رواها ابن منصور عنه في المحصر: يحل من كل شيء، وينحر هديه، ويحلق، ويرجع، وليس عليه قضاء.
وهو قول الشافعي على القول الذي يقول: إن الحلاق نسك.
وفيه رواية أخرى: ليس عليه حلق، ولا يقصر.
وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني: إذا حصره العدو؛ فإن كان معه هدي نحره مكانه، وحل، وليس عليه أكثر من هذا.
وهو ظاهر كلام الخرقي- أيضًا- لأنه قال: نحر ما معه من الهدي، وحل.
وبه قال أبو حنيفة.
فعلى هذا يحل من إحرامه بأداء ما يحظره الإحرام من طيب، أو غيره.
وجه الرواية الأولى: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن ابن عمر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم حلق رأسه في عمرة الحديبية.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وقد كان النبي ﷺ محصرًا في غير الحرم.
وروي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قال لأصحابه بالحديبية: "قوموا فانحروا، ثم احلقوا ".
ذكره أبو عبد الله بن عرفة في كتاب "الإستثناء والشروط في القرآن "بإسناده عن المسور بن مخرمة.
فإن قيل: القوم كانوا محصرين في الحديبية، وبعض الحديبية حل وبعضها حرم، وروي: أن النبي صل الله عليه وسلم كان مضربه في الحل، ومصلاه في الحرم، فيحتمل أن الذين أمرهم النبي صل الله عليه وسلم بالحلق كانوا في الحرم، وعندنا أن المحصر إذا كان في الحرم يحلق.
قيل له: النبي صل الله عليه وسلم لم يكن متمكنًا من الحرم بحال بدلالة قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] وكل موضع ذكر المسجد فيه، فالمراد به الحرم، فأخبر أنه كان مصدودًا عنه.
ثم قال: ﴿والْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ومحله الحرم، ويأتي الكلام على هذا السؤال في ذبح هدي المحصر: هل يختص بالحرم، أو لا؟
ولأنه مأمور بالذبح لأجل الإحلال، فوجب أن يكون مأمورًا بالحلق بعده.
دليله: المتمتع والقارن.
[ ١ / ٤١٠ ]
ولأن هدي المحصر يقوم مقام العمرة التي تلزم بالفوات؛ لأنه يتحلل به من إحرامه، كما يتحلل من فاته الحج بعمل العمرة، ولا خلاف بأن من فاته الحج فإنه يقلق بعد عمل العمرة، كذلك المحصر يجب أن يحلق بعد ذبح الهدي عنه.
واحتج المخالف بأن الحلق خارج الحرم ليس بنسك بدليل أنه من توابع الإحرام، فأشبه الرمي.
ولا يلزم عليه الوقوف؛ لأنه ليس من توابعه، وإنما هو من أركانه وفروضه، ولأنه يقع بين التحلل فأشبه الطواف.
وإذا ثبت أنه ليس بنسك خارج الحرم لم يجب على المحصر، كسائر المباحات، ولهذا نقول: إذا كان الحصر في الحرم يجبه عليه الحلق.
والجواب: أن الحلق خارج الحرم عندنا نسك، وقد نص عليه أحمد في رواية أبي داود، ومهنا في من حلق خارج الحرم: ما أعلم عليه شيئًا، ولا بأس؛ حلق في الحرم، أو غير الحرم.
على أن قوله: (هو من [توابع الإحرام) لا] يمنع صحته خارج الحرم، كعقد الإحرام؛ فإنه ليس بمقصود عند أبي حنيفة، وإنما يدخل
[ ١ / ٤١١ ]
به إلى المقصود، ومع هذا فيصح في غير الحرم.
ولأنه إذا كان الوقوف - وهو معظم الحج - نسكًا في غير الحرم، فأولى أن يكون كونه نسكًا.
وأما الطواف والرمي [فلما اختص ببقعة] من الحرم لهذا اختص الحرم، والحلاق لا يختص ببقعة منه، ولا فيه منفعة المساكين، فلهذا لم يختص الحرم، كالإحرام والطواف.
وعلى أنه لا يجوز أن تكون العلة كونه من توابع الإحرام؛ لأن الطواف ليس من توابعه، ويختص الحرم.
٨٢ - مسألة