نص عليه في رواية الأثرم، وبكر بن محمد، والمروذي، وإسحاق ابن إبراهيم.
وهو قول الجديد للشافعي وداود.
وقال في القديم: هي سنة.
وهو قول أبي حنيفة ومالك.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم بإسناده عن أبي رزيٍن قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر».
وهذا أمر بفعل العمرة، والأمر يقتضي الوجوب.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن سراقة بن مالك بن جعشم [أنه قال]: يا رسول الله! عمرتنا هذه لعامنا أم للأبد؟ فقال رسول الله ﷺ: «بل للأبد».
فوجه الدلالة: أنه سأله عن التكرار، فدل على أن وجوبها في الأصل كان ثابتًا عنده.
وأن قوله: «للأبد» يريد به: الوجوب؛ لأن الاستحباب لا يختص بذلك العام، بل يتكرر في كل يوم، وفي كل وقت.
فإن قيل: لا حجة في هذا [على وجوب] العمرة ابتداء؛ لأن السؤال وقع عن عمرة بعينها كانت واجبة عندنا، وهي التي [أمر النبي ﷺ أصحابه أن] يفسخوا بها إحرام الحج، ويتحللوا منه بعمل العمرة، فظن سراقة [أن ذلك يفعل كل سنة، فقال: أعمرتنا هذه التي تحللنا بها عن إحرام الحج، تفعل في كل سنة؟ فقال: «لأبد الأبد»، ولا يجب نسخ الحج بها في كل سنة.
[ ١ / ٢٠١ ]
قيل له: قد سلمت بهذا الخبر: أنه قد كان هناك عمرة] واجبة، وادعيت نسخها، ومدعي النسخ يحتاج إلى دليل على أن النسخ منصرف على الفسخ، لا إلى فعل العمرة.
والذي يبين صحة هذا: أنه روي في بعض الألفاظ: حجنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: «بل للأبد» ولم يقل أحد: إن ذلك منسوخ.
وأيضًا ما روى عن عائشة﵂- قالت: هل على النساء جهاد؟ قال: «عليهن جهاد لا قتال فيه؛ الحج والعمرة».
وتقديره: يجب عليهن جهاد؛ لأنها سألته عن وجوب ذلك.
وروى زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: «الحج والعمرة فريضتان، لا يضرك بأيهن بدأت».
وأنا ابن أبي مسلم في الإجازة قال: ثنا محمد بن أحمد بن تميم قال: ثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: ثنا قتيبة قال: ثنا ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «الحج والعمرة
[ ١ / ٢٠٢ ]
فريضتان واجبتان».
فإن قيل: معناه مقدرتان؛ لأن الفرض في للغة هو التقدير.
قيل له: إن كان هذا معناه في اللغة، كان معناه في عرف الشرع الإيجاب، فوجب حمله عليه.
وعلى أن قوله: «لا يضرك بأيهما بدأت» يمنع أن يكون المراد به التقدير؛ لأن تقديرهما لا يوجب التسوية بينهما، وإيجابها يوجب التسوية بينهما في التقديم والتأخير.
فإن قيل: يحمل هذا عليه إذا دخل في العمرة.
قيل له: الفرض إذا أطلق فإنه يعقل منه الابتداء، ولأنه قال: «لا يضرك بأيهما بدأت» دل على أن المراد به الابتداء.
والقياس: أنه إحرام يتضمن الطواف والسعي، فوجب أن يكون من جنسه باسمه الخاص ما هو واجب ابتدًاء قياسًا على الحج.
فإن قيل: نقول بموجب العلة؛ لأن الحج من جنس العمرة، وهو واجب ابتداء.
قيل: نحن قلنا: (من جنسه باسمه الخاص) واسمها الخاص هو العمرة، أو الحج الأصغر، ولا يجب بهذين الاسمين عند المخالف ابتداء.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وإن شئت قلت: العمرة عبادة يحرم فيها لبس المخيط والطيب، أو يحرم فيها قتل الصيد، فوجه ذلك [أن] يكون لها مدخل في الوجوب ابتداء، ويجب أن يكون الواجب من جنسها باسمها الخاص كالحج؛ لأن العمرة أحد نسكي القرآن، [فوجب أن] يكون له مدخل في الوجوب كالحج، ولأن العمرة أجريت مجرى الحج في الإحرام [والإحلال، ووجوب] المضي فيها بعد الإفساد، ولزوم الكفارة والقضاء بإفسادها، وتحريم ما يحرم فيه من الطيب، والمحيط، وقص الأظفار، وحلق الشعر، وقتل الصيد، [ونحو ذلك]، فوجب أن يكون حكمهما في الوجوب سواء.
