نص عليه في رواية الجماعة؛ الميموني، وابن منصور، وأحمد ابن أبي عبدة، وغير ذلك.
فقال في رواية الميموني: لا ينكح المحرم، فإن نكح رحلا.
وقال في رواية ابن منصور: إذا نكح المحرم يفرق بينهما.
وقال - أيضًا - في رواية حرب: لا يتزوج، ولا يزوج، والرجل والمرأة سواء، وإن فعل يفرق بينهما.
وقال في رواية أبي عبده: لا يراجع زوجته.
وبهذا قال مالك، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: نكاح المحرم صحيح.
دليلنا: ما روى أحمد في "المسند" قال: ثنا عبد الله بن بكر، ومحمد بن جعفر قالا: ثنا شعبة، عن مطر ويعلي بن حكيم، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان: أن رسول الله ﷺ قال: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".
[ ١ / ٤٦٦ ]
وهذا نهي، والنهي يقتضي التحريم، وفساد المنهي عنه.
فإن قيل: نبيه بن وهب ضعيف.
قيل: نبيه ثقة صدوق من أهل المدينة، وكبار التابعين.
وقد رواه أحمد عنه، ومالك في "الموطأ"، وقد قال أحمد في رواية المروذي: أذهب إلى حديث نبيه، وهو رجل من أهل المدينة، ثقة، ولا أعلم إلا خيرًا.
فإن قيل: نبيه لم يلق أبان بن عثمان.
قيل: روى أبو بكر الحميدي في كتابه عن نبيه بن وهب: أنه سمع أبان بن عثمان يحدث عن أبيه.
وهذا يدل على أنه لقيه، ولو لم يلقه لم يضر؛ لأن أكثر ما فيه أنه مرسل، وهو حجة على المذهبين.
فإن قيل: النكاح عير الوطء حقيقة، فقوله: "لا ينكح" معناه: لا يطأ، و"لا ينكح"؛ يعني المحرمة لا تمكن من الوطء، وقد دل على هذا قول الشاعر:
ومن أيم قد أنكحتها رماحنا
يعني: مكنتنا من وطئهن.
قيل له: إن كان هذا حقيقة في اللغة، فإن عرف الشرع في ذلك
[ ١ / ٤٦٧ ]
العقد، فيجب أن يحمل عليه.
قال تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ [النساء: ٣]، وقال: ﴿إذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩]، وقال: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور:٣٢]، وقال: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، و﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وقول النبي ﷺ: "انكحي أسامة"، و"ولا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها"، و"لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل".
وجواب آخر، وهو: لو صح هذا في قوله "لا ينكح"، لم يصح في قوله: "ولا ينكح"؛ لأن المراد به العقد، لا غيره، ولا يصح حمله على التمكين؛ لأن الولي لا يمكن من الوطء، وإنما المرأة هي التي تمكن من الوطء، وهي المطالبة بالتمكين دون الولي.
ولأن الولي المحرم يجوز أن يمكن المنكوحة من الوطء، وهو إذا كان الزوج والمرأة حلالين، جاز للولي أن يقول لها: مكنيه من نفسك.
ولا يصح حمله على المرأة بمعنى: لا تمكن من وطئها إذا كانت محرمة؛ لأن اللفظ لفظ تذكير، ولو كان المراد به المرأة لأورده بلفظ التأنيث.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ولأن هذا يؤدي إلى حمل اللفظ على معنيين مختلفين في شخصين، وهو الجماع في حق الذكور، والتمهيد في حق النساء، ونحن نحمله على عقد النكاح.
وجواب ثالث، وهو: أن في الخبر: "ولا يخطب" فلما قرن بالنهي عن الخطبة دل على أن المراد بقوله:"لا ينكح"، ولا ينكح" هو العقد.
فإن قيل: قوله: "لا يخطب" معناه: لا يسأل وليها أن يمكنه منه؛ ليطأها؛ لأن الخطبة عبارة عن المسألة، يقال: فلان يخطب عمل كذا؛ يعني: يطلبه ويسأله.
قيل له: الخطبة المشهورة المعروفة في الشرع هو طلب العقد، كقوله تعالى: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٥].
وقول النبي ﷺ: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه".
وقولهم: فلان خطب بنت فلان.
فالمعقول في العرف هو طلب العقد.
وجواب رابع، وهو: الراوي حمل ذلك على العقد، وهو ما روى نبيه بن وهب في هذا الحديث: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج ابنه طلحة بابنة شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان، وأبان يومئذ أمير
[ ١ / ٤٦٩ ]
الحاج، وهما محرمان: إني أردت أن أنكح طلحة ببنت شيبة، وأردت أن تحضر ذلك، فأنكر ذلك عليه أبان، وقال: إني سمعت عثمان ابن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب".
