نص عليها في رواية جعفر بن محمد، وبكر بن محمد، عن أبيه: لا يستظل المحرم، فإن استظل يفتدي بصيام، أو صدقة، أو نسك بما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة.
وبهذا قال مالك.
وفيه رواية أخرى: لا يستظل، فإن فعل فلا فدية عليه.
نص عليه في رواية الأثرم، وعبد الله، والفضل بن زياد:
فقال في رواية الأثرم: أكره ذلك، فقيل له: فإن فعل يهرق دمًا؟ فقال: لا، وأهل المدينة يغلطون فيه.
وفي رواية الفضل: الدم عندي كثير.
وفي رواية عبد الله: إن استظل أرجو أن لا يكون عليه شيء.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز له أن [يستظل] بظل المحمل.
فالدلالة على أنه ممنوع من ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المحرم الأشعث [ا] لأغبر"، والظل لا ينفي الشعثَ والغبار،
[ ١ / ٣٦٢ ]
والخبر يقتضي منعه.
وأيضًا فإن النبي ﷺ وأصحابه دخلوا مكة مضحين، وقال: "خدوا عني مناسككم".
وروى الأثرم بإسناده عن نافع، عن ابن عمر: أنه رأى محرمًا على رحل قد رفع ثوبًا بعود يسـ[ـتـ]ـتر من حر الشمس، فقال: أضح لمن أحرمت له.
وروى النجاد بإسناده في لفظ آخر عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلًا قد نصب في مقدمة رحله عودًا عليه ثوب، وهو محرم، فقال ابن عمر: إن الله لا يحب الخيلاء، إن الله لا يحب الخيلاء.
وروى بإسناده في لفظ آخر عن نافع، عن ابن عمر: أنه رأى رجلًا من آل … بن أسيد يظلل عليه بشيء من الشمس، فناداه ابن عمر: اتق الله.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وفي لفظ آخر عن نافع: أن ابن عمر رأى رجلًا قد وضع عودين على راحلته، وهو محرم، يستتر بهما، فاتنزعهما.
فإن قيل: يعارض هذا ما روى النجاد بإسناده عن الحسن: أن عثمان ظلل عليه، وهو محرم.
و[ما روى] عكومة، عن ابن عباس: لا بأس بالظل للمحرم.
قيل له: هذا محمول عليه إذا كان هناك عذر من حر، أو برد، فلا يكون بينهما تعارض.
ولأنه محرم ستر على رأسه بما يقصد به الترفه في بدنه، فجاز أن تتعلق به الفدية، كما لو غطاه.
وفيه احتراز من الزمان اليسير؛ لأن التعليل للجواز، وفيه احتراز منه إذا جلس تحت خيمة، أو تحت سقف.
ولأن ذلك لا يقصد به الترفه في البدن في العادة، وإنما يقصد به جمع الرحال.
وأيضًا فإن الفدية تجب بإتلاف وبغير إتلاف، ثم ثبت أن الإتلاف لا فرق بين أن يكون عن مباشرة، أو غير مباشرة، وهو أن يدل على الصيد، أو ينصب شركًا، كذلك ما لم يكون عن إتلاف لا فرق بين أن يكون عن مباشرة، أو غيرها، وهذا إذا ظلل على رأسه.
ولا يلزم [عليه] الحلاق، وتقليم الأظفار، والطيب؛ لأن ذلك
[ ١ / ٣٦٤ ]
لا تتصور فيه إلا المباشرة.
وأيضًا فإن الإحرام يحرم تغطية رأسه بغير إذنه، ثم ثبت أن ثوب الغير يستوي في المنع من استعماله المباشرة وغيرها، كذلك ثوب نفسه في حق الإحرام بعلة أنه أحد التحريمين، أو أحد نوعي التحريم.
ولا يجوز أن يقال: إن ثوب الغير يحرم إمساكه؛ لأنا نفرض المسألة في ثوب الغير إذا كان وديعة عنده؛ فإنه لا يمنع من إمساكه، وإنما يمنع من التصرف فيه.