فإن قيل: [الحجة الثانية موافقة للأولى في جميع هذه الأحكام، وتخالفها في الوجوب، كذلك العمرة.
قيل: الحجة الثانية] مكررة، والمبتدأ واجبة، كذلك العمرة يجب أن يكون مبتدؤها واجبًا، والمتكرر منها ليس بواجب.
[و] احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ
[ ١ / ٢٠٤ ]
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فلو كانت العمرة واجبة لأخبر بوجوبها، كالحج.
والجواب: أن اسم الحج واقع على الحج والعمرة، يدل عليه قوله تعالي: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]، فدل على أن العمرة هي الحج الأصغر.
وروي عن النبي ﷺ: أنه كتب إلى عمرو بن حزم: «والعمرة الحج الأصغر».
وعلى أن السنة قد دلت عليها.
واحتج بما روى أبو صالح الحنفي عن النبي ﷺ قال: «الحج جهاد، والعمرة تطوع».
والجواب: أن هـ قد قيل: إن أبا صالح الحنفي عن النبي ﷺ مرسل.
على أن قوله: «الحج جهاد» معناه: شاق، ولا تطاوع النفس على عمله لصعوبته ومشقته، كالجهاد.
«والعمرة تطوع» معناه: أنها خفيفة تطاوع النفس على عملها
[ ١ / ٢٠٥ ]
لخفتها؛ لأنها طواف وسعي.
ولأنه لم يرد بالخبر تشبيه الحج بالجهاد في الوجوب؛ لأن الحج من فرائض الأعيان، فلا يصح تشبيهه بالجهاد الذي هو من فرائض الكفايات، وإنما أراد: أن ثواب الحج كثواب الجهاد؛ لأن مشقته كبيرة، وثواب العمرة كثواب التطوع؛ لأنها أخف خالًا منه.
واحتج بما رواه حجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمر خير لك».
والجواب: أنه قد قيل: إن حجاجًا مدلس، وكان يعرف عند أصحاب الحديث بالكوفي المدلس.
وعلى أنه يحتمل أن يكون السائل سأله عن حكم نفسه، وكان قد اعتمر، فلم يوجبها عليه.
[من]: أنه أجابه بجواب يختصه، فقال: «وأن تعتمر خير لك».
وعلى أنا نقابل هذا بما روينا [من] قوله: «الحج والعمرة فريضتا ربك».
[…] أكثر ما أولى؛ لأنه يعضده قول ابن عمر، [وابن عباس].
[ ١ / ٢٠٦ ]
فروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر قال: ليس من أحد إلا وعليه حجة وعمرة.
وبإسناده عن ابن عباس قال: الحج والعمرة واجبتان.
واحتج بما روى أنس: أن رجلًا [جاء، فقال: يا] محمد! أتانا رسولك فزعم أن علينا خمس صلوات، وذكر الزكاة، وصوم [رمضان، وحج] البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك، [الله أمرك بهذا]؟ قال: «نعم» قال: فو الذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا، فقال النبي ﷺ: «والله، لئن صدق ليدخلن الجنة».
فوجه الدلالة: أن العمرة لو كان [كانت واجبة؛ لأنكر قوله]: لا أزيد شيئًا؛ لأنه نفي فرٍض آخر.
والجواب: أنه إنما لم يذكر العمرة باسمها الخاص؛ لأن اسم الحج يتناولها من الوجه الذي ذكرنا.
[ ١ / ٢٠٧ ]
واحتج بما روى سراقة بن مالك عن النبي ﷺ قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».
ومعناه -والله أعلم-: أن الحج ينوب عن العمرة؛ لأن الحج ينتظم أفعال العمرة، ويزيد عليها.
والجواب: أن هـ يحتمل: أن هـ يريد به جواز الجمع بينهما، فتكون العمرة داخلة في أفعال الحج، ويجزئه عمل الحج إذا قرن.
واحتج بأن العمرة نسك مقصود بعينه غير مؤقت، فأشبه طواف القدوم.
ولا يلزم عليه السعي؛ لأنه غير مقصود بعينه، وكذلك الإحرام.
والجواب: أن اللعمرة مؤقتة عندكم؛ لأنه لو أهل بها يوم النحر وأيام التشريق لم تجز، وكان عليه أن يرفضها.
وعلى أن الطواف المجرد دليل لنا؛ لأن الواحد من جنسه وصورته واجب، وهو طواف الزيارة في الحج، [فـ]
_________________
(١) وجب أن يكون الواحد من جنس العمرة باسمها وصورتها واجب. ولأن نفي التوقيت في اللعبادة لا ينفي الوجوب بدليل الجهاد، والزكاة، وقضاء الصلاة. واحتج بأن العمرة بعض أعمال الحج، فوجب أن لا تجب
[ ١ / ٢٠٨ ]
على الانفراد، كالطواف.
