نص عليهما في رواية حنبل، فقال: السبيل: الزاد والراحلة، وليس عليه أن يحج راجلًا، إلا أن يتطوع بنفسه.
وكذلك نقل صالح.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وداود: الراحلة غير معتبرة، فمن قدر على المشي، لزمه ذلك، ولم يقف وجوبه على وجود الراحلة.
وأما الزاد: فلا يعتبر ملكه، وإنما تعتبر القدرة عليه؛ فإن كان ذا صنعة يمكنه الاكتساب بها، لزمه، وإن لم يكن له صنعة- وكان يحسن السؤال، وجرت عادته به- لزمه، وإن لم تجر عادته بذلك، لم يلزمه.
[ ١ / ٥٣ ]
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
فيهما دليلان:
أحدهما: من جهة الاستنباط.
والثاني: من جهة التفسير.
وأما الاستنباط: فهو أن كل عبادة أمر بفعلها، اقتضى ذلك القدرة على الفعل، كالصوم والصلاة وغيرهما، فلما اشترط في الحج استطاعة السبيل، اقتضى ذلك زيادة على القدر (ة)، والتي اعتبرها مالك، وليس ذلك إلا الاستطاعة التي نعتبرها.
وأما التفسير: فروى أبو بكر بإسناده عن الحسن قال: لما نزلت ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: قيل: يا رسول الله!
ما السبيل؟ قال: «من وجد زادًا وراحلة».
وروى الدارقطني بإسناده عن ابن مسعود، وابن عمر، وعمرو ابن شعيب، (عن أبيه، عن جده)، وعائشة، وأنس: أن النبي "صل الله عليه وسلم" قيل له:
ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة».
فإن قيل: يحتمل أن يكون الرجل الذي سأله ممن لا يحجب عليه
[ ١ / ٥٤ ]
الحج إلا بوجود زاد وراحلة، فبين له السبيل المشروط في حقه.
قيل له: النبي "ﷺ" ذكر (السبيل) بالألف واللام، وإنما يكون المراد بذلك جنس السبيل، أو المعهود- هو المذكور في الآية- فلا يمكن حمل الخبر على غير هذين.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا بيانًا للسبيل المذكور في الآية؛ لأن الشرط يعتبر في حق عامة الناس، والزاد والراحلة غير معتبر في حق المكي، ومن كان على مسافة لا تقصر فيها الصلاة.
قيل له: الظاهر اقتضى اعتبار ذلك في حق جميع الناس غير أن الدليل خصه في الوضع الذي ذكروه.
فإن قيل: فقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] عام في كل مستطيع، وهذا مستطيع.
قيل له: قد (بينا من) الاستنباط والتفسير ما يمنع العموم، (وأيضًا) ما روى الدارقطني بإسناده عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال رجل: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة».
وفي لفظ آخر عن النبي "صل الله عليه وسلم" قال: «السبيل إلى البيت» الزاد
[ ١ / ٥٥ ]
والراحلة»، وهذا خرج مخرج البيان.
والقياس أنها عبادة (بدنية) بقطع مسافة بعيدة، فكان من شرط وجوبها زاد وراحلة، كالجهاد.
وإن لم يسلموا أن الزاد والراحلة معتبران في وجوب الجهاد.
دليلنا عليه: قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]
فأخبر أنه لا حرج على من لم يجد محملًا في ترك الجهاد.
ولآن كل من لم يمكنه أداء الحج إلا بقطع مسافة تقصر فيها الصلاة، فإذا لم يكن واجدًا للزاد والراحلة، لم يلزمه فرض الحج.
دليله: من لا صنعة له، ولا يحسن السؤال.
واحتج المخالف بقوله: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]؛ يعني: مشاة وقرئ: (رجالًا) يعني: رجالًا.
فثبت: أنه يجب المشي إليه.
[ ١ / ٥٦ ]
والجواب: أن الآية فيها: أن الناس يأتون الحج مشاة، ونحن نقول بذلك، وهم من كان بمكة، ومنها على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، يبين هذا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ يعني: على كل مركوب ﴿يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق﴾ [الحج: ٢٧]؛ يعني: بعيد، فاعتبر المركوب في البعيد، فثبت أن المراد ما ذكرنا.
واحتج بأنها عبادة على البدن، فلم يعتبر فيها زاد وراحلة، كالصوم والصلاة.
والجواب: أنه ينتقض [… .] وبمن لم يحسن السؤال، ولا له حرفة.
على أن المعني في الأصل: أنه لا مشقة في قطعه من عدم الزاد والراحلة، فلم يعتبر ذلك فيها، والحج بخلافه.
واحتج بأنه قادر على الحج من غير خروج عن عادة، ولا بد له، فلزمه، كما لو كان واجدًا للزاد والراحلة، أو كان بمكة، أو عل مسافة قريبة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا مشقة في ذلك، وليس كذلك هاهنا؛ لأن عليه فيه مشقة.
[ ١ / ٥٧ ]
واحتج بأن القدرة على الكسب قد أقيمت مقام القدرة على المال، بدلالة أن من قدر على الكسب حرم عليه أخذ الصدقة، كما حرم عليه إذا كان له مال، وكذلك الفقير المعتمل يلزمه أداء الجزية، كما يلزم من معه مال، وكذلك [الأب إذا كان يكتسب] يلزمه نفقة ولده، وكذلك الابن، وكذلك المفلس إذا كانت له حرفة لزمه أن يؤجر نفسه، ويقضي دينه، كما يلزمه مع وجود المال، كذلك هاهنا.
والجواب: أن حرمان الصدقة يعتبر بحصول الغنى، وهو غنى بالحرفة، كما هو غني بالمال، وليس كذلك الراحلة، إذ كأنما اعتبرت لنفي المشقة، والمشقة تلحقه بعدمها.
وأما إيجاب النفقة على الأب، وإيجاب الجزية على الكافر، والإجازة على المفلس؛ لأنه لا مشقة في ذلك؛ لأنه مخاطب بالنفقة يومًا بيوم، فإذا عجز عنها في الثاني لم تلزمه مشقة في المستقبل، وكذلك المفلس؛ متى عجز سقطت المطالبة.
وليس كذلك [… .] بما عجز في سفره عن الكسب، فتلحقه
[ ١ / ٥٨ ]
مشقة في الرجوع ()، فالزكاة والكفارة لا تجب بالكسب [… .]، كذلك الحج.
١٥ - مسألة