نص عليه ف رواية المروذي فقال: إذا أراد الإحرام يستحب أن يغتسل، وأن يلبس إزارًا وردًا وردًاء، فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوي على راحلته، فيلبى بتلبية رسول الله ﷺ.
وقال- أيضًا- في رواية حنبل: إذا أراد الإحرام؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى، ثم أحرم إن شاء، وإذا استوى [على راحلته].
[ ١ / ١٦٧ ]
وكذلك نقل أبو طالب عنه قال: إذا أراد الإحرام استحب له أن يغتسل، ويلبس إزارًا وردًاء؛ فإن وافق صلاة مكتوبة صلى ثم أحرم، وإن شاء إذا استوى على راحلته، فلبى بتلبية النبي ﷺ.
وقال- أيضًا- في رواية ابن منصور- وقد سئل: تحرم في دبر الصلاة أحب إليك؟ -قال: أعجب إلي أن يصلي، فلا تأثير.
وهو اختيار الخرقي؛ لأنه قال: إذا بلغ الميقات فالاختيار له أن يغتسل، ويلبس ثوبين نظيفين، ويتطيب، فإن حضر وقت صلاة مكتوبة، وإلا صلى ركعتين، فإذا أراد التمتع، وهو اختيار أبي عبد الله﵀- فيقول: (اللهم إني أريد العمرة) ويشترط، فإذا استوي على راحلته لبي.
نص على أنه يحرم إذا صلى، ويلبي إذا استوي على راحلته.
وقال في رواية الأثرم: وقد سئل: أيما أحب إليك: الإحرام في
[ ١ / ١٦٨ ]
دبر الصلاة، أو إذا استوت به ناقته؟ فقال: كل قد جاء؛ دبر الصلاة، وإذا علا البيداء، وإذا استوت به ناقته، فوسع فيه كله.
وظاهر هذا: أنه مخير في جميع ذلك، وليس أحدهما بأولى من الآخر، والمذهب على ما حكينا، وأن المستحب أن يحرم دبر الصلاة.
وهو قول أبي حنيفة.
وقال مالك: إذا استوت به راحلته.
وقال الشافعي في القديم مثل قولنا، [وقال] في «المناسك الكبير»: إذا انبعثت به راحلته.
دليلنا: ما روى أبو بكر الأثرم في «مسائله» بإسناده عن سعيد بن جبير قال: ذكرت لابن عباس إهلال رسول الله ﷺ فقال: أوجب رسول الله ﷺ حين فرغ من صلاته، ثم خرج فلما ركب راحلته، واستوت به قائمة أهل، فأدرك ذلك قوم، فقالوا: أهل حين استوت به راحلته، وذلك أنهم لم يدكوا إلا ذلك، ثم سار حتى علا من البيداء، فأهل، فأدرك ذلك رجال، فقالوا: حين علا البيداء.
وهذا نص لا يحتمل التأويل، وبيان لوجوه اختلاف الرواة فيه، فكان تقديمه على غيره أولى.
وروي في حديث آخر عن ابن عباس: أنه قال: أهل رسول الله ﷺ في مسجد ذي الحليفة، وأنا معه، وناقة رسول الله ﷺ عند باب المسجد، وابن عمر معها، ثم خرج، فركب، فأهل، فظن ابن عمر أنه أهل
[ ١ / ١٦٩ ]
في ذلك الوقت.
وروى ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «أتأني آٍت من ربي وأنا بالعقيق، فقال لي: صل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: لبيك بعمرة في حجٍة».
ولم يجعل بين الصلاة والتلبية أمرًا فاصلًا.
ولأن التلبية ذكر أمر بتقديم الصلاة عليه، وكان فعله عقيبها أفضل من تأخيره عنها، كتكبيرات التشريق وخطبته.
فإن قيل: لا يصح] هذا على أصلكم [؛ لأن عندكم أن التلبية تتأخر عن عقد الإحرام، ويأتي بها إذا استوت به راحلته.
قيل له: إن كان الإحرام في مصر، فالتلبية تتأخر عنه؛ لما نذكره فيما بعد، وأنها لا تستحب] في الأمصار [.
