نص عليه في رواية أبي طالب وسندي، فقال: من أحرم بالحج
[ ١ / ١٤٧ ]
في غير أشهر الحج، لزمه الحج، إلا أن يريد فسخه بعمرة، فله ذلك.
وكذلك نقل عبد الله: إذا حرم بالحج في غير أشهره يجعلها عمرة.
فقد نص على انعقاده، وأجاز له فسخه إلى العمرة وبناء على أصله في جواز فسخ الحج إلى العمرة.
ونقل ابن منصور عنه: إذا أهل بالحج قبل أشهره فهو مكروه.
وأراد بهذا كراهية تنزيه.
وهو قول أبي حنيفة، ومالك.
وقال الشافعي وداود: لا ينعقد الحرام بالحج في غير أشهره، وتكون عمرة.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩] فجعلها مواقيت للحج، كما جعلها مواقيت للناس، وكما أن جميعها للناس، وجب أن يكون جميعها للحج.
فإن قيل: الله- تعالى- جعل الأهلة للناس والحج، فيجب أن تكون بينهما نصفين. كما لو قال: (هذا الثوب لفلان وفلان) أنه يكون بينهما.
قيل له: اتفقوا أن الأهلة كلها مواقيت للناس، فيجب أن
[ ١ / ١٤٨ ]
تكون مواقيت للحج.
على أنا لو أجبناك إلى ما دعوتنا إليه لم يضرنا؛ لأنا إذا جعلنا نصف الأهلة للحج، ثبت جواز الإحرام قبل شوال بأشهر، ومخالفنا يمنع جوازه قبل شوال.
فإن قيل: إذا شرع الله التوقيت أقتضى الجواز والإباحة، فأما الكراهة فلا، وعندكم يكره الإحرام في غير أشهره.
قيل له: الكراهة لا ترجع إلى الوقت، وإنما ترجع إلى معنى أخر، وهو الدخول في الخلاف، أو خوف مواقعه المحظور.
والقياس: أنه زمان يصلح لإحرام العمرة، فوجب أن يصلح لإحرام الحج.
دليله: أشهر الحج.
فإن قيل: العمرة غير مؤقتة بأشهر الحج، فجاز تقديمها عليه، وليس كذلك الإحرام بالحج؛ فإنه مؤقت بأشهر الحج، فلم يجز تقديمه عليه، كما لا يجوز [تقديم] سائر أفعال الحج.
قيل له: أفعال الحج مؤقتة بأشهر الحج، كالوقوف، والطواف الفرض، والرمي، والإحرام متميز من الأفعال؛ لأنها لا تتعقبه، فيصير كنية الصوم، والوضوء للصلاة.
[ ١ / ١٤٩ ]
فإن قيل: [العمرة] لا يتأفت إحرامها، والحج تتأفت أركانه، فتأفت إحرامه.
قيل له: أركان الحج فيها ما يتوقف، وفيها ما لا يختص فعله بوقت، وهو طواف الزيارة، فلم توجب اعتبار الإحرام بما يتوقف دون ما لا يتوقف؟
فإن قيل: المعنى في أشهر الحج: أنها زمان للتمتع، فلهذا انعقد الإحرام بها، وليس كذلك غيرها؛ لأنه ليس بزمان للتمتع.
قيل له: التمتع هو الجمع بين أفعال العبادتين، وأفعال الحج لا تصح في غير الأشهر؛ فلذلك لم يصح التمتع، وليس إذا لم يصلح الوقت للجمع، لم يصلح للإفراد، كوقت الصلاة.
فإن قيل: العمرة عبادة لا يلحقها الفوات، فلم يكن لها وقت معين، والحج لما لحقه الفوات كان له وقت معين، كالجمعة.
قيل له: علة الأصل تبطل بالطواف؛ فإن الفوات لا يلحقه؛ لأنه لو خرجت أيام التشريق فعله، ولا دم عليه، ومع هذا أول وقته معين، وهو يوم النحر.
