نص عليه في رواية يوسف بن موسى، فقال: إذا قدم متمتعًا، وساق الهدي فإن قدم في شوال نحر الهدي وحل، وعليه آخر، [و] إذا قدم [في] العشر أقام على إحرامه، ولم يحل حتى يوم النحر.
فقد نص على أنه إذا نحر قبل العشر كان عليه هدي آخر؛ يعني: في يوم النحر، ولم يعتد بما ذبح قبله.
وقال - أيضًا - في رواية ابن منصور: وأما هدي المتعة فإنه يذبح يوم النحر.
ويحمل قوله: (نحر وحل) على طريق التطوع، وقوله: (وعليه
[ ١ / ٢٧٣ ]
هدي آخر) المراد به: دم التمتع الواجب.
وبهذا فال أبو حنيفة ومالك.
[و] قال الشافعي: للمتمتع أن يذبح هديه بعد الإحرام بالحج، وليس له أن يذبح قبل الفراغ من العمرة.
وهل يجوز بعد الفراغ من العمرة وقبل الإحرام بالحج؟ قولان: أحدهما: يجوز، وهو الصحيح.
والثاني: لا يجوز.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] غاية الإباحة الحلق، فلو جاز أن يذبح قبل يوم النحر، لجاز له أن يحلق؛ لوجود الغاية، فلما لم يجز تقديم الحلق، لم يجز تقديم الذبح.
فإن قيل: هذه الآية وارده في هدي الإحصار، ونحن نقول: إن المحصر لا يحلق حتى يذبح الهدي، وخلافنا في هذه [المتعة.
فيقال له: ورودها في هدي الإحصار لا يمنع اعتبار عمومها؛ لأنه لا تراعى الأسباب.
وأيضًا قول النبي ﷺ: «إني لبدت رأسي، وسقت الهدي، فلا أحل إلى يوم النحر».
[ ١ / ٢٧٤ ]
وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة».
ولو كان يجوز ذبح الهدي قبل يوم النحر لذكره، وصار كمن لا هدي معه.
فإن قيل: النبي ﷺ كان مفردًا، فالهدي تطوع، فلا يجوز ذبحه قبل يوم النحر.
قبل: هدي التطوع لا تأثير له في المنع من التحلل اتفاقًا]، فعلم أنه كان واجبًا.
وعلى أنا قد بينا: أنه كان متمتعًا.
والقياس: كل وقت لا يصح فيه طواف الزيارة لا يصح فيه ذبح هدي المتعة.
دليله: قبل الإحلال من العمرة.
فان قيل: المعنى في الأصل: أنه قد بقي لوجوبه أكثر من سبب واحد، وهو التحلل من العمرة وإحرام الحج، وبعد الفراغ بقي سبب واحد، وهو الإحرام، فجاز تقديمه عليه، كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، وكفارة القتل على الموت.
[ ١ / ٢٧٥ ]
قيل له: لا نسلم أن التحلل من العمرة سبب؛ لأنه لو لم يتحلل من العمرة حتى أحرم بالحج وجب الهدي، ففي الموضعين لم يبق إلا سبب واحد.
نص عليه في رواية الميموني في المتمتع إذا لم يقمر ولم يحلق حتى أهل بالحج: ما أرى عليه شيئًا، إذا [بلغ] المتمتع المحرم حل من كل شيء إلا النسا، والطيب قبل أن يقصر.
ولأن الزكاة صدقة، والكفارة عتق وصوم، وجميع ذلك يجوز في جميع الأوقات، فإذا وجد سببه جاز تقديمه، وأما الهدي فهو إراقة دم، وذلك في موضعه يختص بأوقات لا يجوز تقديمه عليها كالأضحية والتطوع.
وعلة الفرع تبطل بمن قال: لثن شفى الله مريضي فلله علي أن أضحي، فوجد الشرط، فقد بقي للوجوب سبب واحد، ولا يجوز الذبح.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لم يجب، وليس كذلك إذا أحرم بالحج؛ لأنه قد وجب.
قيل له: علة الأصل تبطل بالزكاة والكفارات، وعلة الفرع لا نسلمها؛ لأن أحمد قد قال في رواية المروذي وابن إبراهيم - وقد سئل عن المتمتع: متى يجب عليه الدم؟ قال: إذا وقف بعرفة، والقارن مثله.
وروي عنه- أيضًا -[أنه سئل]: متمتع مات قبل أن يذبح؟ قال: إذا
[ ١ / ٢٧٦ ]
وقف بعرفة فقد وجب عليه الهدي.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وإذا أحرم بالحج فقد تمتع بالعمرة إلى الحج؛ لأن (إلى) للغاية، فإذا وجد أول الحج فقد حصلت الغايتة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا وجد أول الليل فقد حصلت الغاية.
والجواب: أن الحج عبارة عن الأفعال، فقد جعل الغاية وجود أفعال الحج، وذلك يكون قبل الوقوف والرمي؛ لأن الإحرام ليس من أفعال الحج المختصة به، فوجب حمله على الأفعال المختصة، وإذا وجب حمله على ذلك احتمل أن يكون [معنى] قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾: فليذبح ما استيسر، واحتمل: فعليه ما استيسر؛ يعني: وجب عليه ما استيسر، ونحن نقول: قد وجب بوجود هذه الأفعال المختصة، وإذا احتمل الوجوب وقف على أوقات مخصوصة، مثل الوقوف والطواف والرمي.
