وإنما تصح النيابة في الحج بنفقة يأخذها من غيره، فإن فضل منها شيء رده.
وقد نص على ذلك في الأذان، وذكرناه في كتاب الصلاة، وكذلك الإمامة، ونص على تعليم القرآن، ويأتي ذكره في كتاب
[ ١ / ٩٣ ]
الإجارات، إن شاء الله.
ونص في الحج- أيضًا- في رواية أبي طالب، وقد سئل عن الأجراء الذين يحجون عن الناس، فقال: ما سمعنا أحدًا استأجر من يحج عن الميت.
وقال في رواية ابن منصور- وذكر له قول سفيان: أكره أن يستأجر الرجل عن والديه يحج عنهما- فقال أحمد: نحن نكره هذا، إلا أن يعينه في الحج.
وبهذا قال أبو حنيفة.
وذكر أبو إسحاق في «تعاليقه» كلامًا يدل على جواز أخذ الأجرة، فقال: لا يجوز أن يؤخذ على الخير أجر.
ثم قال: فإن قيل: على هذا فالحج عن الغير يجوز أن يؤخذ عليه الأجر.
فالجواب: أن أفعال الخير على ضربين:
ما كان فرضًا على العامة وغيرهم، مثل الأذان، والصلاة، وما أشبه ذلك، لا يجوز أن يجوز أن يؤخذ عليه أجر.
[ ١ / ٩٤ ]
وما انفرد به من يحج عنه، فهو جائز، مثل فعل البناء لبني المسجد، يجوز أن يأخذ عليه الأجرة؛ لأنه ليس بواجب على الذي يبني بناء المسجد.
وقد أومأ إليه أحمد في رواية عبد لله، وقد سأله فيمن يكري نفسه للحج، ويحج: لا بأس.
ونقل الكوسج عنه: يكري نفسه ويحج، ذكر ذلك أبو حفص البرمكي في «مجموعة».
وبهذا قال مالك والشافعي.
وجه الأولى: قوله تعالى:﴾ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴿[الشورى:٢٠] الآية.
والآخذ إنما يريد حرث الدنيا، فيبطل ذلك القربة.
ولأنه أخذ العوض، فتبطل القربة المقصودة بالعمل، بدلالة العتق على مال لا يجوز عن الكفارة.
ولأنها عبادة على البدن، فلا يجوز الاستئجار على فعلها.
دليله: الصلاة والصيام، وعكسه: الزكاة.
فإن قيل: المعني في الأصل: أنه لا تصح النيابة فيه، وليس كذلك الحج؛ لأنه تصح النيابة فيه.
قيل: إذا جاز أن ينوي في الحج، جاز الاستئجار عليه؛ لأن الإمام يستنيب القاضي في الأحكام، ولا يجوز أن يستأجره، والأعمال المجهولة
[ ١ / ٩٥ ]
تصحُّ النيابة فيها، ولا يصح الاستئجار، ويستخلف الإمام في الصلاة إذا أحدث، ولا يجوز أن يستأجر على ذلك.
ولأن من شرط الحج أن يكون قربة لفاعله، فلا يجو الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
وعكسه: تفرقة الزكاة، وليس من شرطه أن يكون قربة لفاعله؛ لأنه لو استناب كافرًا يفرق زكاة ماله على الفقراء، أجزأ عنه على اختلاف في المذهب، كما إذا ستناب الذمي في ذبح أضحيته، صح على اختلاف الروايتين.
فإن قيل: إنما لم يصح من الكافر؛ لأن من شرط صحة الحج أن يقع على وجه القربة، ولا تحصل القربة بفعل الكافر، وليس كذلك المسلم؛ فإنه من أهل القربة، فالقربة تقع بفعله.
قيل له: إذا أخذ الأجرة خرج عن أن يكون فربة، كالعتق بعوض يخرج عن أن يكون قربة.
فإن قيل: أخذ العوض] لا يخرجه عن [أن يكون قربة، كما لم يسلبه أخذ الرزق عن أن يكون قربة، وكما لم تخرج الزكاة عن أن تكون قربة بالاستئجار على فعلها، وذبح الهدي.
[ ١ / ٩٦ ]
قيل له:] أخذ الرزق لا يصح [في الحج، وإنما صح في الأذان والقرآن؛ لأن ذلك الرزق ليس في مقابلة العلم، وإنما يأخذه؛ لأنه له حق في بيت المال، ولهذا المعنى يستحقه الغني والفقير.
[ويبين صحة] هذا، وأنه ليس بمعاوضة: أنه لا يختص بزمان معلوم، ولا بمقدار من الأجرة معلوم، ولو كان عوضًا اختصه.
وأما أخذ الأجرة على تفرقة الزكاة وذبح الأضحية فلما بينا، وهو أنه لا تختص أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يصح أن يفعلها الكافر.
واحتج المخالف بأنه عمل تدخله النيابة، فجاز عقد الإجارة عليه.
أصله: بناء المساجد، وعقد القناطر، والرباطات، وغير ذلك من الأعمال.
والجواب: أن الأعمال المجهولة تدخلها النيابة، ولا يصح عقد الإجارة عليها.
ثم المعنى في تلك الأشياء: أنه ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، ولهذا يجوز أن يتولاها الكافر، وفي مسألتنا من شرط الحج أن يكن قربة لفاعله، فلم يجز الاستئجار عليه.
دليله: ما ذكرنا.
[ ١ / ٩٧ ]
واحتج بأن ما جاز أن يفعله الغير تطوعًا، جاز أن يفعله بعقد إجارة.
دليله: تفرقة الزكاة، والأضحية.
والجواب: أن عسيب الفحل يجوز أن يفعله الغير عن الغير تطوعًا، ولا يفعله بعقد إجارة، وكذلك الإمامة الكبرى.
ثم المعني في الأصل- وهو الزكاة والأضحية- ما ذكرنا، وهو أنها ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها، وهذا بخلافه.
٢٥ - مسألة