نص عليه في رواية حنبل فقال: إذا قدم في أشهر الحج - وقد ساق
[ ١ / ٣١٠ ]
الهدي - فلا يحل حتى بنحر، وإذا قدم في العشر لم يحل؛ لأن رسول الله ﷺ قدم في العشر، ولم يحل.
وظاهر هذا: أنه لا يحل إلى يوم النحر سواء قدم مكة في العشر، أو قبله.
وروى أبو طالب عنه في الذي يعتمر قارنًا أو متمتعًا، ومعه الهدي: قصر من شعرك، ولا تمس شاربك، ولا أظفارك، ولا لحيتك، كما فعل النبيصلى الله عليه وسلم؛ فإن شاء لم يفعل، وإن شاء أخذ من شعر رأسه، وهو حرام.
وظاهر هذا: انه يحل من التقصير فقط، ولا يحل من جميع المحظورات، كما يحل الحاج إذا رمى من بعض المحظورات.
وروى يوسف بن موسى فيمن قدم متمتعًا، وساق الهدي: فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه هدي آخر، وإذا قدم في العشر أقام على إحرامه، ولم يحل، فقيل له: معاوية يقول: قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص، فقال: إنما حل بمقدار التقصير، ويرجع حرامًا مكانه.
[ ١ / ٣١١ ]
وظاهر هذا: أنه إن قدم مكة قبل العشر جاز له أن يتحلل، وينحر الهدي، وإن قدم في العشر لم يحل له التحلل قبل يوم النحر إلا بقدر تقصير الشعر.
وهذا يقتضي أن سوق الهدي لا يمنع التحلل عنده، وإنما استحب له المقام على إحرامه إذا دخل في العشر؛ لأنه لا يطول تلبسه بالإحرام، وإذا دخل قبل العشر طال تلبسه به؛ فلا يأمن مواقعة المحظور، فيتحلل.
وقال في رواية أبي طالب: إذا كان الهدي نمنعه من التحلل من جميع الأشياء في العشر وغيره.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك والشافعي: له أن يحل من العمرة بعد الفراغ منها؛ سواء ساق الهدي، أو لم يسق.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" بإسناده عن ابن عمر قال: تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﷺ قال للناس: "من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقتضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر، وليحل، ثم ليهل بالحج".
وروى - أيضًا بإسناده عن جابر: أن النبي ﷺ أمر أصحابه أن
[ ١ / ٣١٢ ]
يجعلوها عمرة، ويحلوا إلا من كان معه هدي، وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، ولولا أن معي الهدي لأحللت".
وروى - أيضًا - بإسناده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا أرى إلا أنه الحج، فأمر رسول الله ﷺ من كان معه هدي أن يمضي على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي أن يحل.
فإن قيل: لا دلالة في هذه الأخبار على مواضع الخلاف؛ لأن النبي ﷺ أمر من لم يكن ساق الهدي أن يفسخ الحج ويجلعها عمرة، ومنع من كان ساق الهدي من فسخه، وأمره بالبقاء على إحرامه إلى يوم النحر، وخلافنا في المتمتع إذا ساق الهدي، وفرغ من أعمال العمرة: هل له أن يحل، أم لا و] ليس [في هذه الأخبار بيان هذا الموضع.
قيل له: أما حديث ابن عمر فهو خاص في المتعة.
وعلى أن ورود الخبر فيمن كان مهلًا بالحج لا يوجب أن يكون حكمة مقصورًا عليه؛ لأن النبي ﷺ لم يعلق الحكم على الإحرام بالحج، وإنما علقه بسوق الهدي وعدمه، فوجب أن يعتبر هذا في كل محرم.
وأيضًا هدي المتعة نسك يجب فعله في الإحرام، فوجب أن يكون موقتًا كسائر أفعال المناسك، وإذا ثبت أنه موقت ثبت أنه وقته يوم النحر؛ لأن أحدًا لم يوقته بغيره، وإذا صح ذلك لم يجز ذبحه قبل وقته،
[ ١ / ٣١٣ ]
وإذا لم يجز ذبحه قبل يوم النحر، لم يجز التحلل من عمرته؛ لأن كل من أباح له الإحلال، أجاز ذبحه قبل يوم النحر.
ولأن التمتع أحد نوعي الجمع بي الإحرامين، فجاز أن يقف التحلل منه على يوم النحر، كالقران.
فإن قيل: ذكر الجواز في الأصل لا معنى له.
قيل له: بل له معنى؛ لأنه يجوز أن يتحلل قبل يوم النحر بالإحصار.
واحتج المخالف بأنه متمتع أكمل أعمال عمرته، فجاز له التحلل، كما لو لم يسق.
والجواب: أنا لا نسلم أنه أكمل أعمال عمرته؛ لأن الهدي من جملة أعمالها [، وكماله يحصل يوم النحر.
وعلى أن المعني في الأصل: أنه لم يسق الهدي، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ساق الهدي، ولسوق الهدي تأثير في منع التحلل.
الدليل عليه: من كان محرمًا في وقت النبي ﷺ] و[فسخ عليه، فإن سوق الهدي منعه من الفسخ.
وعلى أن هذا قياس يعارض السنة الصحيحة، فلا يلزم الكلام عليه.
[ ١ / ٣١٤ ]
واحتج بأن كل من جاز له أن يحل قبل يوم النحر بإنه لا يختلف أن يكون قد ساق الهدي، أو لم يسق، ومن لا يجوز له الإحلال إلى يوم النحر لا يختلف - أيضًا - كالقارن والمفرد إذا لم يحصر، كذلك هاهنا.
والجواب: أنا قد بينا: أن لسوق الهدي تأثيرًا في منع الفسخ بدليل من كان في وقت النبي ﷺ وفسخ عليه.
٥٧ - مسألة