نقلها أحمد بن أبي عبده، والفضل بن زياد، وحرب.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وروى عبد الله عنه جواز ذلك.
وهو قول مالك والشافعي.
وجه الأولى: أنه عقد يتوصل به إلى استباحة بضع مقصود في عينه، فمنع] منه [الإحرام.
دليله: عقد النكاح.
ولا يلزم عليه شراء الأمة؛ لأنه ليس القصد منه استباحة البضع، وإنما القصد الملك.
ولا يلزم عليه المظاهر إذا كفر في حال الإحرام؛] فإنه [يصح، وإن كان يتوصل به على الإباحة؛ لأنه ليس القصد منها الاستباحة، وإنما القصد إسقاط ما وجب في ذمته؛ لأن عندهم لو قال: أنت علي كظهر أمي، ثم طلقها ثلاثًا، وجبت الكفارة في ذمته.
وعلي أنا قلنا: عقد، والتكفير ليس بعقد.
فإن قيل: كيف يجوز أن تقولوا: إن الرجعة سبب يتوصل به] إلى [استباحة البضع، وعندكم أنها مباحة؛ لأن الطلاق الرجعي لا يوجب التحريم؟!
قيل: في ذلك روايتان:
نقل أبو داود عنه أنه قال: أكره أن يرى شعرها.
وظاهر هذا يقتضي أنها محرمة عنده، فعلى هذا: لا يصح السؤال.
[ ١ / ٤٨٤ ]
ونقل أبو طالب عنه: لا تحجب عنه.
وقال في رواية أبي الحارث: تتشوف له ما كانت في العدة.
وظاهر هذا: أنها مباحة، فعلى هذا: الرجعة تتعلق بها استباحة الوطء؛ لأنه لو تركها حتى مضت المدة حرم وطؤها، فإذا راجعها استباح بالرجعة الوطء بعد مضي مدة العقد.
فإن قيل: الرجعة لا توجب ابتداء تملك البضع، وإنما توجب بقاء البضع في ملكه بدلالة: أن العبد لا يحتاج إلى إذن المولى في الرجعة، ويحتاج إلى إذنه في ابتداء العقد، والإحرام لا يمنع بقاء الملك، وإنما يمنع ابتداء الملك، فلهذا صحت الرجعة، ولم يصح ابتداء العقد.
قيل: الرجعة توجب استباحة مبتدأة، ولهذا قال مخالفنا: إذا وطئها الزوج في مدة العدة قبل الرجعة كان عليه مهرها.
فلو كان الملك باقيًا لم يلزمه المهر، كما لا يلزمه بعد الرجعة.
فإن قيل: فالدلالة على بقاء الملك: أن خصائص الملك باقية بدلالة وقوع الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والإرث.
قيل: والدلالة على أنها في حكم الملك المبتدأ ثبوت المهر عندك بوجود الوطء، والمهر لا يجب إلا في حق أجنبية.
وعلى أن بقاء الملك لا يدل على جواز الرجعة لوجود المانع من النكاح.
ألا ترى أن الردة لا تمنع بقاء الملك على البضع مادامت العدة
[ ١ / ٤٨٥ ]
باقية، ومع هذا تمنع من الرجعة؛ لأنها تمنع من النكاح، كذلك ههنا؛ لما كان الإحرام يمنع النكاح منع من الرجعة.
وعلى أن الطلاق لا يختص الملك عندنا، ولهذا يقع في النكاح الفاسد، وكذلك اللعان يقع بالوطء في النكاح الفاسد، وكذلك الظهار ينعقد قبل النكاح.
فإن قيل: المعنى في النكاح: أنه يفتقر إلى الولي والشهود، والرجعة لا تفتقر إلى ذلك.
قيل: عقد الشراء على الصيد لا يفتقر إلى ذلك، ومع هذا لا يصح.
على أن الشهود إنما اعتبروا في عقد النكاح احتياطًا للنسب خوف التجاحد، وهذا المعنى معدوم في الرجعة؛ لأن السبب ثابت بالعقد السابق، والولي شرط خوفًا] أن [تضيع نفسها في غير كفء، وقد أمن ذلك في الرجعة.
فأما نفس الرجعة، فإن معناها ومعنى النكاح سواء، وهو أنها تدعو إلى الجماع، أو أنها استباحة مقصودة.
فإن قيل: الرجعة تزيل التحريم العارض في عقد النكاح، ويستباح الوطء بعقد النكاح، فهي بمنزلة أن يكفر المظاهر، فيحل له الوطء، ويكون الوطء مستباحًا بعقد النكاح، والتكفير مزيل للتحريم العارض في النكاح.
قيل: الرجعة استباحة مبتدأة من الوجه الذي بينا، وأما التكفير
[ ١ / ٤٨٦ ]
فإنما جاز في حال الإحرام لوجهين:
أحدهما: ليس القصد بها استباحة الوطء.
الدلالة على ذلك: أنه لو وطئ، ثم طلق، أو ماتت الزوجة، لزمه إخراج الكفارة، وإن كان الاستمتاع معدومًا في المستقبل، والنكاح القصد منه الاستمتاع، وذلك معدوم حال الإحرام.
