نص على هذا في رواية أبي داود والأثرم:
فقال في رواية أبي داود- وقد سئل عن التلبية، فذكرها، فقلت له: تكره أن يزيد على هذا؟ -قال: وما بأس أن يزيد؟
وقال الأثرم: فقلت له: هذه الزيادة التي يزيدها الناس في التلبية؟
فقال شيئًا معناه الرخصة.
وقال في رواية المروذي: كان في حديث ابن عمر: «والملك لا شريك لك» فتركه؛ لأن الناس تركوه، وليس في حديث عائشة.
وقال في رواية حرب في الرجل يزيد في التلبية كلامًا، أو دعًاء:
أرجو ألا يكون به بأس.
[ ١ / ١٨٣ ]
وظاهر هذا: أن الزيادة مباحة.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن زاد فحسن.
وظاهر هذا: أنها مستحبة، فالخلاف في الاستحباب.
دليلنا: أن ابن عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وابن عباس وأنس رووا تلبية النبي ﷺ المشهورة، وقال: «خذوا عني مناسككم».
فروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن جابر قال: كانت تلبية رسول الله ﷺ: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك [لك لبيك]، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك».
وروى بإسناده عن ابن عمر: ان تلبية النبي ﷺ: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك».
وروى أحمد في «المسند» عن عائشة مثل ذلك.
والمشهور من حديث عائشة أنه ثلاثة ألفاظ: «لبيك اللهم لبيك،
[ ١ / ١٨٤ ]
لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك».
وروى حنبل بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأنس مثل حديث ابن عمر.
وهو إخبار عن دوام الفعل، فكان هو المستحب.
فإن قيل: هذا يدل على وجوب أحد المذكورين، ولا ينفي غيره.
قيل له: يدل على استحباب أحمدهما؛ لأنه دام عليه.
ولأن هذا الذكر شعار هذه العبادة، كالأذان وتكبيرة الإحرام، ثم الأذان والتكبير لا تستحب الزيادة عليه، كذلك هذا.
فإن قيل: الأذان والتكبير لا يسن تكراره بعد تمامه، فلم تجز الزيادة عليه، ولا النقصان منه، ولما شرع تكرار التلبية بعد تمامها، جاز الزيادة عليها.
قيل له: إنما لم يسن تكراره بعد تمامه؛ لأن القصد منه الإعلان واجتماع الناس، وهذا لمعني قد حصل، وأما التلبية فإنما يسن تكرارها لأجل تلبسه بالعباد، وذلك المعنى موجود ما لم يتحلل.
واحتج المخالف بما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: «لبيك إله الحق».
[ ١ / ١٨٥ ]
والجواب: أنه يحتمل أن يكون قال ذلك على طريق الجواز، أو لأنه لم يتكرر منه.
واحتج بما روي عن ابن عمر: أنه زاد: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل.
ذكره الأثرم، وذكر -أيضًا- عن عمر: أنه زاد فيها: لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك، مرهوبًا ومرغوبًا إليك.
والجواب: أن هذا محمول على الجواز.
مع أنه قد روي: أن سعد بن أبي وقاص سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله ﷺ.
فإن قيل: يحتمل أن يكون اقتصر على ذلك، [وعندنا يكرع ترك التلبية المشهورة].
قيل له: قوله: (سمعه وهو يلبي) يقتضي التلبية الشرعية، إلا أنه
[ ١ / ١٨٦ ]
زاد فيها، فأنكر عليه ذلك.
واحتج بأن التلبية مستحب فيها نفي الشرك، فيستحب نفي الشبيه والثناء، كالخطبة.
والجواب: أن الخطبة ليس فيها ألفاظ مشهورة مسنونة، فهي كالأذان والتكبير.
واحتج بأنه زاد على التلبية المشهورة، فصار كما لو قال: (لبيك إن العيش عيش الآخرة).
والجواب: أن الخلاف في ذلك كالخلاف في غيره.
واحتج بأنه ذكر يقصد به تحميد الله، والثناء عليه، فلا تكره الزيادة عليه بعد استيفائه، كالتشهد.
والجواب: أنا لا نكره الزيادة على ذلك إذا أوردها على وجه الذكر لله- تعالى- والتعظيم له، لا على أنها متصلة بالتلبية، وكذلك الزيادة على التشهد، ما يذكره من الدعاء بعده، ليس بزيادة فيه.
واحتج بأنه ذكر شرع تكراره بعد تمامه، فإذا ابيح بعده الذكر المباح، فإن الذكر من جنسه أولى، كالأدعية.
والجواب: أنا قد أجبنا عن هذا، وبينا الفرق بين التكرار وبين الزيادة.
[ ١ / ١٨٧ ]
٣٨ - مسألة