ص عليه في رواية حنبل وعبد الله، فقال: لا بأس أن يتطيب قبل أن يحرم. وذهب فيه إلى الحديث.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يجوز، فإن فعله غسله واستدامه، ولا كفارة عليه.
دليلنا: ما روى ابن بطة في "سننه" بإسناده عن عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين [لـ] إحرامه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
وروي - أيضًا بإسناده عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يتطيب بالطيب عند الإحرام.
وروى بإسناده عن الأسود، عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم.
وقال مرة أخرى: وهو يلبي.
وروي في لفظ آخر عن مسروق، عن عائشة قالت: لقد رأيت
[ ١ / ٣٣١ ]
رسول الله ﷺ يلبي، وإني لأنظر إلى ويبص المسك في مفارقه.
وروى أبو بكر الخلال في "العلل" بإسناده عن ابن عباس: أنه سئل عن الطيب قبل الإحرام، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك قبل أن يحرم، أو طيب ذلك؟!.
فإن قيل: يحتمل أن يكون النبي ﷺ مخصوصًا بذلك، ولهذا قال: "حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب … ".
قيل له: فقد قال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا يقتضي مساواته.
فإن قيل: يحتمل أن يكون تطيب قبل الغسل، ثم اغتسل للإحرام، فزال ريحه، وبقي أثره، وقد روت عائشة قالت: طيبت رسول الله ﷺ، وطاف على نسائه.
ومعلوم أنه يغتسل بعد ذلك.
قيل له: قولها: (عند الإحرام) يقتضي معه.
ولأن العادة أن الطيب يكون بعد الغسل، ولأن وبيص الطيب
[ ١ / ٣٣٢ ]
لا يبقى بعد الغسل، ولأن الطيب معنى يراد به للاستدامة والبقاء، فإذا منع المحرم [من] ابتدائه لم يمنع من استدامته كالنكاح، وعكسه اللباس؛ لأنه لا يراد للاستدامة.
واحتج المخالف بما روى صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالجعرانة إذ أتاه أعرابي، وعليه جبة عليها ردع من خلوق، فقال: يا رسول الله! أحرمت بالعمرة، وعلي هذه، فما أصنع؟ قال: "انزع الجبة، واغسل الصفرة".
والجواب: أنه إنما أمره بغسل ذلك؛ لأنه كان عليه الزعفران، والرجل منهي عن المزعفر.
وعلى أن هذا المنسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة، والنبي ﷺ تطيب لإحرامه في حجة الوداع.
واحتج بما روي عن عمر: أنه أنكر على معاوية حيث رأى عليه ثوبًا مطيبًا.
والجواب: أنه إنما أنكر عليه خوفًا أن يراه الجاهل، ويظن أنه ابتدأ الطيب في إحرامه.
على أن هذا مذهب لعمر، وقد خالفه ابن الزبير، وابن عباس، وعائشة، ومعاوية، وأم حبيبة، وسعد بن أبي وقاص.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ذكره أبو بكر الخلال في كتاب "العلل".
واحتج بأن الطيب معنى يراد للترفه، فإذا منع المحرم من ابتدائه، منع من استدامته، كاللباس.
والجواب: أن اللباس لا يراد للاستدامة والبقاء، وإنما يراد للترفه والنزع، والطيب يراد للاستدامة والبقاء، فهو كالنكاح.
واحتج بأنه طيب فمنع من استدامته، كالطيب الذي له أثر.
والجواب: أن الأثرم ذكر في "مختصر الحج": تطيب بأي طيب الرجال شئت مثل الذريرة والمسك والعنبر والعود.
وهذا يدل على جواز ذلك، فلا نسلم الأصل.
واحتج بأنه إنما منع من الطيب في الإحرام؛ لئلا يدعوه ذلك إلى الوطء، وهذا موجود في استدامة الطيب.
والجواب: أنه منع المحرم من عقد النكاح؛ لئلا تدعوه نفسه إلى الوطء، ثم لا يمنع من استدامته.
٦٢ - مسألة