[ ١ / ١٥٠ ]
وأما علة الفرع فيأتي الكلام على أصلها، وأنه أحد طرفي الحج، فوجب أن يجوز في غير أشهر الحج.
دليله: الطواف الثاني.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون الطرف الثاني في غير أشهره، والأول في أشهره، كالطرف الثاني من الجمعة يصح في وقت العصر، ولا يصح الأول فيه، وكذلك العدة والردة، والإحرام لا تمنع استدامته الإحرام، ويمنع ابتداؤه.
قيل له: عند مخالفنا لا يصح فعل الطرف الأول منها في وقت العصر، ولا يصح بقاء الثاني فيه، والعمرة يصح الطواف الأول منها في الوقت الذي يصح الثاني.
على أن الصلاة يجوز أن يقع الطرف الثاني في غير وقتها، كما [لو] قالوا في صلاة المغرب: يقع طرفها الثاني في غير وقتها إذا استدام الصلاة إلى غيبوبة الشفق؛ لأن تلك حال ضرورة بفوات الوقت، فأما يوم النحر فإنه وقت للطرف الثاني حال الاختيار وحالة الابتداء، فبان الفرق.
[ ١ / ١٥١ ]
ولأنه لو كان الإحرام مؤقتًا لوجب أن يتراخى موجبه عنه، ألا ترى أن إحرام الصلاة لما كان مؤقتًا كان موجبه من فرضه متصلًا به، ولم يتراخ عنه، فلما اتفقنا على أن الأفعال الموجبة بأفعال الحج يجوز أن تتراخى عنه، وجب أن لا يكون الإحرام مؤقتًا، كالعمرة، والطهارة.
وأيضًا للحج ميقاتان:
أحدهما: المكان.
والآخر: الزمان.
ثم اتفقوا على جواز تقديم الإحرام على الميقات؛ الذي هو المكان، وجب أن يجوز تقديمه على الميقات؛ الذي هو الزمان.
فإن قيل: ميقات المكان ضرب لئلا يتجاوز قبل الإحرام، فلم يجز التجاوز، كذلك ميقات الزمان ضرب لئلا يتقدم عليه بالإحرام، وجب أن يحرم التقدم، كما حرم التجاوز في ميقات المكان.
قيل له: إلا أنه إن خالف وتجاوزه انعقد إحرامه مكروهًا، وإن كان ممنوعًا منه، كما انعقد إحرامه بعد مجاوزته، وإن كان ممنوعًا منه.
فإن قيل: لما جاز تقديم الإحرام على المكان، لم يجز تأخيره، ولما جاز تأخير الإحرام عن أول الشهر، لم يجز تقديمه.
قيل له: لا فق بينهما؛ لأنه يجوز تقديم الإحرام على الميقات،
[ ١ / ١٥٢ ]
وتأخيره عن أول حدود الميقات إلى آخر حده، ولا يجوز تأخيره عن جميع حدوده.
كذلك يجوز تقديمه على الأشهر، وتأخيره عن أولها، ولا يجوز أن يتأخر لهذه السنة عن جميعها.
فإن قيل: ميقات الزمان لا يختلف في حق الجميع، كما لا يختلف ميقات المكان والزمان في الوقوف، والطواف، والرمي، ويخالف ميقات المكان في الإحرام؛ لأنه يختلف في حقوق الناس؛ فإن لكل أهل ناحية ميقاتًا مخالفًا لميقات أهل ناحية أخرى، وكان إلحاق ميقات زمان الإحرام من ميقات الوقوف، والطواف، والرمي، والسعي أولى.
قيل له: تلك المناسك يستوي فيها ميقات المكان والزمان في البطلان عند المخالفة، وفي الصحة عند الموافقة، يجب- أيضًا- أن يستوي في الإحرام ميقات المكان والزمان، فيصح مع الموافقة، ويكره مع المخالفة.
