وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: الحج يقع عن الحاج، وللمحجوج عنه ثواب النفقة.
وفائدة هذا: أن على قولنا تصح [النيابة عنه، لكن من جهته مال]، فيكون له ثوابه.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا يعجبني أن يأخذ دراهم، فيحج بها إلا أن يكون متبرعًا يحج عن أبيه، أو ابنه، أو أخيه.
[ ١ / ٨٩ ]
وكذلك نقل أحمد بن الحسين ويوسف بن موسى عنه في الرجل يريد أن يحج عن أبويه: يبدأ بالأم، إلا أن يكون الأب قد وجب عليه.
وكذلك نقل أبو الحارث، وقد سئل: يحج الرجل عن أبيه، أو عن أمه؟ فقال: إن حج من مال نفسه متبرعًا، وإن كان من مال الميت، فلا يحج وارث عن وارثه.
كأنه يرى أنها وصيه لوارث.
وكذلك نقل أبو داود- وقد سئل: يحج عن أمه؟ - قال: نعم، يقضي عنها دينًا عليها، قيل له: فينفق من ماله، وينوي عنها؟ قال: جائز، قيل له: فالمرأة تحج عن الرجل؟ قال: نعم، إذا كانت محتاجة.
فقد نص على جواز النيابة، وإن لم يكن من جهة المناب عنه مال.
والدلالة على ذلك: ما تقدم من حديث ابن الزبير.
وقول النبي (ﷺ) للسائل: "احجج عن أبيك" وشبهه بالدين، فلو كان الحج عن القائل لم يكن حاجًا عن أبيه، وإنما كان حاجًا عن نفسه.
ولأن النبي (ﷺ) شبه قضاء الحج عن أبيه بقضائه الدين عنه، كما كان قضاء الدين يسقط عنه فرضه، ويقع عنه، كذلك قضاء الحج.
فإن قيل: يحمل قوله: "فحج عنه" على إخراج المال عنه.
ولأن ظاهر الخبر يقتضي جواز حجه عنه بماله وبغير ماله، وعندهم: إن لم يكن له مال، لا يصح الحج عنه.
[ ١ / ٩٠ ]
والقياس: ما صحت الاستنابة فيه، صحت النيابة فيه.
دليله: قضاء الدين، و[الوقوف] بعرفة.
أو نقول: ما صحت الاستنابة فيه، فإذا فعله المستناب، وقع عن المستنيب.
دليله: ما ذكرته.
وفد بينا أنه يستنيب من ينوي عنه، ويلبي عنه، فلولا أنه يقع عن النائب فيه ما صحت النية والنيابة عنه، كما لا يصح أن ينوي فيما يقع عن نفسه عن غيره.
واحتج المخالف بأن كل من لزمه أداء [ما] يوجب الإحرام، كان الإحرام عنه، كمن حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
والجواب: أنه إذا] استأجره لتفرقة [الزكاة، كان العمل مستحقًا عليه، وتكون الزكاة واقعة عن المزكى عنه، []، فلو استأجره لذبح هديه كان الذبح مستحقًا عليه، والهدي واقع عن غيره.
وكذلك [] يستحق العمل على الأخير، ويكون العمل للمستأجر.
[ ١ / ٩١ ]
وأما من لم يحج عن نفسه، فإنما وقع الحج عنه؛ لأنه لم يسقط الفرض عن نفسه، وهذا قد أسقط الفرض عن نفسه، ألا ترى أن الطواف لا تصح النيابة فيه، وعليه فرضه، وتصح النيابة فيه، [] أسقط فرضه [] لو أفسده [] في الابتداء لنفسه.
والجواب: أن إذا أفسده تبينا أنه لم يكن عن المحجوج عنه؛ لأنه على خلاف ما يتناوله إذنه، وهذا كما لو أمره بشراء شيء على صفة، فاشتراه بخلاف صفته، فيكون لازمًا للوكيل.
واحتج بأن الكفارة التي تجب في الإحرام تلزمه، فيجب أن يكون الحج عنه واقعًا، كما لو أحرم عن نفسه في الابتداء.
والجواب: أن ذلك جناية من جهة الحاج لم يتناولها إذن المحجوج عنه، فكان ما يجب في ماله، يدل على ذلك أن هدي الإحصار يجب في مال المحجوج عنه؛ لأنه ليس بجناية من جهة الحاج.
فإن قيل: هدي الإحصار يخلص به من السفر، فيشبه نفقة الرجوع، وذلك في مال المحجوج عنه، كذلك هدي الإحصار.
قيل له: فيجب أن تقول- إذا نوى المقام هناك-: أن يسقط
[ ١ / ٩٢ ]
هدي الإحصار عن المحجوج عنه، كما تسقط نفقة الرجوع، وقد قلت: إنه لا يسقط.
على أن ابن منصور روى عن أحمد في رجل أمر رجلًا أن يرمي عنه، وهو مريض، فنسي الذي أمر حتى رجع إلى مصره: قد أساء المأمور، لكن الدم على الآمر، ذكرها أبو حفص البرمكي في «مجموعه».
واحتج بأنه يفتقر في أدائه إلى قطع مسافة، أشبه إذا جاهد عن غيره: أنه يقع عنه، ويلحق الآمر أجر النفقة.
والجواب: أن الجهاد لا تصح الاستنابة فيه، فلهذا لم تصح النيابة، والحج بخلافه.
٢٤ - مسألة