بالحج صراخًا، فلما طفنا بالبيت قال النبي (ﷺ): "اجعلوها عمرة"، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج.
واحتج بأنه فعله في وقت لم يزل عنه اسم الأداء، فوجب أن لا يكون عاصيًا، قياسًا على السنة الأولى.
[ ١ / ١٣٤ ]
وعبارة أخرى: أن هذه عبادة مقصودة في نفسها، أتى بها في وقت لم يزل عنها اسم الأداء، فوجب أن لا يكون بتأخيرها عاصيًا، قياسًا على فعل الصلاة في الوقت الثاني.
ولا يلزم عليه إذا ترك الصلاة والطهارة والطهارة حتى ذهب الوقت، ثم قضاها، يكون عاصيًا يترك الطهارة، وهو مؤد لها؛ لأن الطهارة ليست بمقصودة في نفسها، وغنما هي شرط صحة الصلاة، فصار عاصيًا بترك الطهارة لأجل الصلاة.
وعبارة أخرى: عبادة وقت الدخول فيها موسع، فكان وقت أدائها موسعًا كالصلاة.
و[أما] الجواب عن العبارة الأولى: فهو أنه لا يمتنع أن نقول: إنه قضاء. وليس من شرط صحة القضاء نية القضاء؛ لأن أحمد والشافعي قد قالا: إذا صام الأسير شهر رمضان باجتهاده، ثم بان أنه صادف بعده كان جائزًا، وإن كان قد نوى الأداء.
وكذلك إذا صلى الظهر وعنده: أن الوقت باقٍ، ثم بان لأنه بعد فوات الوقت، أجزأه، وإن لم ينو القضاء.
وعلى أنه ينتقض بتأخير الطهارة مع الصلاة حتى يخرج الوقت؛ فإن الطهارة لا تقبل نية القضاء، وإن كانت الفور في تلك الحال، وكذلك الزكوات، والكفارات، والنذور إذا أخرها بعد وجوبها.
[ ١ / ١٣٥ ]
وأما العبارة الثانية: فالكلام عليها نحو هذا.
وأما الثالثة: فإنها منتقضة بالسنة التي يغلب على ظنه العجز بعدها؛ فإن وقت الدخول في تلك الحجة موسع، ووقت أدائها مضيق، ثم نقلب هذا فنقول: فلا يجوز تأخيرها عن أخر وقتها.
دليله: الصلاة.
ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا، ويتضايق بآخره، ويتسع وقت فعلها ما لم يتضايق، فالحج مثلها.
واحتج بأنه لو تضيق وجوبه في السنة الأولى، كان بتأخره عن وقته قاضيًا، كالصلاة إذا أخرها عن أخر وقتها.
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن نسميه قاضيًا.
وعلى أنه يبطل بالسنة التي يغلب على ظنه العجز عنها؛ فإنه بالتأخير عنها لا يصير قاضيًا، ويأثم بالتأخير.
ولأن القضاء تسمية شرعية، فتستعمل حيث أطلقتها الشريعة، وقد قال النبي (ﷺ): "من نام عن صلاة، فليؤذها إذا ذكرها".
فسماها أداء، وهي قضاء.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقد قال ﵇: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا".
ولأن الزكاة تجب وجوبًا مضيفًا، ومع هذا، فلا يسمى بتأخيرها قاضيًا، وكذلك الكفارات.
واحتج [بأن] في إيجابية على الفور يؤدي إلى هلاك الحرث، والنسل، وخراب البلاد، وذلك أن أهل البلاد إذا وجدوا الاستطاعة، فإن لزمهم أن يخرجوا بأجمعهم، أدى إلى هلاك الأطفال، والبهائم، وتلف الغلات، وتأخير الزراعات، وفي ذلك خراب البلاد.
والجواب: أنه لا يؤدي إلى ذلك؛ لأن شرائط الوجوب لا تكمل لجميع الناس في سنة واحدة، ومن تتفق له شرائط الوجوب تعترضه الأعذار، فيحج من وجب عليه- ولا عذر له- دون غيره، ويقوم بمصالح الدنيا من لم يحج.
٣١ - مسألة