يبين صحة هذا: أنهم منعوا الجنب من الاجتياز في المسجد، وقالوا: كل بقعة منع من الجلوس فيها منع من الاجتياز، كدار الغير.
وطريقة أخرى جيدة، وهو: أن المحرم أمر أن يكشف رأسه؛ ليحصل له الشعث والغبار، كما قال النبي ﷺ: "المحرم الأشعث الأغبر".
وإذا ظلل على رأسه زال ذلك المعنى، فمنع منه.
ولا يلزم عليه إذا جلس تحت سقف، أو تحت خيمة؛ لأن ذلك لا يستدام في حال سيره وقعوده، وهذا يستدام، وجرى ذلك مجرى ما لو ترك يده على رأسه، أو ترك على رأسه مكتلًا، لم يمنع، ولم تجب الفدية؛ لأنه لا يستدام في العادة.
واحتج المخالف بما روت أم الحصين قالت: حججت مع النبي ﷺ
[ ١ / ٣٦٥ ]
حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذ بزمام ناقة النبي ﷺ، والآخر رافع ثوبه؛ ليستره من الحر حتى رمي جمرة العقبة.
والجواب: أن ذلك الاستظلال كان زمانًا يسيرًا، وقد أجاز أحمد مثل هذا في رواية الأثرم وقد ذكر له هذا الحديث، فقال: هذا في الساعة رفع له الثوب بالعود، يرفعه بيده من حر الشمس.
وقال - أيضًا - في رواية أبي داود: إذا كان بطرف كساء أرجو أن لا يكون به بأس.
وهكذا نقل ابن منصور - وقد سئل عن القبة المحرمة - فقال: لا، إلا أن يكون شيئًا يسيرًا باليد، أو ثوبًا يلقيه على عود.
وقال - أيضًا - في رواية حرب - وقد سئل: هل يتخذ على رأسه الظل فوق المحمل؟ - فقال: لا، إلا الشيء الخفيف.
وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب الخبر؛ لأن الخلاف فيما وراء ذلك، هو إذا اتخذ الظل على طريق الاستدامة.
واحتج بأنه لو تعلقت به الفدية لا يستوي فيه الزمان اليسير والكثير، كما لو غطى رأسه.
والجواب: أن الترفة بتغطية الرأس أبلغ من الاستظلال، فجاز أن يستوي في ذلك القليل والكثير، ويفترق الحال في غيره، كالاستمتاع
[ ١ / ٣٦٦ ]
بالوطء في الفرج؛ لما كان أبلغ منه فيما دون الفرج استوى في ذلك الإنزال وعدمه، [و] في ما دون الفرج يفترق الحال بين الإنزال وعدمه.
ولأن أبا حنيفة قد فرق بين أن يستديم اللبس جميع النهار أو بعضه في باب الفدية.
ولأنه لا يمتنع أن يختلف حكم القليل والكثير في إيجاب الدم في مسألتنا، كما اختلف حكمه في إتلاف الشعر بين القيل والكثير في الدم.
واحتج بأن ما جاز التظلل به راكبًا كالسقف، ولأنه تظلل بما لم يماس رأسه، فجاز ذلك، كما لو تظلل نازلًا، وقد نص أحمد على أنه لو جلس تحت خيمة، أو تحت سقف جاز.
وقال - أيضًا - في رواية حنبل: لا يستظل على المحمل، ويستظل بالقارة والخيمة في الأرض، وهي بمنزلة البيت.
والجواب: أنه لا فرق بين الراكب والنازل، وإن طال ذلك وكثر افتدى؛ راكبًا كان، أو نازلًا، وإن قل ذلك، ولم يكثر، فلا فدية عليه؛ سواء كان راكبًا، أم نازلًا.
وقد بينا الفرق بين اليسير والكثير، وبين الخيمة والسقف وبين المحمل، وأن ذلك لا يقصد به الترفه في البدن في العادة، وهذا بخلافه.
[ ١ / ٣٦٧ ]
٧٠ - مسألة