ومعناه: يفسخ نية الحج، ويقطع أفعاله، ويجعل أفعاله للعمرة، فإذا فرغ من أعمال العمرة حل، ثم أحرم بالحج من مكة؛ ليكون متمتعًا، وهذا إذا لم يسق الهدي، فأما إذا ساق الهدي لم يجز الفسخ.
وكذلك يجوز فسخ القران إلى العمرة المفردة.
نص على هذا في رواية ابن منصور في القارن: يتمتع إذا شاء إذا لم يسق الهدي، ويجعلها عمرة.
ونص على جواز الفسخ إلى العمرة في رواية الجماعة: حنبل
[ ١ / ٢٤٥ ]
وعبد الله والميموني وابن منصور:
فقال في رواية عبد الله: أنا أروي فسخ الحج عن عشرة من أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم؛ ابن عباس، وجابر، والبراء، وأنس بن مالك، وأسماء.
وقال أبو عبد الله بن بطة: سمعت أبا بكر بن أيوب يقول: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وسئل عن فسخ الحج، فقال: قال سلمة بن شبيب لأحمد: كل شيء منك حسن غير نخلة واحدة، قال: وما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج، قال أحمد: كنت أرى أن لك عقلًا! عندي ثمانية عشر حديثًا صحاحًا أتركها لقولك؟!
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وداود: لا يجوز فسخ الحج بحال.
دليلنا: ما تقدم من حديث جابر، وأنس، وعائشة، وابن عباس: أن النبي صل الله عليه وسلم فسخ على أصحابه الحج إلى العمرة.
وقد رواه أحمد عن جماعة مثل: البراء، وأسماء، وغير ذلك، فدل على جوازه.
ولهم على هذه الأخبار اعتراضان:
قد تقدم أحدهما: أن سبب الفسخ كان لأنهم ما كانوا يعتقدون جواز العمرة في أشهر الحج، وهذا المعنى معدوم في وقتنا.
والثاني: قول النبي صل الله عليه وسلم: "هذا لكم خاصة ".
[ ١ / ٢٤٦ ]
وقد تقدم الجواب عن ذلك بما فيه كفاية، فلا وجه لإعادته.
وقد اعترض بعضهم على ذلك باعتراض آخر قال: لا أسلم أن القوم أحرموا بالحج، قال: لأن الشافعي روى: أن النبي صل الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا مطلقًا ينتظرون القضاء، فلما نزل عليهم القضاء، قال: "اجعلـ[و] ها عمرة ".
و[من] لم يعين الإحرام بالحج جاز له صرفه إلى عمرة.
ويبين هذا ما قاله أحمد في رواية صالح: قد روي عن النبي صل الله عليه وسلم: أنه قرن، وروي: أنه أفرد، وروي عنه: أنه خرج من المدينة ينتظر القضاء؛ لا يذكر حجًا، ولا عمرة.
ويقال له: يا هذا! لو تأملت ما رويناه من الأخبار لم تورد هذا الاعتراض؛ لأن في رواية جابر: أن رسول الله صل الله عليه وسلم أهل وأصحابه بالحج.
وفي رواية أنس: خرجنا نصرخ بالحج.
وفي رواية عائشة: خرجنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم لا نرى إلا الحج.
وفي رواية ابن عباس: قدمنا حجاجًا.
وهذه نصوص، وفيها زيادة بيان وحكم، فوجب الرجوع إليها.
وقد قيل في الجواب عنه: إنه مرسل؛ لأنه يرويه ابن طاوس، عن أبيه، عن النبي صل الله عليه وسلم، والمرسل عندهم ليس بحجة.
ولأن جابرًا أحسن سياقًا للحديث من غيره؛ لأنه نقل أفعال
[ ١ / ٢٤٧ ]
النبي ﷺ في سفره على الوجوه، فكان حديثه مقدمًا.
وطريقة أخرى جيدة، وهي: ما رواه أبو داود، وأبو عبد الله بن بطة- واللفظ له- بإسناده عن عائشة: أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولأحللت مع الذين أحلوا من العمرة "قال: أراد أن يكون أمر الناس واحدًا.
وهذا نص؛ لأن النبي صل الله عليه وسلم بين أنه [لو] لم يسق الهدي لحل، وعندهم ما كان يجوز له ذلك.
وهذا اللفظ لا يتوجه عليه ما ذكروه من الأسولة؛ لأن الفسخ كان عليهم؛ لأنهم ما كانوا يعتقدون جواز العمرة، والنبي صل الله عليه وسلم كان يعتقد جواز ذلك، وقد أخبر: أن المانع منه سوق الهدي.
وأيضًا فإن الحج من العبادات الخمس، فصح فسخها قبل الفراغ منها، كالصلاة، والصيام.
