رواهما حنبل وابن مشيش عنه في محرم مات: يغطي وجهه، ولا يغطي رأسه.
وكذلك نقل حنبل عنه، وقد سئل عن المحرم: يعطي وجهه؟ قال: لا بأس بذلك.
وكذلك نقل أبو داود عنه: يغطي وجهه وحاجبيه.
وبهذا قال الشافعي.
وفيه رواية أخرى: لا يغطي وجهه.
رواها ابن منصور وإسماعيل بن سعيد الشالنجي في المحرم يموت: لا يغطى رأسه، ولا وجهه.
وأومأ إليه - أيضًا - في رواية أبي طالب: يخمر أسفل من الأنف، ووضع يده على فمه دون أنفه يغطيه من الغبار.
وبهذا قال أبو حنيفة.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال مالك: لا يغطي وجهه، فإن غطاه فلا فدية عليه.
ومن أصحابه من قال: فيها روايتان.
وجه الرواية الأولى: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا هشيم قال: أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلًا كان مع النبي ﷺ فوقصته ناقته، وهو محرم، فمات، فقال رسول الله ﷺ: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
فوجه الدلالة: أنه خص الرأس بالكشف، فدل على أن الوجه مخالف له؛ لأنهما لو كانا سواء لما خص الرأس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
وروى سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أبي حرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "وخمروا وجهه، ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه طيبًا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا".
وهذا نص.
ولأنه إجماع الصحابة، روي عن عثمان، وزيد، وابن الزبير،
[ ١ / ٣٥٧ ]
وجابر، وابن عباس، وسعد:
فروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الفرافصة قال: رأيت عثمان، وزيد، وابن الزبير يغطون وجوههم - وهم محرمون - إلى قصاص الشعر.
وروى بإسناده عن أبي الزبير، عن جابر قال: ليغشى وجهه بثوبه، وأهوى إلى شعر رأسه، وأشار أبو الزبير بثوبه حتى رأسه.
وبإسناده عن عطاء، عن ابن عباس قال: المحرم يغطي وجهه ما دون الحاجب.
وبإسناده عن عائشة بنت سعد قالت: كان أبي يأمر الرجال أن يخمروا وجوههم وهم حرم، وينهي النساء عن ذلك.
فإن قيل: يقابل هذا ما رواه النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: المحرم لا يغطي وجهه إلا دون الحنك.
وفي لفظ آخر: ما فوق الذقن من الوجه، ولا يخمر المحرم.
قيل له: وقد روى النجاد بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه.
[ ١ / ٣٥٨ ]
فإما أن تتعارض الروايتان، فتسقطان، ويسلم قول غيره، أو يكون ما ذهبنا إليه أولى؛ لأنه يعضده قول غيره من الصحابة.
فإن قيل: فقد قال في الخبر الذي رويتموه: الذقن من الرأس.
قيل له: لا يجوز أن تجعل هذا خلافًا؛ لأنه معترف بأن إحرام الرجل في رأسه، وإنما ذهب إلى أن ما فوق الذقن يدخل في اسم الرأس، وهذا غير صحيح؛ لأن حقيقة اسم الرأس لا يتناول الوجه، فكان هذا القول مطرحًا.
والقياس أن ما وجب كشفه في أحد الجنسين، لم يجب كشفه في الجنس الآخر.
أصله: الرأس؛ لما وجب كشفه في جنس الرجال، لم يجب كشفه في جنس النساء.
وكل عضو لا تتعلق به سنة التقصير من الرجل، لا تتعلق به حرمة التخمير قياسًا على سائر بدنه.
وفيه احتراز من وجه المرأة.
واحتج المخالف بما روى أبو بكرة النجاد بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: أنه قال: "اغسلوه بماء وسدر، ولا تحنطوه، ولا تخمروا وجهه؛ فإنه يبعث [يوم القيامة ملبيًا].
[ ١ / ٣٥٩ ]
والجواب: أن الرواية في الوجه متعارضة، ولا تعارض في الرأس، فيجب أن يبقى حكم الوجه على ما كان عليه، وهو ستر الوجه في حق الموتى.
ولأن خبرنا أولى؛ لأن فيه مخالفة بين العضوين، وذلك زيادة علم ليست في خبرهم، فكان تقديمها أولى.
وقد قيل: إنا نستعمل خبرهم فنقول: معناه: لا تخمروا من الوجه مقدار ما لا يمكن كشف جميع الرأس إلا بكشفه.
والمخالف يقابل هذا الاستعمال بمثله فيقول: خمروا وجهه؛ معناه: ذاته، ولا تخمروا رأسه؛ يعني: ما علا الرقبة، كأنه قال: غطوا جملته، وهذا بعيد؛ لأن الوجه عبارة عن عضو مخصوص لا يتناول الجملة.
واحتج بأنه ممنوع من الطيب لأجل الإحرام، فوجب أن يكون ممنوعًا من تغطية الوجه.
دليله: المرأة.
وإن شئت قلت: شخص محرم فلزمه كشف وجهه.
دليله: المرأة.
والجواب: أنا نقابله فنقول: فلم يلزمه كشف أكثر من عضو واحد.
دليله: المرأة
ولأن وجه المرأة يحصل بكشفه إشعار بالإحرام، لأنه مغطى في
[ ١ / ٣٦٠ ]
العادة، ووجه الرجل مكشوف، فلا يحصل بكشفه إشعار بالإحرام، وإنما رأسه هو المغطى في العادة، فكان رأس الرجل بمنزلة وجه المرأة.
واحتج بأن حكم المرأة أخف في حال الإحرام من حكم الرجل.
يبين صحة هذا: أنهـ[
_________________
(١) ـا] لا تمنع من لبس المخيط، والرجل يمنع منه، فإذا منعت من تغطية وجهها فالرجل أحرى. والجواب: أنا قد بينا: أن المرأة لا يلزمها كشف أكثر من عضو، كذلك الرجل. ولأن الإشعار يحصل بكشف وجهها، والرجل بخلافه. وإنما فارقت الرجل في المخيط؛ لأن جميع بدنها عورة، فجاز ستره بكل ما يمكن، وليس كذلك الرجل؛ لأنه ليس جميع بدنه عورة، فلهذا لم يجز له سترة بالمخيط. واحتج بأن الوجه يجمع مفروضات الطهارة ومسنوناتها، فلزم المحرم كشفه، كالرأس. والجواب: أنه يبطل باليدين والرجلين؛ لأنها تجمع المفروض - وهو دفعة - والمسنون - وهو زاد -. ثم المعنى في الرأس: أن النسك يتعلق بأخذ شعره، فلهذا وجب كشفه في حقه، والوجه بخلافه.
[ ١ / ٣٦١ ]
٦٩ - مسألة