نص عليه في رواية ابن منصور، فقال: الاعتكاف في مسجد تقام فيه الصلاة، وقد ذكره الخرقي في «مختصره».
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: في أي المساجد اعتكف جاز.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد في «كتابه» فقال: ثنا عبد الله قال: ثنا عثمان قال: ثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مسجد له إمام [و] يؤذن فيه، فهو جائز».
روى الدارقطني بإسناده عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: «كل مسجد له مؤذن وإمام، فالاعتكاف فيه يصلح».
[ ١ / ٥ ]
فلولا أن مسجد الجماعة شرط، لم يكن لذكره وتخصيصه فائدة.
فإن قيل: فقد قال الدارقطني: الضحاك لم يسمع من حذيفة!
قيل: لأنه أكبر ما فيه، والمرسل عندنا حجة.
فإن قيل: هذا الحديث قد طعن عليه السلف؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن حذيفة: أنه قال لعبد الله بن مسعود: ألا تعجب من قوم بين دارك ودار أبي موسى يزعمون: أنهم معتكفون؟! فقال: لعلهم أصابوا وأخطأت.
وروي: أنه قال لعبد الله: عكوفًا بين دارك ودار أبي موسى، وأنت لا تغير! وقال النبي ﷺ: «لا اعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه».
وقال ابن مسعود: ما يدريك لعلك أخطأت وأصابوا، أو حفظوا ونسيت؟
وروي: أن حذيفة أتى ابن مسعود فقال: إني رأيت أناسًا معتكفين بين دارك ودار أبي موسى، وكان بينهما مسجد، فقال عبد الله: لعلهم علموا وجهلت، وحفظوا ونسيت، فقال حذيفة: إنه لا اعتكاف إلا في ثلاث مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى.
[ ١ / ٦ ]
قيل له: لم يكن اعتراض ابن مسعود على الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ، وإنما كان اعتراضه عليه فيما يذهب إليه من انه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وهذا مذهب معروف لحذيفة، وأنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد نبي، وليس احتجاجنا بمذهب حذيفة، وإنما احتجاجنا بروايته.
وأيضًا فالمسألة إجماع الصحابة، روي ذلك عن علي وابن عباس وعائشة:
فروى النجاد بإسناده عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.
وروى بإسناده عن قتادة، عن ابن عباس: لا اعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الصلاة.
وروى بإسناده عن عروة، عن عائشة: أنها قالت: لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة.
[ ١ / ٧ ]
وروى بإسناده عن الزهري قال: مضت السنة أنه لا يجوز الاعتكاف إلا في مسجد جماعة تجمع فيه الجمعة.
وهو قال جماعة من التابعين: الحسن، وجابر بن زيد، وعطاء، وكحول، والزهري، وعكرمة، وإبراهيم، ذكره النجاد في "كتابه" بإسناده.
ولأن صلاة الجماعة فرض عندنا، فلو أجزنا الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الصلاة، أدى ذلك إلى ترك الاعتكاف والخروج منه لطلب الجماعات، وذلك يتكرر في اليوم والليلة خمس دفعات، فلم يجز؛ لأن الاعتكاف هو لزوم المسجد، وحبس النفس عليه.
فإن قيل: فكان يجب أن تشترط مسجدًا تقام فيه الجمع لئلًا يؤدي ذلك إلى الخروج لطلب الجمع، وقد أجزت الاعتكاف في مسجد لا تجمع فيه الجمعة، كذلك الجماعة.
قيل له: الجمع لا تتكرر، إنما تجب في الجمعة مرة، فلا يؤدي ذلك إلى ترك الاعتكاف.
وقد نص أحمد على جواز الاعتكاف في غير المسجد الجامع في رواية الأثرم، وقد سئل عن الاعتكاف في غير المسجد الجامع، فلم ير به بأسًا.
[ ١ / ٨ ]
ووجدنا أن للتكرار تأثيرًا، ألا ترى أن من يتكرر دخوله إلى مكة من الحطابة، يجوز دخوله بغير إحرام، ومن لا يتكرر لا يدخله [
_________________
(١) ا] إلا بإحرام؟ وأيضًا: فإن الاعتكاف عبادة من شرطها المسجد، فاختصت بمسجد مخصوص. دليله: الطواف. فإن قيل: الطواف أخص، ألا ترى أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام؟ قيل: لا يمتنع أن يتساويا في تعلقهما بمسجد مخصوص، وإن كان أحدهما أعم، ألا ترى أن الطواف والذبح يتفقان في اختصاصهما بالحرم، وإن كان الطواف أخص؛ لأنه يختص [ب] المسجد، والذبح يعم جميع الحرم! واحتج المخالف بأنه مسجد بني لصلاة الجماعة، فصح الاعتكاف فيه. دليله: المسجد الذي تقام فيه الصلاة. والجواب: أن مسجد الجماعة لا يؤدي إلى ترك الاعتكاف، وليس كذلك ما هنا؛ لأنه يؤدي إلى تركه على التكرار من الوجه الذي بينا.
[ ١ / ٩ ]
أو نقول: ليس إذا جاز في مسجد الجماعة جاز في غيره؛ كالطواف يجوز في المسجد الحرام، ولا يجوز في غيره.
وإن قاسوا على المسجد الذي لا تقام فيه الجمعة، فالفرق بينهما ما ذكرناه
٢ - مسألة