وجواب خامس، وهو: أنه قد روي في الخبر لفظ صريح يدل على أن المراد به العقد رواه الدارقطني بإسناده عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال:"لا يتزوج المحرم، ولا يزوج"، وهذا نص.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن عكرمة بن خالد: أنه قال: سألت عبد الله بن عمر عن امرأة أراد أن يتزوجها، وهو محرم، فقال: لا تزوجها وأنت محرم، فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك.
وأيضًا فالمسألة إجماع الصحابة.
وروى أبو بكر النيسابوري بإسناده عن أبي عطاف بنطريف أخبرني: أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه.
[ ١ / ٤٧٠ ]
وروى بإسناده عن قتادة، عن الحسن، عن علي: أنه قال: من تزوج- وهو محرم- نزعناها منه، ولم يجز نكاحه.
وروى- أيضًا- بإسناده عن شوذب مولى زيد بن ثابت: أنه تزوج، وهو محرم، ففرق زيد بن ثابت بينهما.
فاتفق عمر وعلي وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت على إبطال نكاح المحرم.
والقياس: أن العقد معنى ثبت به تحريم المصاهرة؛ أعني: تحريم أم المرأة، فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالوطء.
ولا تلزم عليه الرضاعة؛ لأن ذلك التحريم الحاصل ليس تحريم المصاهرة، وإنما هو تحريم النسب.
فإن قيل: نقلبه فنقول: إذا وجد في الإحرام ثبت حكمه وموجبه، كالوطء.
قيل: قد ثبت بعض أحكامه عندنا، وهو وقوع الطلاق فيه، وثبوت المسمى، والوطء- أيضًا- ثبتت بعض أحكامه في النسب وغيره، ولا تثبت جميع أحكامه، وهو استدامة الوطء.
فإن قيل: المعنى في الوطء: أنه تمنع استدامته فمنع ابتداؤه،
[ ١ / ٤٧١ ]
ولا يمنع الإحرام استدامة النكاح، فلا يمنع ابتداءه.
قيل: علة الأصل تبطل بالإسلام؛ يمنع استدامة الملك على العبد، ولا يمنع ابتداءه عندهم، وكذلك الخلع؛ يمنع الاستدامة، ولا يمنع الابتداء.
وعلة الفرع تلزم عليها العدة؛ لا تمنع الاستدامة، وتمنع ابتداء النكاح.
وإن شئت قلت: العقد سبب تصير به المرأة فراشًا، فوجب أن يحظره الإحرام.
دليله: ما ذكرنا.
فإن قيل: قد فرقت الأصول بين الوطء والعقد، ألا ترى أن الصوم يمنع الوطء، ولا يمنع العقد؟
قيل له: الإحرام أغلظ فيما يحرم ويمنع من الصوم، ألا ترى أنه يحرم القبلة، وقص الشعر، وقتل الصيد، والصوم لا يمنع ذلك، فجاز أن يحرم العقد أيضًا، وإن لم يحرمه الصوم.
وقياس آخر، وهو: أن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه؛ أعني: القبلة واللمس بشهوة، فوجب أن يمنع عقد النكاح، كالعدة.
ولا يلزم عليه الصيام؛ لأنه لا يمنع دواعي الوطء، كالقبلة والطيب إذا كان الصائم ممن لا تحرك القبلة شهوته، وفي المعتكف نظر.
[ ١ / ٤٧٢ ]
وقد قيل: يثبت تحريم الطيب أشبه العدة.
وهذا غير صحيح؛ لأن العدة التي تحرم الطيب، والتي لا تحرم الطيب سواء في منع النكاح؛ لأن الرجعية لا يحرم عليها الطيب، وهي محرمة النكاح، وكذلك الموطوءة لشبهة، وفي النكاح الفاسد.
والأجود في ذلك ما ذكرنا.
فإن قيل: العدة لا تمنع النكاح؛ لأن له أن يتزوجها، وهي معتدة منه.
قيل له: إن لم تمنع الزوج من العقد، فهي مانعة لغيره، فالعدة في الجملة تمنع العقد.
وقياس آخر، وهو:؛ أن العقد من دواعي الجماع، فوجب أن يمنع منه الإحرام، كالطيب.
ولا تلزم عليه الرجعة؛ لأن الصحيح من الروايتين: أنه يمنع منها الإحرام.
ولأنه عقد لا تتعقبه استباحة استمتاع في عين من الأعيان بحال، فأشبه نكاح المعتدة والمرتدة.
