أومأ إليه أحمد في رواية أبي داود، وقد سئل عن المرأة تعتكف في بيتها، فذكر النساء تعتكفن في المساجد، ويضرب لهن فيه بالخيم، وقد ذهب هذا من الناس.
وهو قول مالك والشافعي.
قال أبو حنيفة: يجوز اعتكافها في مسجد بيتها.
دليلنا: ما روى النجاد بإسناده عن كثير مولى ابن سمرة: أن امرأةً أرسلت إلى رسول الله ﷺ: أني أريد أن أعتكف العشر الأواخر فما ترى؟
قال: "ادخلي المسجد، واقعدي في طست، فإذا امتلأ، فليهراق عنك".
فوجه الدلالة: أنه أمرها [بالاعتكاف] بالمسجد، ولم يجعل
[ ١ / ١٠ ]
ذلك عذرًا في تركه.
ولأن كل موضع لا يصح اعتكاف الرجل فيه، لا يصح اعتكاف المرأة فيه.
دليله: الشوارع والطرقات.
أو نقول: كل موضع يجوز لها المقامة فيه في حال الجنابة والحيض، لا يصح الاعتكاف فيه.
دليله: ما ذكرنا.
ولأنها عبادة لا تصح من الرجل إلا في المسجد، فلا تصح من المرأة إلا في المسجد.
دليله: الطواف.
ولأن ما كان شرطًا في صحة اعتكاف الرجل، كان شرطًا في صحة اعتكاف المرأة.
دليله: النية واللبث.
ويبين صحة ذلك: أن ما يفسد اعتكافه يفسد اعتكافها؛ كالمباشرة ونحوه.
فإن قيل: قد أجمعنا على الفرق بينهما في موضع الاعتكاف واللبث؛ لأن عندكم يكره للشابة أن تعتكف في المسجد، ونحن نمنعها من ذلك، وهما في اللبث والنية سواء!
[ ١ / ١١ ]
قيل: قد قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن النساء يعتكفن؟
قال: نعم، ولم يخص الشابة من غيرها.
وقياس قوله: أنه يكره للشابة؛ لأنه قد نص [على] ذلك في خروجها لصلاة العيدين، وأنه مكروه.
فعلى هذا إذًا: افترقا في كراهة الحضور، مما يوجب الفرق في المحل بدليل: أنه يكره للشابة حضور الجمع، ثم حضور موضع الجماعة شرط في صحتها، وكذلك يكره لها الطواف نهارًا، ومع هذا فالمسجد شرط في طوافها.
واحتج المخالف بما روي عن النبي ﷺ: أنه أراد أن يعتكف، فخرج إلى المسجد لاعتكافه، فراى قبابًا مضروبة، فقال: "ما هذه؟ " فقيل له: هذه لعائشة، وهذه لحفصة، وهذه لزينب، فقال: "آلبر يردن بهن؟! " وأمر بنقض القباب، وأخر الاعتكاف.
فدل على أن المرأة لا تعتكف في المسجد، لأنه لو جاز لها ذلك لما غضب.
والجواب: أن الخبر يدل على الكراهة، ونحن نقول: إنها إذا كانت شابة، فإنه يكره لها أن تعتكف في المسجد، وتصلي فيه.
نص عليه في الصلاة في رواية حنبل، وقد سئل في خروج النساء
[ ١ / ١٢ ]
إلى العيد، فقال: هؤلاء يفتن الناس إلا أن تكون امرأة طعنت في السن.
فيجوز أن يكون النبي ﷺ أنكر لهذا المعنى، ويجوز أن يكون أنكر لأنه لم يحب ظهورهن في المسجد، وللزوج أن يمنع امرأته عن مثله، وإن [كان] ذلك قربة؛ كما يمنعها من حج التطوع، وإن وجدت المحرم، وكان الطريق آمنًا.
واحتج بما روي عن عائشة ﵂: أنها قالت: لو علم النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد؛ كما منعت نساء بني إسرائيل.
والجواب: أن هذا محمول على الشباب بدليل ما ذكرنا.
واحتج بأن بيتها موضع يستحب أداء الصلوات المفروضة والمسنونة فيه، فجاز أن يكون موضعًا للاعتكاف.
دليله: المسجد.
وإذا ثبت أنه يجوز أن يكون موضعًا له، ثبت أن للمرأة أن تعتكف فيه.
والجواب: أن كونه موضعًا تستحب فيه صلاتها لا يدل على أنه موضع للاعتكاف؛ لأن بيت الرجل تستحب فيه صلاة النافلة، وليس
[ ١ / ١٣ ]
بموضع لاعتكافه، وإن كان الاعتكاف نافلة.
ولأنه لو كان معتبرًا بموضع استجاب الصلاة الفريضة، لوجب أن لا يصح اعتكافها في المسجد؛ لأنه ليس بموضع استحباب صلاتها فيه.
ثم المعنى في الأصل: أنه محل لاعتكاف الرجل، أو لأنه موضع بني لذكر الله والصلاة، وليس كذلك البيوت والمساكن؛ لأنه ليس بمحل لاعتكاف الرجل، ولأنه مبني لمصالح الدنيا، فهو كالشوارع، ولأنه يجوز للجنب والحائض والنفساء المقام فيه؛ كالشوارع.
واحتج بأنها ممنوعة من الخروج إلى المسجد واللبث فيه، فلا يجوز أن يكون ذلك شرطًا في صحة اعتكافها.
والجواب: أنها ممنوعة من الخروج إلى الجامع يوم الجمعة، ولا تصح جمعتها مع ذلك إلا مع الإمام.
وكذلك [هي] ممنوعة من الخروج لحج التطوع، ولا يصح فعلها للحج والعمرة إلا بالخروج إلى مكة، وحضور تلك الأماكن، كذلك هاهنا.
٣ - مسألة