نص عليه في رواية حنبل في المتمتع إذا صام أيامًا، ثم أيسر: أرجو أن يجزئه الصيام، ويمضي فيه.
وكذلك نقل ابن منصور في متمتع لم يجد ما يذبح فصام، ثم وجد يوم النحر ما يذبح: فمتى دخل في الصوم فليس عليه.
ويقول في الكفارات كلها: إذا دخل في الصوم يمضي فيه، وكذلك إذا تيمم ثم دخل في الصلاة فليمض.
وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال أبي حنيفة: إن وجده في صوم السبعة أجزاه، ولم يلزمه الهدي، وإن وجده في صوم الثلاثة لم يجزه الصوم، ويلزمه الهدي، وكذلك إن وجده بعد الفراغ من صومه ثلاثة أيام، وقبل الإحلال، لم يجزه إلا الهدي، وإن حل ثم وجد الهدي أجزاه الصوم.
وفرق بين الثلاثة وبين السبعة بأن الثلاثة بدل عن الهدي، فبطل
[ ١ / ٣٠٢ ]
حكمها بوجود المبدل، والسبعة ليس ببدل عنه، وعلى قولنا الجميع بدل عن الهدي.
والكلام في هذه المسألة في فصلين:
أحدهما: في صوم السبعة؛ هل هو بدل، أم لا؟
والثاني: الإجزاء.
فالدلالة على أنها بدل عن الخدي قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:١٩٦ [، فمنها دليلان:
أحدهما: أنه شرط عدم الهدي في الثلاث، وعطف السبعة عليها، والمعطوف بمنزلة المعطوف عليه، وهما بمنزلة الجملة الواحدة الملفوط بها دفعة واحدة.
فإن قيل: قد يتشرط في صحة الشيء عدم غيره، ولا يكون بدلًا عنه، كما يشترط عدم الطول وخوف العنت في نكاح الأمة، وليس ببدل عنه.
قيل له: فيجب أن تقول في الثلاث مثل ذلك، وأن الشرط هاهنا لم يفد البدل.
على أنا نقول: إن نكاح الأمة بدل من نكاح الحرة.
والدلالة الثانية من الآية: أن الله - تعالى - جمع بينهما لإزالة
[ ١ / ٣٠٣ ]
الإشكال فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾] البقرة:١٩٦ [فدل هذا على أن السبعة تكمل ثواب الصوم؛ لأن البدل ينقص عن ثواب المبدل، وكمل الله - تعالى - الثواب بضم سبعة إلى الثلاث.
قالوا: وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية المروذي فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ كملت الهدي.
قيل: بل الجمع لإزالة الإشكال؛ لأن الواو قد تكون بمعنى (أو) نحو قوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ﴾] النساء:٣ [وتقديره: أو ثلاث، أو رباع، فأزال الإشكال وأخلصها للجمع.
ولو كان المراد تكميل الثواب لقال: تلك عشرة مكملة، فلما قال: ﴿كَامِلَةٌ﴾ دل على أن المراد به ما ذكرنا.
ولأن عدم الهدي في صوم السبعة، كما هو شرط في الثلاث، وكل صوم لزمه عند عدم الهدي، فوجب أن يكون بدلًا عنه، كصوم الثلاثة.
ولأنه صوم لزمه عند عدم حيوان، فوجب لا يكون بدلًا عنه، كالصوم في الكفارات المرتبة.
واحتج المخالف بأن صوم ثلاثة أيام جائز في الحج، وصوم سبعة لا يجوز إلا بعد الفراغ منه، فلو كان الجميع بدلًا عن الهدي لكان وجوبه
[ ١ / ٣٠٤ ]
على وجه واحد، كالصوم في كفارة الإفطار والظهار.
] والجواب: أنه [إنما جاز صوم الثلاثة في الحج؛ لأنه وقته، وذلك أن وقته في الحج، وصوم] السبعة لا يختص وقته في الحج، فيفرق لهذه العلة.