ولا يلزم عليه نكاح الصغيرة ابنة يوم؛ لأن ذلك العقد قد يتعقبه استباحة الاستمتاع في عين أخرى، وهي الكبيرة.
ولأن المقصود بالنكاح استباحة الاستمتاع، والإحرام يمنع ذلك، فمنع صحة العقد.
[ ١ / ٤٧٣ ]
دليله: شراء الصيد؛ لما كان المقصود بشراء الصيد تملكه، والإحرام يمنع تملكه، فمنع الشراء.
ولا يلزم عليه شراء الطيب والمخيط؛ لأن المقصود من ذلك تملكهما دون استعمالهما، والإحرام لا يمنع ذلك.
واحتج المخالف بما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ تزوج، وهو محرم، واحتجم، وهو محرم.
وعن عائشة: أن النبي ﷺ تزوج بعض نسائه، وهو محرم.
وعن ابن عباس: أنه قال: تزوج رسول الله ﷺ ميمونة، وهو محرم.
والجواب: أن أبا الحارث قال: سئل أبو عبد الله - يعني: أحمد - عن حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم، فقال: هذا الحديث خطأ.
وقال في رواية المروذي: قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوج، وهو حلال، وإن ابن عباس ابن أخت ميمونة، ويزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة يقول: نكحها، وهي حلال [].
[ ١ / ٤٧٤ ]
وقال أبو رافع: كنت السفير بينهما.
وهذا من أحمد تضعيف له.
وعلى أن الرواية مختلفة في ذلك:
فروى مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو حلال.
وروى يزيد بن الأصم، عن ميمونة بنت الحارث: أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف.
وروى الأثرم عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وكنت السفير بينهما.
وروى الحميدي عن عبد العزيز بن محمد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار: أن رسول الله ﷺ بعث العباس بن عبد المطلب وأبا رافع، فزوجاه بسرف، وهو حلال بالمدينة.
[ ١ / ٤٧٥ ]
وروى ميمون بن مهران، عن صفية بنت شيبة، وكانت عجوزًا: أن النبي ﷺ ملك ميمونة، وهو حلال، وبنى بها، وهو حلال، وخطبها، وهو حلال.
وإذا ثبت هذا الاختلاف:
فإما أن تتعارض الروايات في نكاح ميمونة، فتسقط، وتبقى رواية عثمان أنها لم تختلف.
أو نرجح، فتكون رواية من روى الإحلال [أرجح] من وجوه:
أحدها: أن أحدًا لا يطعن في روايتنا، وقد طعن سعيد بن المسيب في روايتهم، فروى أبو داود عن سعيد ابن المسيب: أنه قال: وهم ابن عباس في قوله: تزوج ميمونة، وهو محرم.
والثاني: أنها أكثر رواة؛ لأنه رواها أبو رافع وميمونة وصفية بنت شيبة، فكانت أولى من رواية ابن عباس.
الثالث: أن ميمونة صاحبة القصة، وهي أعرف، وأبو رافع كان السفير بينهما، فهو أعرف، ألا ترى أن الصحابة كانوا يرجعون إلى عائشة في الغسل من التقاء الختانين، وإلى علي في السمح؟
وابن عباس كان في وقت موت النبي ﷺ، وهو ابن عشر سنين، وكان تزوج ميمونة في سنة سبع التي أحرم فيها بعمرة القضية، فيجب أن يكون لعبد الله بن عباس في ذلك الوقت سبع سنين، وفي هذا السن
[ ١ / ٤٧٦ ]
لا يُحصِّل هذا المعنى، ولا يضبطه، وإنما يجب أن يكون سمعه من غيره، فكانت رواية من حضر أولى.
الرابع: أن من روى: أنه كان حلالًا نقل الحكم والسبب؛ لأن العقد يتعلق بكونه محلًا، ومن روى: أنه كان محرمًا لا يكون سببًا؛ لأن جواز العقد لا يتعلق بكونه محرمًا.
فإن قيل: روى: أن النبي ﷺ قال لأهل مكة: "دعوني أعرس بينكم؛ لتأكلوا من وليمتها"، فقالوا: لا حاجة لنا في وليمتك، فاخرج من عندنا، فخرج حتى أتى سرفًا، وعرس بها.
وهذا يدل على أن العقد كان قد تقدم الإحلال، وبلوغه سرف، وهذا يضاد ما روي عن ميمونة أنها قالت: تزوجني بسرف.
قيل له: يحتمل قوله: "دعوني أعرس" معناه: أعقد واعرس، فلما منعوه خرج إلى سرف، فعقد وعرس.
