نص عليها في رواية حنبل، وعلي بن سعيد، والميموني:
[ ١ / ١٤ ]
فقال في رواية حنبل: إن صام كان أحوط له.
وظاهر هذا: أنه غير واجب.
وقال - أيضًا - في رواية الميموني: أكثرهم يوجب عليه الصيام مع الاعتكاف، إلا أن حديث عمر حين قال: نذرت أن أبيت ليلةً في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ: "أوف بنذرك".
وكان رأيت أبا عبد الله في هذا الموضع يجعله حجة لمن لم يوجب عليه الصيام.
وقال - أيضًا - في رواية علي بن سعيد: ومن يعتكف بالليل، فليس عليه صوم، ولكن يحتار للمعتكف أن يصوم.
وظاهر هذا: أنه غير واجب عليه الصوم، وبه قال الشافعي.
وروى الأثرم عنه - وقد سئل عن المعتكف: يصوم؟ - قال: نعم يصوم، هو أكثر ما جاء فيه، فعاوده السائل، فقال: نعم، إذا اعتكف وجب عليه الصوم.
ونقل حنبل عنه في موضع آخر - وقد سئل عن الاعتكاف في غير شهر رمضان - فقال: لا يكون إلا في شهر إلا النذر، فإن كان نذرًا فلا تأثير، وإنما الاعتكاف في شهر رمضان؛ لأنه لا اعتكاف إلا بصوم.
وظاهر هذا: أنه واجب فيه الصوم، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
[ ١ / ١٥ ]
وجه الرواية الأولى: ما روى حنبل بإسناده عن ابن عمر قال: كان على عمر ﷺ اعتكاف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فسأل النبيصلى الله عليه وسلم، وأمره النبي ﷺ: أن يعتكف، ويف [ـي] بنذره.
فوجه الدلالة: أنه أمره بالوفاء به في ليلة مفردة مع امتناع جواز الصوم في الليل، فدل على أنه ليس من شرطه الصوم.
فإن قيل: قد روي في خبر آخر: أنه قال: نذرت أن أعتكف يومًا وليلةً.
فيحمل الأمر على أنه سأله عن الأمرين، فقال: "أوف بنذرك"؛ يعني: في النهار الذي يصح فيه الصوم.
قيل له: المعروف ما ذكرناه، وما ذكروه لا يضر؛ لأنه يحتمل أن يكونا نذرين مختلفين:
أحدهما: ليلة مفردة، فأمره بالوفاء بها.
والآخر: يوم وليلة، فأمره بالوفاء.
وأيضًا روى أبو الحسن الدارقطني بإسناده عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: أنه قال: "ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه".
[ ١ / ١٦ ]
فإن قيل: هذا الخبر غير معروف عن ابن عباس، وإنما هو موقوف على علي، وقد روي عنه مثل مذهبنا.
قيل له: قد روينا [هـ] عن أبي الحسن مسندًا في "سننه"، وهو من علم الحديث بموضع.
فإن قيل: قد روي عن ابن عباس وابن عمر: أنها قالا: لا اعتكاف إلا بصوم، فلو كان الحديث صحيحًا لم يخالفه ابن عباس!
قيل له: مخالفة الراوي للحديث لا تدل على ضعفه؛ لجواز أن يكون قد نسي سماعه.
ولهذا قلنا في قول ابن عباس: (بيع الأمة طلاقها): لا يمنع الاحتجاج بروايته عن النبي ﷺ: أن عائشة اشترت بريرة، فأعتقتها، فخيرها رسول الله.
ولو كان بيع الأمة طلاقها لما خيرها رسول الله، فتركنا قول ابن عباس، واحتججنا بروايته.
فإن قيل: يحتمل أن يكون معناه: ليس على من يلبث في المسجد ويقعد فيه صوم، إلا أن يوجب الاعتكاف على نفسه، فحينئذ يلزمه الصوم.
[ ١ / ١٧ ]
قيل له: من يلبث في المسجد، ولا يعتقد الاعتكاف، لا يكون معتكفًا، والنبي ﷺ نفى الصيام عمن هو معتكف بقوله: "ليس على المعتكف صوم" فاقتضى ذلك النفي عن المعتكف اعتكافًا شرعيًا.