والجواب: أن صلاة الصبح والمغرب بعض الصلاة الرباعية، ومع هذا فهما واجبتان على الانفراد.
على أن الطواف المجرد لا يحتاج إلى إحرام وإحلال، ولا يحرم فيه الطيب والمخيط، وليس كذلك العمرة؛ لأنها تفتقر إلى إحرام وإحلال، ويحرم فيها الطيب ولبس المخيط، فيجب أن يكون لها مدخل في الوجوب ابتدًاء، كالحج.
واحتج بأنها عبادة غير مؤقتة من جنسها فرض مؤقت، فوجب أن تكون تطوعًا، كصلاة النافلة.
والجواب: أنا قد بينًا أن نفي التوقيت لا ينفي الوجوب.
ويبين صحة ذلك: أن الإحرام والسعي غير مؤقت، وهما واجبان، وكالطواف والرمي المؤقت.
وعلى أن هذا يبطل بالصلاة المنذورة، والصوم المنذور؛ فإنه غير مؤقت، ومن جنسه فرض مؤقت، ومع هذا فهو واجب.
وعلى أن الصلوات المفروضات لها فوائت من جنسها في وقتها، والحج ليس له قضاء فائت من جنسه في وقته، فلم يكن له تطوع في غير وقته.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أو نقول: [الصلاة لما كان من جنسها] فرض مكرر في غير وقتها، ولما لم يكن للحج فرض يتكرر في غير وقته، لم يكن له نفل.
واحتج بأنها لو كانت واجبة لاستوى فيها المكي وغيره، كالحج.
وقد قال أحمد في رواية الأثرم- وقد سئل عن عمرة أهل مكة- فقال: أهل مكة ليس عليهم عمرة، إنما قال الله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦].
فقال له الأثرم: إنما ذاك في الحج في المتعة، فأما العمرة التي تجب على الناس، كما يجب الحج، فكيف تسقط عنهم؟
فقال: كان ابن عباس يقول: العمرة واجبة، ويقول: يا أهل مكة! ليس عليكم عمرة، وإنما عمرتكم بطوافكم بالبيت.
قيل له: فإن إمامتهم بك تحرمهم من العمرة، فقال: نعم.
وكذلك نقل عبد الله، وبكر بن محمد، والميموني، وهذا يقتضي: أنه لم يوجبها عليهم.
والجواب: أنه قد أطلق القول بوجوب العمرة في المواضع التي حكيناها عنه.
[ ١ / ٢١٠ ]
وقال في رواية أبي طالب، وحرب، والفضل: العمرة واجبة فريضة.
فيدخل فيه أهل مكة وغيرهم، وهو المذهب، وهو قول شيخنا.
والموضع الذي نفى العمرة عنهم أراد به: نفي دم التمتع.
وعلى أنه لو سلم ذلك لم يمتنع أن يسقط عنهم، ويجب على غيرهم لوجوده.
أحدها: ما احتج به أحمد في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ولا معنى لقوله: إن الاستثناء رجع غلى إسقاط الدم؛ لأنه راجع إلى الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥] رجع الاستثناء إلى الجميع.
والثاني: ما احتج به -أيضًا- مما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن عطاء، عن ابن عباٍس قال: يا أهل مكة! ليس عليكم عمرة، فإن كنتم معتمرين لا محالة، فاجعلوا بينكم وبين مكة واديًا.
ولا يعرف له مخالف.
ولأنه لو كانت العمرة واجبة في حقهم، لكان مقيات الحج في حقهم ميقاتًا للعمرة، كأهل البلدان لما كانت مواقيت الحج في حقهم
[ ١ / ٢١١ ]
ميقاتًا لعمرتهم كانت واجبة عليهم، ولما كان ميقات الحج في حقهم الحرم، وميقات العمرة من الحل، دل على أنها غير واجبة.
فإن قيل: إنما اختلف ميقاتهما؛ ليحصل له الجمع بين الحل والحرم في العمرة، ولو أحرم بها من مكة لم يحصل له ذلك.
قيل: النبي ﷺ جعل [ميقاتهم] من مكة، فقال في حديث ابن عباس -وذكر المواقيت-: «حتى أهل مكة يهلون من مكة»، ولم يفرق بين الحج والعمرة.
ولأن دم التمتع لا يجب عليهم، ويجب على غيرهم.
فإن قيل: إن غيرهم أهل بالإحرام من المقيات.
قيل: المتمتع لا يجب عليه الإحرام بالحج من المقيات، وإنما يجب عليه أن لا يجاوز المقيات إلا محرمًا، وقد أحرم منه بالعمرة.
[ ١ / ٢١٢ ]
٤٣ - مسألة