وغير ممتنع أن يكون بعض هذه البدل في وقت وبعضه في وقت آخر بخلاف سائر المبدلات، كما كان وقت المبدل - وهو الهدي - في وقت غير وقت البدل -] و[هو الصوم - بخلاف سائر المبدلات.
وعلى أن الصوم في كفارة الظهار والفطر حجة لنا؛ لأنه لما وجب عند عدم الرقبة كان جميعه بدلًا، ولم يكون بعضه بدلًا، وبعضه غير بدل، كذلك صوم العشرة لما وجب عند عدم الهدي يجب أن يكون جميعه بدلًا، ولا يكون بعضه بدلًا، وبعضه ليس ببدل.
ولأنا وجدنا الجمع والتفريق يجريان في العبادات مجرى واحدًا في باب الجواز بدليل قضاء رمضان؛ يجوز الجمع والتفريق فيه، فإذا كان في الأبدال ما يجب جميعه، وهو صوم الظهار والقتل، جاز أن يكون فيها ما يجب تفريقه؛ لأنهما يجريان مجرى واحدًا.
واحتج بأنه صوم يجوز فعله بعد التحلل، فهو كصوم فدية الأذى،
[ ١ / ٣٠٥ ]
ولأن وجود الهدي لا يمنع ابتداءه، فلم يكن بدلًا.
أصله: ما ذكرنا.
والجواب: أنه إنما جاز فعله بعد التحلل لدخول وقته؛ لأنه قبل التحلل لم يدخل وقته، وجاز فعله - أيضًا - مع وجود الهدي؛ لأنه بعض البدل وجد البدل في أثنائه.
وأما فدية الأذى، فلم يشترط في جوازها عند عدم الهدي، فلهذا لم تكون بدلًا عنه، وهذا بخلافه.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال؛ لأن المتمتع إذا كان معه هدي لا يجوز له أن يحل حتى يذبحه، ومتى حل قبله لزمه دم، وإذا لم يكن معه هدي لزمه أن يقيم الصوم مقامه، والصوم الذي يقوم مقامه في إباحة الإحلال صوم ثلاثة أيام، فعلمنا أنه هو البدل؛ إذ البدل هو ما يقوم مقام المبدل في حال العجز عنه، ولو كان صوم سبعة أيام بدلًا عنه لما جاز التحلل إلا بعد وجوده، كما لا يجوز إلا بعد وجود صوم ثلاثة أيام في حال عدم الهدي.
والجواب: أن صوم الثلاثة إنما جاز عند عدم الهدي؛ لأنه وقت له؛ لان وقته أن يصوم في الحج، لا لأجل التحلل، وصوم السبعة
[ ١ / ٣٠٦ ]
لا يختص وقته بالحج، فامتنع أن يكون صوم الثلاثة لأجل التحلل، وإنما كان لما ذكرنا.
- فصل:
والدلالة على أنه يجزئه الصيام، ولا يلزمه الخروج إلى الهدي: هو أنه وجد الهدي بعد دخوله في الصوم، فوجب ألا يلزمه الانتقال إليه قياسًا عليه إذا دخل في صوم السبعة أيام ثم وجده.
وقيل: صوم تلبس به لعدم الهدي، فلم يبطل بوجوده كالسبعة.
والعبارة الأولى أصح؛ لأن الحكم في الثانية ضد الوصف؛ لأن ما تلبس به للعدم يدل على تأثير الوجود فيه.
فإن قيل: المعنى في صوم السبعة: أنه ليس ببدل، وليس كذلك الثلاث؛ لأنها بدل.
قيل: قد بينا: أن الجميع بدل، فلا فرق بينهما.
واحتج المخالف عليه إذا وجده قبل الفراغ من الصوم: أنه يلزمه؛ لأنه بدل عن الهدي، فإذا قدر على المبدل قبل الفراغ من البدل لزمه أن ينتقل إليه، كالمعتدة بالشهور إذا حاضت، والمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة.
