وقد قال أحمد في رواية أحمد بن نصر في المحرم يشم الطيب: عليه الكفارة.
وقال في رواية ابن إبراهيم: لا يلبس ثوبًا فيه طيب.
وقال في رواية ابن قاسم- وقد سئل عن المحرم يفترش الفراش والثوب المطيب- فقال: هو بمنزلة ما يلبس.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا فدية عليه، ويجوز عنده لبس الثوب المطيب والنوم عليه إذا كان جافًا لا ينتفض عليه، وإن كان على ظاهر الثوب طيب- وليس على ما يلي بدنه طيب- جاز لبسه.
دليلنا: ما تقدم من حديث ابن عمر: أنه سأل رسول الله صل الله عليه وسلم: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا ثوبًا مسه الورس ولا الزعفران ".
وفي لفظ آخر: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس والزعفران من الثياب.
وإذا ثبت تحريم لبس الثوب الذي مس الورس والزعفران، فالثوب المصبوغ بهما- أو بغيرهما من الطيب- أولى بالتحريم.
والقياس أنـ[ـه] يعد طيبًا في العادة، فوجب أن يكون محرمًا تتعلق به الفدية قياسًا على استعمال الغالية.
ولأن المقصد من الطيب رائحته لا لعينه، ألا ترى أنه إذا استعمل ماء الورد- وقد ذهبت رائحته- لم تلزمه الفدية؟ فإذا كان كذلك، وجب أن تجزئه الفدية في مسألتنا.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فإن قيل: يبطل بالجلوس في العطارين.
قيل له: ذلك لا يسمى متطيبًا في العادة.
واحتج المخالف بأنه غير مستعمل لجرم الطيب، وإنما تختلف الروائح فقط، والرائحة بانفرادها لا حكم لها؛ لأنه لو جلس في العطارين، أو في الكعبة وهي تجمر، فشم روائح الطيب لم يلزمه شيء.
والجواب: أن دخان العود والند جسم، والزعفران والعنبر والكافور جسم، فاستعماله استعمال لجسم الطيب.
وعلى أنا قد بينا: أن الاعتبار بالرائحة دون جسم الطيب بدليل ماء الورد إذا ذهب ريحه.
وأما إذا جلس في العطارين أو إلى الكعبة، واعتمد شم الروائح، فإن أحمد قد أطلق القول في رواية ابن القاسم، فقال في المحرم يشم الطيب: عليه كفارة.
وقال- أيضًا- في رواية ابن القاسم في الرجل يحمل معه الطيب، وهو محرم: كيف يجوز هذا؟ وعطاء يقول: إن تعتمد شمه فعليه الفدية.
قيل له: يحمله للتجارة؟ فقال: لا يصلح إلا أن يكون فيما [لا] ريح له.
وهذا يقتضي وجوب الكفارة.
وإن شيخنا يقول: لا فدية عليه في ذلك؛ لأنه لا يسمى متطيبًا في
[ ١ / ٣٩٤ ]
العادة، وليس كذلك إذا تبخر بالعادة؛ فإنه متطيب في العادة، فلهذا فرقنا بينهما.
٧٦ - مسألة