ولا تلزم عليه العمرة؛ لأنها ليست من العبادات الخمس.
ولأنه فسخ الحج إلى العمرة فجاز.
دليله: الفسخ الذي كان في وقت النبي صل الله عليه وسلم.
ولا يلزم عليه إذا ساق الهدي؛ لأن التعليل للجواز، ولأن هذا يستوي [فيه] الأصل والفرع.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولأنه فسخ عقد كان جائزًا في وقت النبي صل الله عليه وسلم، فجاز بعده.
دليله: سائر العقود من البيع وغيره بفسخ الإقالة.
ولأنه ترك نسك يجوز في وقت النبي صل الله عليه وسلم، فجاز بعده.
دليله: الترك بالإحصار لعذر.
ولأن الحج نوع عبادة يحرم الطيب، جاز فسخها من غير عذر، كالعدة تنفسخ بفعل المطلق.
ولا تلزم عليه العمر؛ لأن التعليل للنوع، والعمرة بعضه.
ولأن من فاته الحج، فإنه يتحلل بعمل عمرة، وهذا قلب الحج إلى العمرة.
فإن قيل: المعنى في المحصر [و] في الفائت: أن هناك ضرورة، وليس كذلك هاهنا.
قيل: علة الأصل تبطل بمن تعذر عليه الوصول بمرض، أو ضل الطريق، لا يتحلل بعمرة، وهو مضطر.
وعلة الفرع تبطل بالتحلل في وقت النبي صل الله عليه وسلم ..
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].
والجواب: أن هذا غير مبطل لإحرامه، على أنه محمول على غير مسألتنا.
[ ١ / ٢٤٩ ]
واحتج بقوله تعالى: ﴿وأَتِمُّوا الحَجَّ والْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأمر بالتمام يمنع الخروج.
والجواب: أنا قد بينا: أن الآية اقتضت الابتداء بالحج والعمرة، فلم يكن فيها دلالة على البناء.
واحتج بأنها عبادة يجب المضي في فاسدها، فلم يصح فسخها.
دليله: العمرة إذا أحرم بها لم يجز له فسخها، كذلك هاهنا.
والجواب: أنه لا يستفيد بفسخ العمرة إلى عمرة أخرى فائدة، ولهذا لم يجز، وليس كذلك هاهنا؛ لأنه يستفيد بها فائدة، وهي فضيلة التمتع عندنا، وعند الشافعي إذا كان قارنًا استفاد فضيلة الإفراد، فجاز الفسخ، ألا ترى أنه لو أحرم [بصلاة الفرض] مفردًا، ثم أراد الفسخ بغير عوض لم يجز، وإن حضرت جماعة، فأراد أن يقلبها نفلًا؛ ليدرك الجماعة، جاز، وكان الفرق بينهما أن له عوضًا في أحد الموضعين، ولا عوض [له في الموضع] الآخر؟ كذلك هاهنا.
فإن قيل: يجوز الفسخ عندكم، وإن لم يعتقد فعل [الحج من
[ ١ / ٢٥٠ ]
سنته، فامتنع [أن يكون لفضيلة التمتع.
قيل: إذا لم يعتقد الحج من سنته منعناه من الفسخ؛ لأنه لا يستفيد فضيلة التمتع، إلا أنه فسخ، فصح الفسخ؛ لأن الفسخ حصل على صفة يصح منه التمتع.
وقد نص أحمد على أنه يفعل لأجل التمتع، فقال في رواية ابن منصور في القارن: له أن يحل إذا لم يسق الهدي، ولابد له من أن يهل بالحج في عامه ذلك.
فقد نص على أنه يحج من سنته.
وعلى أنه لا يجوز فسخ عمرة إلى عمرة بحال، ويجوز فسخ الحج إلى العمرة بحال، وهو: الفسخ الذي كان في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وإذا فاته الحج تحلل بعمل عمرة، كذلك هاهنا.
واحتج بأنه لم يجز فسخ الحج قبل أن يأتي بعمل عمرة، وهو الطواف والسعي، كذلك لا يجوز بعده، كمن ساق الهدى.
وقد نص أحمد على هذا في رواية أبى طالب، فقال: يجعلها عمرة إذا طاف بالبيت، ولا يجعلها وهو في الطريق.
والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك الفسخ لم يكن جائزًا في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، بدليل ما رواه أبو حفص العكبري بإسناده عن أبي موسى قال: قدمت على
[ ١ / ٢٥١ ]
النبي "ﷺ"، وهو منيخ بالبطحاء فقال: «أحججت» فقلت: نعم، قال: «فبم أهللت؟» قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي "صل الله عليه وسلم"، قال: «أحسنت، طف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أحل».
فأمره بالفسخ بعد الطواف والسعي.