على أنا قد بينا: أن ما رويناه عنها أولى.
فإن قيل: يحتمل قولها: تزوجني: بنى بي.
قيل له: التزويج لا يعبر به عن الوطء.
فإن قيل: ما رويناه عن ابن عباس أولى؛ لأنه أخبر عن أمر طارئ؛ لأن الأصل الإحلال والإعراس حادث عليه، علمه هو ولم يعلم به غيره، فكان روايته أولى من رواية من خبر عن الأصل، كشاهدين شهدا: أن هذا عبد فلان، وشهد آخران: أن فلانًا ذلك أعتقه؛ فإن شاهدي
[ ١ / ٤٧٧ ]
العتق أولى؛ لما ذكرنا.
قيل له: ما رواه أبو رافع هو الزائد؛ لأنه أثبت عقدًا في وقت نفاه ابن عباس، وذلك أن العقد كان بسرف، وهو بقرب مكة، والنبي ﷺ لم يحرم قط من المدينة، وإنما أحرم من ذي الخليفة، فعلم أبو رافع ومن معه: أن النكاح عقد بسرف، والنبي ﷺ بالمدينة لم يخرج إلى ذي الخليفة، وخفي ذلك على من روى: أنه كان محرمًا حين العقد، وقدر أن النكاح عقد بعد خروجه وإحرامه، فكان ما نقله أبو رافع من عقد النكاح، وهو محل بالمدينة زيادة علم خفيت على غيره.
فهذا الكلام على الخبر من جهة الترجيح، وإن صرنا إلى الاستعمال:
فيحتمل أن يكون النبي ﷺ مخصوصًا بذلك.
والثاني: أنه قد كان من مذهب ابن عباس: أن من قلد الهدي صار محرمًا، فيحتمل أن يكون رآه وقد قلد الهدي، فاعتقد أنه محرم، فرواه على هذا الاعتقاد، وعن ابن عباس روى أنه حلال.
فإن قيل: هذه المسألة خلاف في السلف، وليس فيها نص عن النبي ﷺ، وطريقها الاجتهاد، فلا يجوز أن يقطع ابن عباس، ويحمل حال النبي ﷺ على رأيه، وما يغلب على ظنه يؤدي اجتهاده إليه، مع علمه بان غيره يخالفه في ذلك.
قيل له: يجوز ذلك إذا كان معتقدًا لصحة ما يراه، ويذهب إليه.
[ ١ / ٤٧٨ ]
تأويل ثالث: يحتمل أن يكون من روى: أنه تزوجها، وهو محرم، أراد: أنه نكحها في الشهر الحرام، وقد يسمى من كان في الشهر الحرام والبلد الحرام محرمًا.
قال الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا
وأراد: أنه كان في البلد الحرام، لا أنه كان محرمًا بالنسك.
تأويل رابع: يحتمل أن يكون النبي ﷺ كان قد تزوجها قبل أن يحرم، ولم يعلم به ابن عباس، وعلم ذلك أبو رافع وميمونة؛ لأنهما كانا خبيرين بالقصة، ثم ظهر ذلك بعدما أحرم، فنقل ابن عباس: أنه تزوج، وهو محرم، ونقل غيره: أنه كان محلًا.
وهذا تأويل جيد.
واحتج بأن كل حالة جاز له أن يعقد فيها عقد البيع، جاز أن يعقد فيها عقد النكاح، كالصوم.
ولا يلزم عليه إن كان تحته أربع نسوة؛ لأنه يجوز أن يعقد النكاح لغيره من جهة الولاية، أو الوكالة، وعندكم لا يجوز للمحرم بذلك بحال.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يجوز له عقد البيع، ولا يجوز له عقد النكاح بدليل أن من تحته أربع يجوز له عقد البيع لنفسه، ولا يجوز له
[ ١ / ٤٧٩ ]
عقد النكاح لنفسه، وكذلك المعتدة يجوز لها أن تعقد البيع لنفسها، ولا يجوز لها عقد النكاح لغير زوجها، فبان أن حكم البيع أوسع من النكاح.
وجواب آخر، وهو: أن الإحرام لا يمنع المقصود بالبيع، فلم يمنع صحة البيع، ويمنع المقصود بالنكاح، وهو الوطء ودواعيه، فمنع صحة النكاح، ألا ترى انه لما منع المقصود بشراء الصيد، منع العقد عليه.