والثاني: أنه لا يمنع أن تجوز الكفارة في حالة لا تجوز فيها الرجعة، كما أن الكفارة قد تجوز عندهم في حالة لا يجوز عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع زوجات قد ظاهر من إحداهن، وأراد أن يكفر عن ظهاره جاز، ولو أراد أن يعقد عليها عقد النكاح لم يجز، وكذلك لو كانت معتدة، وهي تحته _بأن تكون وطئت بشبهة_ صح أن يكفر عن ظهاره، ولا يصح أن يعقد النكاح في مثل تلك الحالة، وكذلك في حالة الإحرام.
وطريقة أخرى، وهو: أنه لما منع من ابتداء عقد النكاح، منع استصلاحه، ألا ترى أن الصيد لما منع ابتداء تملكه، منع استصلاحه، وهو إذا باع المحل بشرط الخيار، ثم أحرم، فاختار الفسخ، لم يصح، كما لم يصح ابتداء تملكه.
فإن قيل: الفسخ هناك ابتداء تملك؛ لأن ملكه زال بالبيع،
[ ١ / ٤٨٧ ]
والملك هاهنا لم يزل.
قيل: قد ثبت أنه في حكم ما قد زال ملكه بدليل وجوب المهر.
وطريقة أخرى، وهو: أن كل من لم يصح منه عقد النكاح، لم تصح منه الرجعة، كالصبي، والمجنون.
ولا يلزم عليه العبد؛ أنه لا يملك العقد بنفسه، ويملك الرجعة؛ لأن العبد في الجملة يصح منه عقد النكاح، لكن بإذن سيده، والمحرم لا يصح منه العقد بحال.
وإنما فرقنا بين العقد والرجعة في حق العبد، وسوينا بينهما في حق المحرم؛ لأن المانع من النكاح عدم الإذن، وذلك معدوم في الرجعة؛ لأن إذنه في النكاح يقتضي استدامته، والملك باق في حق الرجعية، والمانع من النكاح هو الإحرام، وذلك موجود في الرجعة، فهو كالردة يمنع العقد والرجعة.
وطريقة أخرى، وهو: أن الرجعة من دواعي الجماع، أشبه لطيب.
فإن قيل: هي مباحة عندكم، فكيف يكون من دواعي الجماع؟
قيل: قد بينا: أنها تؤثر في الاستباحة، وهو تحصيلها فيما بعد العدة.
وطريقة أخرى، وهو: أن المقصود بالرجعة الاستمتاع، كما أن المقصود بشراء الصيد ملكه، فلما لم يصح تملكه، لم يصح شراؤه، كذلك الرجعة.
وطريقة أخرى، وهو: أن المعتدة في حال الإحرام محرمة الوطء
[ ١ / ٤٨٨ ]
بدواعيه، فلم يصبح رجعية منها.
دليله: المعتدة في حال الردة، والمعتدة عن طلاق رجعي إذا وطئت بشبهة، ووجب عليها عدة الوطء؛ فإنه لا يصح الرجعة عليهما جميعًا، وكذلك هاهنا.
ولا تلزم عليه المطلقة في الصيام والحيض، ولأن هناك لا تحرم دواعي الوطء من الطيب والقبلة، وكذلك الاعتكاف.
وإن شئت قلت: تحريم يمنع عقد النكاح فمنع الرجعة.
دليله: ما ذكرنا.
وهذه العبارة أجود.
فإن قيل: المعتدة من غيره، هل تصح رجعتها؟ على وجهين.
والمرتدة لا تصح رجعتها وجهًا واحدًا.
قيل: المشهور عندك في المعتدة: أنها كالمرتدة؛ لا تصح رجعتها.
فإن قيل: تحريم الزنا آكد؛ لأنه يؤول إلى زوال النكاح، والإحرام لا يوجب زواله.
قيل: فالمعتدة من غيره لا توجب زوال النكاح، ولا تصح رجعتها.
وعلى أنه إن لم يوجب زوال النكاح، فقد منع من ابتداء النكاح،
[ ١ / ٤٨٩ ]
كما منعت العدة والردة.
على أن على الأصل تبطل بمن علق طلاقها بمجيء الشهر، ثم طلقها؛ فإنه تصح رجعتها، وإن كانت جارية إلى فرقة.
فإن قيل: إذا كانت في عدة غيره إنما لم تصح الرجعة؛ لأنه قد يظهر بها حمل، فتكون معتدة من غيره، وتتأخر عدتها منه، فلهذا لم تصح الرجعة.
قيل: فلو لم يظهر بها، فإنها تكمل عدتها أولًا، ثم من الزوج، ثم من الواطئ، ومع هذا فلا تصح الرجعة وهي في بقية عدتها منه.
واحتج المخالف بأنه عقد لا يفتقر إلى الولي، ولا إلى الشهود، أشبه الشراء.
والجواب: أنه يبطل بشراء الصيد.
وعلى أنا قد بينا العلة في إسقاط الولي والشهود وثبوتها في الرجعة، والمعنى في الشراء: أنه نوع لا يقصد به استباحة البضع، وهذا بخلافه.
واحتج بأنها زوجة بدليل أن أحكام الزوجات باقية في حقها من الطلاق والظهار والإيلاء والتوارث.
والجواب: أن من أحكام الزوجات سقوط المهر بوطئها، وجواز المسافرة بها، وإباحتها، واعتبار مدة الإيلاء والعنة في حقها، وهذا معدوم هاهنا.
[ ١ / ٤٩٠ ]
٩٨ - مسألة