نص عليه في رواية ابن منصور في رجل مكة بعمرة في أشهر الحج، وهو يريد الإقامة، ثم ينشئ الحج، أمتمتع هو؟ قال: نعم.
وقد نص على هذا في رواية] صالح، ذكره [في طاعة «طاعة الرسول»، فقال تعالى:﴾ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴿] البقرة: ١٩٦ [، فالظاهر: أن الهدي قد وجب على من تمتع من الناس كلهم، من كان من أهل مكة] حاضري المسجد الحرام، فقال: ما اختلف [الناس أنهم لم يروا على أهل مكة هديا في متعة.
وظاهر هذا: أنه حكم بصحة المتعة في حقه بظاهر الآية، وأسقط الدم عنه.
وكذلك نقل المروذي عنه فقال: ليس على أهل مكة هدي المتعة، ولا لمن كان دون ما تقصر فيه الصلاة.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وظاهر هذا: أنه حكم بجوازها في حقهم من غير دم.
وقد علق القول في موضع آخر من مسائل المروذي فقال: ليس لأهل مكة متعة.
ومعناه: ليس عليهم دم المتعة.
وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح له التمتع والقران، بل له ذلك، ومتى فعله لزمه دم جناية.
وفائدة الخلاف: أنا نحن لا نكره له ذلك، بل نستحب له ذلك، وعنده بكره، ويلزمه دم جناية؛ لأنه ملم بأهله، فيحصل الخلاف في نفي الكراهة، ونفي الدم الذي هو دم جناية.
دليلنا: أن كل نسك جاز لأهل الآفاق جاز لأهل مكة.
دليله: الإفراد.
وكل من جاز له أن يفرد جاز له أن يتمتع ويقرن.
دليله: غير أهل مكة.
ولأن ما لا يكره لغير أهل مكة لا يكره لأهل مكة.
أصله: سائر الطاعات من الصلاة، والصيام، والزكاة والحج المفرد، والاعتكاف، وسائر ما هو قربة وطاعة.
ولأن ما كان طاعة لأهل الآفاق ينالون به رضا الله -سبحانه- ويستحقون ثوابه، فهو لأهل مكة أولى؛ لأن سكان حرم الله وحاضري
[ ١ / ٢٥٧ ]
مسجده أولى بوفور القرب والطاعة من غيرهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى:﴾ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴿إلى قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴿] البقرة: ١٩٦ [
فإنما أباح التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿راجع إلى الهدي، فكانه قال: فمن تمتع فعليه الهدي إلا المكي؛ فإنه لا هدي عليه، ونحن نقول: لا دم عليه.
فإن قيل: لو كان كذلك لقال: ذلك على من لم يكن؛ لأن الهدي يكون عليه، لا له، ألا ترى أنه لا يصح أن يقال: لك صوم رمضان؛ بمعني: عليك.
قيل له: يجوز أن تقوم (اللام) مقام (على) قال تعالى:﴾ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿] غافر: ٥٢ [؛ معناه: عليهم.
وقال:﴾ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا ﴿] الإسراء: ٧ [يعني: فعليها.
فإن قيل: هذا مجاز.
قيل له: الأصل في كلامهم الحقيقة، ومدعي المجاز يحتاج إلى دليل.
[ ١ / ٢٥٨ ]
وجواب آخر عن أصل الدليل، وهو: أن قوله:﴾ فَمَن ﴿] البقرة: ١٩٦ [شرط، وقوله:﴾ فَمَا اسْتَيْسَر ﴿] البقرة: ١٩٦ [جزاء، و﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿] البقرة: ١٩٦ [استثناء،] والاستثناء يرجع [إلى الجزاء دون الشرط، كقول القائل: (من دخل الدار فأعطه إلا فلانًا) إن الاستثناء يرجع إلى الجزاء، وهو قوله: فأعطه، فيصير كأنه قال: إلا فلانًا، فلا تعطه، كذلك هاهنا يصير كأنه قال: فمن تمتع فعليه دم، إلا المكي؛ فإنه لا دم عليه.