وإن كانت في الصحراء أو البرية، فإنه يستحب ذكها عقيب الإحرام.
نص] عليه في رواية حرب [-وقد سأله عن الرجل إذا أحرم في
[ ١ / ١٧٠ ]
دبر الصلاة: أيلبي ساعة يسلم، أم متى؟ -قال:] يلبي متى شاء؛ ساعة [يسلم، وإن شاء بعد ذلك.
وسهل فيه.
واحتج المخالف بما روى الأثرم بإسناده:] أن ابن عمر [قال: لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى انبعث به راحلته.
رواه النجاد بإسناده عن ابن عمر، عن النبي صلى الله: أنه كان إذا استوب به] راحلته لبى.
وروى الأثرم [بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ أتى ذا الحليفة فبات بها حتى أصبح، فلما أصبح بها ركب، حتى إذا كان بظاهر البيداء، واستوت أخفافها، واعتدلت صدورها، ونظرت إلى الناس مد بصري أمامي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، ينزل القرآن، وهو يعلم تأويله، فنحن ننظر ما يصنع فنصنع، أخل رسول الله ﷺ، فأهللنا معه.
[ ١ / ١٧١ ]
وروى أحمد فيما ذكره الأثرم بإسناده عن أنس: أن النبي ﷺ صلى الظهر، ثم ركب راحلته، فلما علا جبل البيداء أهل.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن سعد قال: كان رسول الله ﷺ إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقبلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحٍد أهل إذا علا شرف البيداء.
والجواب: أن هذه الأخبار لا تعارض خبر ابن عباس؛ لأن الجماعة رووا في وقت عرفة [ما روى] ابن عباس، فساواهم، وانفرد بمعرفة إهلاٍل في وقت لم يعرفوه، فخبره زائد، فهو أولى.
فإن قيل: أخبارنا أولى؛ لأنها أكثر رواة، وابن عباس انفرد به.
قيل له: المثبت أولى من النافي، وإن كان النفي ترويه الجماعة.
فإن قيل: فأخبارنا يرويها الرجال، وابن عباس كان صبيًا.
قيل له: لا أحد يقدم خبر غيره عليه لهذه العلة.
[ ١ / ١٧٢ ]
وعلى أنهم رجَّحوا خبره في مسألة القرآن، فقالوا: هو من الأهل على رواية أنس، فكيف يجوز مناقضة ذلك؟!
فإن قيل: فقد تعارضت الرواية عن ابن عباس:
فروى أحمد فيما ذكره أبو بكر بإسناده عن قتادة، عن أبي حسان، عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، فأشعر صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم عنها، وقلدها نعلين، ثم دعا براحلته، فلما استوت على البيداء أهل بالحج.
قيل: هذا ليس بمعارض، وإنما بعض خبر سعيد بن جبير؛ لأنه بين في ذلك الخبر: أنه أهل عقيب الصلاة، وحين استوى على راحلته، وحين استوى على البيداء، فهذا بعض الخبر.
واحتج بأن الشافعي روى عن مسلم بن خالد، عن [ابن] جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن النبي ﷺ قال لهم: «إذا توجهتم إلى منى فأهلوا بالحج».
قالوا: وهذا بعد إهلاله بذي الحليفة، فيكون نسخًا.
والجواب: أن معناه: إذا أردتم الرواح، بدلالة: أنه لم يذكر الصلاة، ولا خلاف أن الصلاة تقدم على الإحرام، فعلم أنه قصد بهذا وقت الدخول، ولم يقصد به بيان كيفية الدخول.
[ ١ / ١٧٣ ]
وما ذكرناه أولى؛ لأن المحرم عقيب الصلاة أخشع منه عند الركوب، فإهلاله مع الخشوع أولى.
ولأن في الأصول ذكر عقيب الصلاة، وليس فيها ذكرًا يتعلق] بالتوجه، ولا بالإشراف [على البيداء، فكان إثبات ما له نظير أولى.
٣٥ - مسألة