فإن قيل: يحتمل أن يريد به: ليس على المعتكف في رمضان صوم آخر لأجل الاعتكاف.
قيل له: النفي عام يقتضي ليس عليه صوم؛ لا لأجل الاعتكاف، ولا لغيره.
على أنه قد يلزم المعتكف صوم لأجل الاعتكاف، وهو أنه إذا نذر اعتكاف شهر غير رمضان، فإنه يلزمه اعتكاف شهر وصومه، وهذا الصوم إنما لزمه لأجل الاعتكاف.
والقياس: أنها عبادة يصح استفتاحها بالليل، فوجب أن لا يكون الصوم شرطًا في صحتها.
أصله: الصلاة والحج والعمرة والزكاة والطهارة.
ولا يلزم عليه من نذر أن يعتكف شهرًا بصوم: أنه يصح، بل الاعتكاف صحيح، ولكن لا يجزئ عن فرضه؛ كما إذا نذر اعتكاف شهر متتابع، فاعتكف شهرًا متفرقًا، فإنه يكون اعتكافًا صحيحًا، ولكن لا يعتد به عن نذره، كذلك هاهنا.
فإن قيل: قد اتفقنا على الفرق بين الاعتكاف وبين سائر العبادات؛
[ ١ / ١٨ ]
لأنكم تقولون: الصوم مشروع فيه استحبابًا، ونحن نقول: وجوبًا، وليس كذلك سائر العبادات؛ لأنه ليس بمشروع ولا واجب، فبان الفرق بينهما.
قيل له: هذا لا يمنع صحة الاعتبار؛ لأن الصلاة يستحب لها كمال اللباس، وما زاد على ستر العورة ليس بشرط فيها؛ كما ليس بشرط في صحة سائر العبادات، وافتراقهما في استحباب كمال اللباس لا يوجب افتراقهما في الإيجاب.
فإن قيل: يجوز أن يكون ابتداء الاعتكاف يخلو من الصوم، ويكون شرطًا في استدامته؛ كما كانت القراءة شرطًا في استدامة الصلاة دون ابتدائها.
قيل له: القراءة ليست بشرط، وإنما هي ركن من أركان الصلاة كالركوع والسجود، وأما ما كان شرطًا، فابتداؤها واستدامتها فيه سواء، كاستقبال القبلة وستر العورة.
ولأن ما لم يكون شرطًا في صحة الاعتكاف بالليل لم يكون شرطًا فيه بالنهار، وقياسًا على سائر الأذكار والأفعال، وعكسه الكون في المسجد والإيمان والعقل.
[ ١ / ١٩ ]
فإن قيل: ليس من حيث لم يكن شرطًا ليلًا يجب أن يكون نهارًا؛ كما أن اللبث في المسجد ليس بشرط في حال خروجه لحاجة الإنسان، وهو شرط في حالة أخرى، كذلك هاهنا.
قيل له: حاجة الإنسان يستوي فيها الليل والنهار، وكان يجب - أيضًا - أن يستوي في ذلك الليل والنهار.
فإن قيل: الصوم يصح بالنهار، ولا يصح بالليل، فجاز أن يشترط في أحدهما، ولا يشترط في الآخر.
قيل له: الصوم يصح في صلاة النهار، ولا يصح في صلاة الليل، وهما متفقان في أن الصوم ليس بواجب في أحدهما، وكذلك التسبيح وقراءة القرآن والصلاة تصح بالنهار، وليس بشرط فيه.
ولأن الليل زمان يصح فيه الاعتكاف، فجاز إفراده بالاعتكاف كالنهار.
وقد قيل: إن الصوم عبادة مقصودة في نفسها من فروع الدين، فلم يكن شرطًا في صحة عبادة أخرى؛ كالصوم مع الصلاة، والصلاة مع الحج.
ولا يلزم عليه الإيمان؛ لقولنا: من فروع الدين.
فإن قيل: الاعتكاف لا يكون عبادة إلا بالصوم، فلا معنى لقولك: وجب أن لا يكون الصوم شرطًا في عبادة أخرى.