وبإسناده على ابن عباس قال: أمر من لم يكن ساق الهدي أن يطوف ويسعي، ويقصر، ويحلق، ثم يحل.
والثاني: أنه إنما جاز له الفسخ ليصير متمتعًا، فإذا فسخ قبل فعل العمرة لم يحصل ذلك، ولا يجوز أن يقال: افسخ، واستأنف عمرة؛ لأنه يفضي إلى أن يعرى الإحرام الأول عن نسك، وأما إذا ساق الهدي، فيأتي الكلام عليه.
واحتج أنه لو جاز فسخ الحج العمرة لفضيلة التمتع، لجاز فسخ القران إلى العمرة، ليستفيد ذلك أيضًا.
والجواب: أنا هكذا نقول، نص عليه في رواية ابن منصور، والحسن بن ثواب: فقال في رواية ابن منصور: وقد سأله: يحل منها
[ ١ / ٢٥٢ ]
إذا قرن؟ قال: نعم، إذا لم يسق الهدي، ولا بد له أن يهل بالحج في عامه، وليس عليه لعمرته شيء، وعليه دم إن عجل به العام.
وكذلك قال في رواية الحسن:] وللذي يهل بحج [وعمرة- وليس معه هدي- أن يجعلها متعة، كما جعلها رسول الله "صل الله عليه وسلم" حين أمرهم بها.
فقد نص على جواز الفسخ.
والوجه فيه ما روى أبو حفص] بإسناده عن [أنس: أن رسول الله "صل الله عليه وسلم" وأصحابه قدموا مكة، وقد لبوا] بحج وعمرة [، فأمرهم النبي "صل الله عليه وسلم" بعدما طافوا بالبيت، وسعوا بين الصفا والمروة،] أن يجعلوها عمرة، فأحل القوم، وتمتعوا].
[ ١ / ٢٥٣ ]
وبإسناده عن ابن عباس: أنه كان يأمر القارن أن يجعلها عمرة إذا لم يسق معه الهدي.
ولأنا إنما استحببنا فسخ الحج إلى العمرة؛ ليأتي بزيادة نسك، وهو الدم، وإذا كان قارنًا ففسخ أتى بزيادة، وهي إفراد العمرة عن أفعال الحج، والدم أيضًا.
واحتج بأنه لم يجز فسخ العمرة إلى الحج، كذلك ى يجوز فسخ الحج إلى العمرة.
والجواب: أنه إنما لم يتحلل من العمرة إلى الحج؛ لأن نيته لم تشتمل على أفعال الحج، ونية الحاج شملت أفعال العمرة.
ولأنه لا يجوز إدخال العمرة على الحج، ويجوز إدخال الحج على العمرة.
ولأنه لو أحرم بعمرة لم يجز أن يتحلل منها بحجة، ولو أحرم بحجة، ثم أحصر، جاز أن يتحلل بعمل عمرة، فبان الفرق بينهما. ولأنه لا يستفيد بذلك فائدة، وهاهنا يستفيد فضيلة التمتع.
واحتج بأن هذا فسخ الحج إلى العمرة، فلم يجز.
دليله: إذا ساق الهدي.
والجواب: أنه يبطل بالفسخ الذي كان في وقت النبي "ﷺ".
[ ١ / ٢٥٤ ]
ثم المعنى في الأصل: أن ذلك الفسخ لم يكن جائزًا في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وهذا كان جائزًا في وقته، فجاز في وقتنا هذا، كفسخ البيع بالإقالة.
ولأنه لو فسخ لتحلل من عمرته بمكة، فينحر بمكة، فتصير مكة محلًا للذبح، والمستحب أن ينحر بمنى، فيؤدي إلى مخالفة المسنون في الذبح، وهذا معدوم فيمن لم يسق الهدي، فبان الفرق بينهما.
واحتج بأنه فسخ حج، فلم يجز.
دليله: لو وقف بعرفة، ثم أراد الفسخ، او فسخ، لا بنية العمرة.
والجواب عنه إذا أراد الفسخ بعد الوقوف: إنما لم يصح؛ لأنه لم يكن جائزًا في وقت النبي "صل الله عليه وسلم"، وهذا الفسخ كان جائزًا في وقته.
ولأنه إذا فسخ قبل الوقوف استفاد به فضيلة التمتع، وهذا المعنى لا يحصل له بعد الوقوف؛ لأنه قد أدرك الحج.
وهكذا الجواب عنه أراد الفسخ لغير عمرة: لأنه لم يكن ذلك جائزًا في وقت النبي "صل الله عليه وسلم".
ولأنه لا يستفيد به فائدة، وهاهنا بستفيد به فضيلة التمتع، فبان الفرق بينهما.
[ ١ / ٢٥٥ ]
٤٦ - مسألة