نص عليه في مواضع ابن إبراهيم، وأبي داود: تقصر المرأة من جميع رأسها قدر الأنملة.
وقال في رواية حنبل والميموني: إن شاء قصر، وإن شاء حلق، والحلق أفضل.
وقال في رواية منها: إذا أخت المرأة التقصير حتى خرجت أيام منى، فعليها دم.
[ ١ / ٤٣٢ ]
وقال- أيضًا- في رواية بكر بن محمد: إذا اعتمر الرجل، فلابد من أن يحلق، أيقصر، ولا يعتمر حتى شعره، فيمكن حلقه، أو يقصره.
وقال في رواية أبي داود: يعجبني إذا دخل متمتعًا أن يقصر؛ ليكون الحلق للحج.
وهذا كله يدل على أنه نسك، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك.
وللشافعي قولان:
أحدهما: مثل هذا.
والثاني: إطلاق محظور، كاللباس والطيب.
دليلنا: قوله تعالى:﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ﴿] الحج: ٢٩ [.
روى ف التفسير: أن المراد به الحلق، وروى: بقايا أفعال الحج مثل رمي الجمار، ونحوه، وهو عليهما جميعًا.
وإذا ثبت أن الحلق من قضاء التفث وقد أمر الله به، وجب أن يكون نسكًا.
وأيضًا قوله تعالى:﴾ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ﴿] الفتح: ٢٧ [.
فامتن علينا بدخولنا على هذه الصفة، فدل على أن الفضل يحصل بها.
ولأنه عبر عن الإحرام بالحلق والتقصير، ولا يعبر عن العبادة إلا
[ ١ / ٤٣٣ ]
بما هو منها، كقوله:﴾ وَقُرءَانَ الفَجرِ ﴿] الإسراء: ٧٨ [.
ويدل عليه ما روى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله!
والمقصرين؟ قال: «اللهم ارحم المحلقين»، قالوا: يا سول الله!
والمقصرين؟ قال: «والمقصرين».
فدعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة واحدة، فلولا أنه نسك لما استحقوا لأجله الدعاء.
فإن قيل: إنما دعا لهم؛ لأن فيه قربة، وهو النظافة.
قيل له: هذا المعنى لا يوجد في التقصير، وقد دعا للمقصرين.
ويروى: أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «اذبحوا، واحلقوا».
فأمرهم بالحلق، وأمره على الوجوب، فدل على لسانه أنه نسك.
ولأن الأمة قد نقلت من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا الحلق للحاج قولًا وفعلًا، كما نقلت سائر المناسك، فدل على أنه نسك، وليس من الأفعال المباحة.
ولأن هذه عبادة لها إحلال وإحرام، فوجب أن يكون من محظوراتها
[ ١ / ٤٣٤ ]
ما هو قربة فيها، كالصلاة من محظوراتها ما هو واجب فيها.
أصله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف بأنه محظور في الإحرام، فوجب أن يكون في وقته إطلاق محظور قياسًا على الطيب واللبس وقتل الصيد.
والجواب: أن كونه محظورًا ف حال الإحرام لا يمنع أن يكون قربة عند الإحلال، كالسلام هو محظور في الصلاة، كالكلام والمشي ونحو ذلك ثم يكون مسنونًا في آخرها.
ثم المعنى في سائر المحظورات: أن الشرع لم يرد باستحقاق الثواب عليه، فلهذا لم يكن نسكًا، هاهنا قد ورد، فلهذا كان نسكًا.
واحتج بأنه لو كان من أعمال الحج لوجب إذا فعله قبل وقته] أن [لا يتعلق به وجوب الدم، كالطواف والرمي.
والجواب: أن السلام قربة في الصلاة عند التحلل منها، ثم إذا قدمه على وقته على سبيل السهو تعلق به الجبران، كذلك لا يمنع أن يقع التحلل بالحلق، وإذا قدمه على وقته تعلق به الجبران، وهو الدم.
فإن قيل: لو كان الحلاق يجري مجرى السلام لوجب أن يقع التحلل به، كما يقع بالسلام.
قيل له: في ذلك روايتان:
[ ١ / ٤٣٥ ]
إحداهما: أن التحلل يقع به وبالرمي، كما يقع التحلل من الصلاة بالسلام.
وقد نص على هذا في مواضع:
فقال في رواية أبي داود في من دخل بعمة، فلم يقصر حتى كان يم التروية: فهذا لم يحل بعد، يقصر، ثم يهل بالحج، ولا شيء عليه، وبئس ما صنع.
ونقل عنه في موضع آخر في المعتمر يقع بامرأته قبل أن يقصر: عليه الفدية.
وكذلك نقل أبو طالب في معتمر طاف فوقع على امرأته قبل أن يسعى: فسدت عمرته وعليه مكانها، وإن طاف وسعى، ثم وطئ قبل أن يحلق، فعليه دم.
وقال- أيضًا- في رواية الأثرم في معتم حل من عمرته، فوقع على امرأته قبل أن يقصر، فعليه دم؛ يذبح شاة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن إبراهيم في محرم وقع بأهله قبل أن يقصر قال: عليه دم.
وهذا صريح في أنه لا يقع التحلل قبل الحلق، أو التقصير، وإنما يقع به، وبه جاءت السنة:
فروى أحمد في «المسند» بإسناده عن عائشة قالت: قال
[ ١ / ٤٣٦ ]
رسول الله ﷺ: «إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء».
فعلق التحلل بالرمي، والحلاق.
ولأنها عبادة لها تحليل وتحريم، فوجب أن يقع التحلل منها بمعنى محظور عليه فيها خلال الإحرام، كالصلاة.
فعلى هذا لا يلزم السواك.
وفيه رواية أخرى: يقع التحلل برمي الجمرة، ولا يقف عليه.
أومأ إليه في رواية أبي الحارث فقال: الإحرام قائم عليه، فإذا رمي الجمرة فقد انتقض إحرامه.
وقال- أيضا- في رواية ابن منصور: وقد سئل عن المحرم يغسل رأسه قبل أن يحلقه، فقال: إذا رمى الجمرة فقد انتقض إحرامه، إن شاء غسله.
وقال في رواية ابن منصور في الذي يصيب أهله في العمرة قبل أن يقص: الدم لها كثير.
وهذا يقتضي أنه قد تحلل؛ لأنه لو كان الإحرام باقيًا لأوجب الدم؛ لأنه قد نص على أنه من وطئ في العمرة عليه شاة في رواية أبي طالب.
[ ١ / ٤٣٧ ]
فعلى هذا: لا يمنع هذا كونه نسكًا، وإن لم يقع التحلل به، كالمبيت في المزدلفة، ورمي الجمار في اليوم الثاني والثالث.
وقد روى أحمد في «المسند» بإسناده عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ: «إذا ميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيٍء إلا النساء».
وهذا نص في أن التحلل يقع بالرمي فقط.
٨٨ - مسألة