واحتج بما روى ابن عمر ﷺ قال: تمتع على عهد رسول الله ﷺ فقال: «من كان معه هدي فإذا أهل بالحج فليهد، ومن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله».
والجواب: أنه إن صح هذا فيحتمل أن يكون معنى قوله: «فليهد»
[ ١ / ٢٧٧ ]
فليعين الهدي؛ ليذبحه يوم النحر، فهم يحملون قوله: «فليهد» على الدبح، ونحن نحمله على السوق والحمل.
واحتج بأنه هدي ينوب عنه الصيام، أو يتعلق بالإحرام، فجاز ذبحه قبل يوم النحر قياسًا على جزاء الصيد، ودم الحلق بالإحرام، والطيب، واللباس، والدم الواجب لترك الميقات.
والجواب: أن المعنى في الأصل: أنه دم جبران، فلهذا لم يختص بوقت، وليس كذلك دم التمتع؛ لأته دم نسك، وقد دللنا على ذلك بما تقدم، فأشبه من هذا دم الهدايا والضحايا.
واحتج بأن كل وقت صلح لجنس المبدل والبدل، وصح فيه البدل، صح فيه المبدل.
أصله: التيمم مع الوضوء، وذلك أن كل وقت صح فيه التيمم إذا لم يجد الماء، صح فيه الوضوء إذا كان واجدًا للماء.
ولا يدخل عليه الإطعام في كفارة الظهار؛ فإنه يجوز بالليل، ولا يجوز مبدله، وهو الصوم؛ لأن الليل لا يقبل الصوم، ولا يصلح لجنسه، وليس كذلك ما قبل يوم النحر؛ لأنه يقبل الهدي ويصلح له؛ لأن هدي الجبران يصح فيه.
والجواب: أنا لا نسلم أن ما قبل يوم النحر وقت الهدي الذي هو نسك، إنما هو وقت للجبران، وإن حذف هنا الوصف انتقض بالصوم في كفارة الظهار؛ فإن بدله الإطعام، ويصح ليلًا، وإن لم يصح المبدل
[ ١ / ٢٧٨ ]
الذي هو الصوم ليلًا.
وقولهم: لا يجوز الصوم بالليل؛ لأنه لا يحتمل الصوم، كذلك نقول: ما قبل يوم النحر وقت لا يعتمل الذبح الذي هو نسك.
وعلى أن حكم البدل والمبدل في مسألتنا مخالف لحكم الإبدال والمبدلات في الأصول، بدليل أن تقديم صوم ثلاثة أيام على النحر جائز، وتقديم سبعة أيام لا يجوز، والجميع بدل عن الهدي، فجاز بعض البدل في وقت، ولا يجوز فيه البعض الآخر، وسائر الإبدال في الأصول إذا جاز بعضها في وقت جاز جميعها، فلا يمتنع أن يخالف حكم البدل والمبدل في هذا الموضع حكم الإبدال والمبدلات في الأصول.
ثم المعنى في الوضوء والعتق: أن نفل كل واحد منهما لا يختص بوقت، ففرضها لا يختص بوقت، ونفل الهدي مختص بوقت، فالواجب منه يجوز أن يختص بوقت.
واحتج بأنها عبادات بدل، فوجب أن لا يتأخر وقت جواز فعلها عن وقت البدل.
أصله: العتق في كفارة القتل.
ولأنه حيوان له بدل هو صوم، فجاز إخراجه في وقت جواز فعل الصوم، كالرقبة في الظهار.
[ ١ / ٢٧٩ ]
والجواب: أنا قد بينا أنه لا يمتنع أن يجوز فعل البدل في وقت لا يجوز فعل المبدل، بدليل الصوم والإطعام في كفارة الظهار.
ولأن هذا البدل يفارق سائر الإبدال في الأصول؛ لأن بعضه يجوز في وقت، وهو صوم الثلاثة، ولا يجوز صوم السبعة وإن كان بدلًا، وسائر الإبدال كل وقت جاز فيه بعض البدل جاز فيه جمع البدل.
وعلى أن العتق والصوم يفعلان للتكفير والوقت محتمل لهما، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر، والهدي والصوم يرادان للتحلل يوم النحر، والصوم لا يصح يوم النحر الذي هو مقصوده فقدم عليه، والذبح يصح فيه، فلم يتقدم.
واحتج بأنه حق يتعلق وجوبه بالتمتع، فوجب أن يجوز عقيب الإحرام بالحج قياسًا على صوم ثلاثة أيام.
والجواب: أن هذا باطل بصوم سبعة أيام.
فإن احترز عنه فقال: حق يتعلق وجوبه بالتمتع، ويجوز فعله بالحج، فأشبه ما ذكرنا، أجبنا عنه بأن الهدي لا يشبه الصوم؛ فإنه لا خلاف أن الصوم يتعين عليه قبل يوم النحر بحيث لا يجوز تأخيره إليه، ولا يتعين عليه وجوب ذبح الهدي قبله، بل يجوز تأخيره
[ ١ / ٢٨٠ ]
إليه، فإذا جاز أن يختلفا في وقت الوجوب، جاز أن يختلفا في وقت الجواز.
٥١ - مسألة