قيل له: كون الصوم شرطًا فيها عندك لا يمنع أن يكون عبادة بنفسه؛
[ ١ / ٢٠ ]
كالصلاة من شرطها التيمم، ثم لا يخرج أن يكون كل واحد منهما عبادة، وكذلك من شرط صحة الصلاة الإيمان، وكل واحد منهما عبادة منفردة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: ﴿وأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
والاعتكاف لفظ شرعي مفتقر إلى البيان، والله - تعالى - لم يبين صفته، فاجتجنا إلى بيان من غيره، فوجنا النبي ﷺ لم يعتكف إلا بصوم، فيكون فعله بيانًا للجملة المذكورة في الكتاب، وفعله إذا وقع موقع البيان كان كالوجود في لفظ الآية، ولو وجد في لفظها كان الصوم شرطًا في الاعتكاف، كذلك إذا ثبت بفعله.
والجواب: أن النبي ﷺ قد بين الواجب وبين المستحب، فيحمل هذا على بيان الاستحباب دون الإيجاب، كما ذكرنا.
واحتج بما روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا اعتكاف إلا بصوم".
وروي موقوفًا على عائشة.
والجواب: أنه محمول على أن لا اعتكاف كامل إلا بصوم، كما قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، و"لا صلاة لجار المسجد إلا في
[ ١ / ٢١ ]
المسجد"، ونحو ذلك.
واحتج بما روي عن عمر: أنه قال: يا رسول الله! إني نذرت أن أعتكف يومًا في الجاهلية، فقال له النبي: ﷺ"اعتكف، وصم".
وقال عمر: (في الجاهلية) قالوا: معناه: أنه نذر قبل فتح مكة في حال كان أهلها في الجاهلية، وليس معناه: أنه نذر في حال الشرك؛ لاتفاقهم على: أن من نذر في حال الكفر أن يعتكف لم يلزمه بعد الإسلام شيء.
والجواب: أننا نحمل قوله: "وصم" على طريق الاستحباب دون الإيجاب، بدليل ما تقدم.
واحتج بأن ما ليس له أصل في الفرض لا يلزم بالنذر، بدليل: أنه لو قال: لله علي أن أقعد في الشمس، أو أعود مريضًا، أو أدخل هذه الدار، لم يلزمه شيء.
واتفقوا على: أن الاعتكاف يلزم بالنذر، وليس له أصل في
[ ١ / ٢٢ ]
الفرض، فعلم: أنه إنما يلزم لما يتضمن ما له أصل في الفرض، وهو الصوم.
ولا يلزم عليه العمرة؛ لأن العمرة هي الصواف والسعي، ولهما أصل في الفرض، وهو الحج، وإذا فاته الحج وجب عليه التحلل منه بالطواف والسعي.
والجواب: أن له أصلًا في الفرض، وهو الوقوف بعرفة.
فإن قيل: الوقوف ليس من شرطه اللبث؛ لأنه لو مر بها مارًا، ولم يلبث، جاز.
قيل له: إلا أن الكون شرط فيه.
وعلى أنه قد يلزم بالنذر ما كان قربة، وإن لم يكن له أصل في الفرض، بدليل: أنه لو نذر عيادة المرضي، والصلاة على الجنازة، وأن يهدي داره وعبده، لزم بالنذر، وإن لم يكن له أصل في الفرض، كذلك النذر لا يمتنع أن يلزم بالنذر لكونه قربة، وإن لم يكن له أصل بالفرض.
واحتج بأنه لبث في مكان مخصوص، فوجب أن لا يكون قربةً إلا بانضمام معنى آخر إليه، كالوقوف بعرفة.
والجواب: أنا نقلبه، فنقول: وجب أن لا يكون من شرطه الصوم، ودليله: الوقوف.
فإن قيل: ليس هذا القلب من ضد الحكم الذي علقناه على علتنا.
قيل له: إلا أنك تصرح بالمقصود؛ لأن المقصود هاهنا إثبات
[ ١ / ٢٣ ]
الصوم ونفيه، ونحن صرحنا به، وكان أولى، مع انا نقول بموجب هذه العلة، وهو: أنه لا يكون قربة إلا بانضمام معنى آخر، وهو النية.
فإن قيل: تريد أنه لا يصير قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه، ويكون ذلك المعنى قربة.
قيل له: فالنية عندنا قربة.
على أنهم لا يجدون هذا المعنى في الأصل؛ لأن الإحرام هو اعتقاد مثل النية سواء.
٤ - مسألة