[ ١ / ٣٠٧ ]
ولا يلزم عليه إذا وجده قبل صوم السبعة؛ لأنه ليس ببدل عن الهدي.
والجواب: أنه قوله: وجده قبل الفراغ من الصوم، لا تأثير له عندك؛ لأنه لا فرق بين أن يجده قبل الفراغ من صوم الثلاثة، أو يجده بعد الفراغ منها، وقبل التحلل من إحرام الحج،] فـ[ـإنه ينتقل إلى الهدي، وإذا كان كذلك لم يكن لاعتبار وجود الهدي في البدل تأثير، ووجب إسقاط الوصف.
وعلى أن فرقًا بين وجود الماء في الصلاة، أو قبل الدخول فيها، وبين مسألتنا، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه يبطل ما مضى من الصلاة، ويمنع كونها قربة وطاعة، وقبل الصلاة - أيضًا - تبطل حكم التيمم من أصله، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن وجود الهدي لا يوجب بطلان الصوم من أصله، ولا يخرجه عن أن يكون قربة في نفسه، فدل على الفرق بين البدلين.
وأما العدة ففرق بينها وبين مسألتنا، وذلك أن الهدي يجوز تركه للمشقة، وهو إذا لم يجده في البلد، وإذا كان له مسكن يمكنه أن يشتري بثمنه هديًا إلا أنه يحتاج إليه، لم يلزمه، وأجزأه الصوم، وليس كذلك العدة بالأقراء؛ فإن المرأة إذا حاضت مرة، ثم ارتفع حيضها، لم يجز لها أن تعتد بالأشهر، بل تتربص حتى يعود الحيض، أو ييأس أضرابها.
واحتج بأن ما كان شرطًا في صحة اليوم الأول كان شرطًا في الثاني.
[ ١ / ٣٠٨ ]
دليله: النية وترك الأكل.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يكون شرطًا في الأول، ولا يكون شرطًا في الثاني، كما كان شرطًا عندك في الثلاث، ولم يكن شرطًا في السبع.
وعلى أنه متى كان الهدي موجودًا في اليوم الأول، فلم يوجد شرطه، وليس كذلك إذا شرع فيه، ثم وجده؛ لأنه وجد شرطه، فهو كما لو وجده في السبع.
وعلى أن ترك نية الإمساك في صوم السبعة يمنع الإجزاء، ووجود الهدي فيها لا يمنع.
واحتج بالقياس عليه إذا وجده بعد صيام الثلاثة - وقبل الإحلال - بأنه متمتع وجد الهدي قبل الإحلال من الإحرام، فوجب أن ينتقل إليه.
دليله: إذا لم يصم ثلاثة أيام.
والجواب: أن المعنى ف الأصل: أنه وجده قبل الشروع في الصوم، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه وجد] هـ[بعد الشروع فيه، فأشبه إذا وجده بعد الشروع في السبعة.
واحتج بأن الهدي مشروط لإباحة الإحلال عندنا وعندكم، والصوم بدل عنه وقائم مقامه، فإذا وجد قبل حصول الإحلال بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل، كما تقول: إن الطهارة بالماء تراد لأداء الصلاة، والتيمم بدل عنها، ثم لو وجد الماء قبل الإحلال من الصلاة
[ ١ / ٣٠٩ ]
بطل حكم البدل، ووجب الانتقال إلى المبدل.
والجواب: أن لنا في رؤية الماء في الصلاة روايتان:
إحداهما: لا تبطل.
فعلى هذا: لا نسلم.
والثانية: تبطل.
فعلى هذا] نقول [: فرق بينهما، وذلك أن ظهور المبدل هناك يبطل حكم البدل من أصله، وليس كذلك هاهنا؛ لأن ظهور المبدل هاهنا لا يبطل حكم البدل من أصله؛ لأنه صوم صحيح يثاب عليه.
وعلى أنا قد بينا أنه ليس بمشروط لإباحة الإحلال، وإنما تأخر فعله لدخول وقته.
٥٦ - مسألة