فإن قيل: ليس إذا منع المقصود بالنكاح يجب أن يمنع النكاح، ألا ترى أنه يمنع المقصود بالرجعة، وهو الوطء، ولا يمنع الرجعة، وكذلك الصوم يمنع المقصود بالنكاح، ولا يمنع النكاح، وهكذا لا يمنع العقد على الطيب والمخيط، وإن منع من مقصوده، وهو الاستعمال.
قيل له: لنا في الرجعة روايتان: إحداهما - وهي الصحيحة-: أنها لا تصح.
فعلى هذا سقط السؤال.
وأما الصوم، فلا يمنع دواعي الجماع، وهو القبلة إذا أمن الإنزال.
ولأنه أخف بدليل أنه لا يمنع الطيب.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وأما الطيب والمخيط فليس المقصود منه الاستعمال، وإنما المقصود منه التملك، وذلك يحصل في حال الإحرام.
فإن قيل: عقد النكاح لا يشبه شراء الصيد، وذلك أن الصيد لما لم يجز اجتذاب ملكه، لم يجز إزالة ملكه بالبيع، والنكاح يجوز إزالة ملكه بالطلاق، فجاز اجتذاب ملكه.
قيل له: إنما استوى البيع والشراء في الصيد؛ لأنه تصرف في الرقبة؛ لأن الشراء تمليك بعوض، والبيع تملك بعوض، وليس كذلك النكاح؛ لأنه ملك بعوض، والطلاق إسقاط حق كالعتاق، وليس بتمليك، فلم يمنع الإحرام الطلاق ومنع النكاح.
ولأن الطلاق موجبه التحريم، والإحرام لا يمنع موجبه، فلم يمنعه، والنكاح موجبه استباحة الاستمتاع، والإحرام بمنعه، فمنع العقد، وليس كذلك الشراء والبيع؛ لأن موجبهما واحد، والإحرام يمنع موجبهما في الصيد، فمنع صحتهما.
واحتج بأن النكاح سبب يملك به البضع، فوجب أن لا يمنع منه الإحرام قياسًا على شراء الأمة.
والجواب: أن الوصف غير مسلم في الأصل؛ لأن شراء الأمة لا يملك البضع، وإنما يملك به الرقبة، ويستبيح وطأها بحق الملك.
ثم المعنى في الشراء: أن القصد منه تملك الرقبة، والإحرام
[ ١ / ٤٨١ ]
لا يمنع من ذلك، فلم يمنع صحة العقد، وليس كذلك النكاح؛ لأن المقصود منه الاستمتاع، والإحرام يمنع من ذلك، فمنع صحة النكاح، ولهذا نقول: إنه يجوز للمحرم شراء الطيب والمخيط؛ لأنه ليس المقصود بالشراء استعمالهما، وإنما القصد تملكهما، والإحرام لا يمنع ذلك.
ولأن شراء الأمة لا ينافيه التحريم، ألا تراه يشتري من هي محرمة عليه؟ وأكثر ما في الإحرام التحريم، فلم يناف ذلك، والنكاح ينافيه التحريم.
واحتج بأن هذا سبب يتوصل به إلى استباحة الوطء، فأشبه الرجعة، وكفارة الظهار.
والجواب: أن في الرجعة روايتين، والصحيح: أنها محرمة، فلا فرق بينهما.
وأما الكفارة فيأتي الكلام عليها في المسألة التي بعدها.
واحتج بأن الإمام إذا أحرم جاز له أن يزوج، كذلك ولي محرم.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا في ذلك، ولا يمنع أن نقول: لا يجوز له أن يزوج، ولكن يزوج خلفاؤه، فعلى هذا: لا نسلم.
وعلى أنه يجوز أن يزوج بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب، كما نقول: إن الإمام يزوج الكافرة، ولا يجوز للولي المناسب أن يزوج مع اختلاف الدينين.
[ ١ / ٤٨٢ ]
واحتج بأنه لما جاز أن يكون شاهدًا في عقد النكاح، جاز له أن يكون عاقدًا، كالمحل.
والجواب: أن أحمد قال في رواية حنبل: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب"، ومعناه: لا يشهد النكاح، فعلى هذا: لا نسلم.
وإن سلمنا ذلك، فلا يمتنع جواز شهادته، وإن لم يجز عقده، كالمحرم يجوز أن يكون شاهدًا في شراء الصيد، ولا يجوز أن يكون عاقدًا، ويجوز أن يكون المصلي شاهدًا في عقد النكاح، ولا يجوز أن يكون عاقدًا.
ولأن الشاهد لا فعل له في العقد، وإنما يعتبر سماعهما للإيجاب والقبول، وليس كذلك القابل والموجب] [عاقدان بقولهما، فكان حكمهما أغلظ من حكم الشهادة.
٩٧ - مسألة