ويبين صحة هذا، وأن قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿لا يرجع إلى قوله:﴾ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: ١٩٦ [:] أن [﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿] البقرة: ١٩٦ [لم يحسن] عقيبه [، وإذا ذكر عقيب الجزاء حسن، فدل على أنه راجع إليه.
فإن قيل: قوله:﴾ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ ﴿إشارة إلى من أتيح له التمتع، ونظير هذه الآية أن يقول قائل: من دخل الدار فعليه درهم، ثم يقول: ذلك لمن لم يكن من بلد كذا، فنفهم منه: أنه أراد بقوله: (ذلك لمن لم يكن) إشارة إلى من أبيح له دخول الدار.
قيل: لا فرق بينهما، وذلك أن قوله: (لمن لم يكن من بلد كذا) راجع إلى الجزاء، وهو استحقاق الدرهم، ولم يرجع إلى الشرط الذي
[ ١ / ٢٥٩ ]
هو جواز الدخول.
وجواب آخر، وهو: أن الآية اقتضت متمتعًا يجب عليه الهدي، فيجب أن يكون الاستثناء راجعًا إلى متمتع يجب عليه الهدي، والمكي ليس عليه دم، فلم يرجع إليه الاستثناء.
واحتج بأن المكي يحصل له إلمام بأهله بين العمرة والحج، ويباح له الإحلال بينهما، فوجب ألا يكون متمتعًا كالكوفي إذا أحرم بعمرة في غير أشهر الحج، وطاف لها في أشهر الحج، ورجع إلى الكوفة، ثم حج من عامة ذلك: أنه لا يكون متمتعًا.
وفيه احتراز عن التمتع إذا ساق الهدي، ورجع إلى أهله، وحج من عامة ذلك: أنه يكون متمتعًا؛ لأنه إذا كان مقيمًا على إرادته الحج في تلك السنة، فإن سوق الهدي يمنعه من الإحلال بينهما، فلا يثبت له حكم الإلمام.
والجواب: أنه ينتقض بالمتمتع إذا ساق الهدي، ورجع أهله، فإنه وجد منه الإلمام، ومع هذا فهو متمتع.
وقولهم: (إنه لا يثبت له حكم الإلمام) غير صحيح؛ لأن معنى الإلمام: هو النزول بأهله، والرجوع إلى منزله، لا غيره، وهذا موجود منه إذا رجع إلى أهله، ومعه هدي.
ويبين صحة هذا: أنهم لا يشترطون في الإلمام الاستمتاع بأهله،
[ ١ / ٢٦٠ ]
فلا معنى لقولهم: إنه إذا ساق الهدي، ليس هو على صفة تسبيح الاستمتاع.
ثم المعنى في الأصل: أن الإحرام بالعمرة حصل في غير أشهر الحج، فهذا يجب دم التمتع، وكذلك هاهنا؛ لأنه جمع بين إحرام الحج وإحرام العمرة في أشهر الحج، ولم يتخللها سفر تقصر فيه الصلاة، أشبه غير المكي.
واحتج بأنه لو صح التمتع للزمه هدي المتعة كالكوفي، فلما لم يلزمه دل على أنه لا يكون متمتعًا، كالكوفي إذا أحرم بعمرة في غير أشهر الحج.
والجواب: أنه إنما لم يلزم المكي الدم؛ لأن دم التمتع وجب بنص القرآن والإجماع والنص ورد والإجماع انعقد في غير المكي، فلهذا لم يلزمه دم.
ولأن دم التمتع يجب بشرائط منها الترفه بأحد السفرين؛ لأنه كان يلزمه أن ينشئ لكل واحد من الحج والعمرة سفرًا من بلده، وهذا المعنى معدوم في المكي؛ لأنه لم يحصل له الترفه، ولهذا نقول: لو سافر بين الحج والعمرة سفرًا تقصر فيه الصلاة لم يجب الدم.
[ ١ / ٢٦١ ]
٤٧ - مسألة