نص عليه في رواية أبي طالب فقال: إذا كان الرجل والمرأة لا يقدران على الحج، وقد وجب عليهما الحج -حج عنهما وليهما.
وهو قول الشافعي.
وقال مالك وداود: لا يلزمه أن يحج غيره من ماله.
كذلك روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس فال: كان الفضل بن العباس ردف النبي "صل الله عليه وسلم" فجاءت امرأة من خثعم؛ لتستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل الرسول "صل الله عليه وسلم" يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت
[ ١ / ٥٩ ]
أبي شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم».
وروى أحمد بإسناده عن ابن الزبير قال: جاء رجل من خثعم إلى النبي "صل الله عليه وسلم" فقال: يا رسول الله! أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ فقال: «أنت أكبر ولده؟» فقال: نعم، قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته عنه، أكان ذلك يجزئ عنه؟) قال: نعم، قال: «فاحجج عنه».
وروى أبو داود بإسناده عن أبي رزين العقيلي: (أنه) قال لرسول الله "صل الله عليه وسلم": إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة، ولا الظعن، فقال: «احجج عن أبيك واعتمر».
فمن هذه الأخبار دليلان:
أحدهما: قول المرأة: فريضة الله على عباده أدركت أباها، ولم ينكر عليها ذلك.
[ ١ / ٦٠ ]
والثاني: أنه أمر بالقضاء، وشبهه بالدين، والأمر يدل على الوجوب، ولأن الحج من فرائض الإيمان، فجاز أن يجب على المغضوب، كالصوان والصيام.
وإن شئت قلت: عبادة تجب على إفسادها كفارة، فجاز أن تجب على المغضوب، كالصوم.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فأوجب الحج على من استطاع السبيل، والمعضوب لا يستطيع.
والجواب: أنه إنما اعتبر السبيل في وجوب الحج على الإنسان نفسه، وهاهنا لا يجب على المعضوب بنفسه، فلم تعتبر استطاعته.
وعلى أنا قد روينا: أن النبي (ﷺ) فسر السبيل بالزاد والراحلة، فاقتضى الظاهر: أن المعضوب إذا وجد الزاد والراحلة، لزمه الحج، فكانت الآية حجة لنا من هذا الوجه.
واحتج بأن كل عبادةٍ لم تدخلها النيابة مع القدرة، لم تدخلها مع العجز، كالصلاة، وعكسه الزكاة.
والجواب: أن الصلاة عبادة لا يدخل في جبرانها المال، فلم تدخل النيابة [مع القدرة]، والحج بخلافه.
أو نقول: الصلاة لما لم تدخل النيابة فيها بعد الوفاة، لم تدخلها
[ ١ / ٦١ ]
في حال الحياة، والحج لما دخلته النيابة بعد الوفاة، دخلته في حال الحياة.
[وهذا يقال في الصوم؛ فإنه] لا تدخله النيابة بالإطعام في حال القدرة، وتدخله مع العجز في حق الشيخ [الهرم].
١٦ - مسألة