وعلى أنهم تساووا في ميقات الزمان؛ لأن الوقت يجمعهم، ولا يجمعهم ميقات واحد؛ لاختلاف طرقهم وبلادهم.
واحتج المخالف بقوله تعالى:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [، ومعناه: وقت إحرام الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف] على عادة العرب في كلامها.
[ ١ / ١٥٣ ]
ومن [ذلك قوله تعالى:﴾ ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ ﴿.
وقوله تعالى:﴾ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿] الواقعة: ٥٥ [؛ أي: مثل شرب الهيم.
وقوله:﴾ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴿] آل عمران: ١٣٣ [؛ أي مثل السموات والأرض.
وقوله:﴾ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ﴿[يوسف: ٨٢]؛ أي أهل القرية.
وإذا كان كذلك، دل على أن الإحرام مؤقت بأشهر معلومات، فمن جعل جميع السنة وقتًا له، فقد خالف الظاهر.
والجواب: أن الآية لا حجة له فيها؛ لأنا قد علمنا أن فيها إضمارًا، وأن تفسير الأشهر لا يكون حجًا، والمضمر متنازع فيه، فنحن نضمر الفضيلة ونفي الكراهة، ومخالفنا يضمر الجواز، فسقط التعلق بالظاهر؛ لأن المضمرات لا يدعى فيها العموم.
وقد قيل: إنه يمكن استعمال الآية من غير حذف، ويكون قوله:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [كقولهم: [هذا] الشعر، معناه: أنه أفضل الشعر وأحسنه، ولا ينفي ذلك شعر غيره، ومن يستعمل الآية من غير تقدير حذف فهو أولى.
[ ١ / ١٥٤ ]
وجواب آخر، وهو: أنهم يضمرون إحرام الحج في أشهر معلومات، ونحن نضمر أفعال الحج تقع في أشهر معلومات، وهو الطواف، والسعي، والوقوف، ولم نرد به أن جميع الحج يقع فيها، وهذا كما قال ﵇: «الحج عرفة»، ولم يرد به أن جميع الحج يقع في يوم عرفة؛ لجواز الطواف والسعي عليه، ووجوب تأخير طواف الزيارة عنه، وإنما أراد أن معظم أركان الحج والمقصود منه يقع فيه.
وقيل في معنى الآية﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿] البقرة: ١٩٧ [: ومعناه: أن الحج المقصود المأمور به هو ما وقع ف أشهر، كما تقول: (القتال قتال العرب) ولا ينفي ذلك] وجود القتال من غيرهم [.
وقيل: إن الله- تعالى- ذكر التمتع بقوله:﴾ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴿] البقرة: ١٩٦ [الآية، ثم قال بعد ذلك:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ ﴿يعني: الحج الذي يكون به متمتعا، وعندنا: أن الحج الذي يكون به متمتعًا ما وقع في الأشهر.
فإن قيل: أفعال الحج لا تقع في شهور، وإنما تقع في يوم.
قيل له: الطواف، والسعي من أفعاله، وتقع في جميع شهور
[ ١ / ١٥٥ ]
الحج، وجميع السنة.
واحتج بأن الحج مجمل في الكتاب، مفتقر إلى البيان، وفعل النبي ﷺ إذا ورد في هذا الباب، فإنما يرد على وجه البيان، وفعله إذا ورد مورد البيان كان على الوجوب.
وقد روي: أن النبي ﷺ أحرم في أشهر الحج.
والجواب:] أن النبي ﷺ [قد بين الواجب، وبين المستحب.
] واحتج بقول النبي ﷺ [: «خذوا عني مناسككم»، والإحرام من المناسك، وقد فعله في هذه الأشهر، فيجب أن نأخذ به.
والجواب: أن وجوب الأخذ منه ليس يختص بالواجب دون المسنون؛ لأنه يجب علينا أن نأخذ منه المسنون، كما نأخذ الواجب.
واحتج بما روى النجاد بإسناده عن مقسٍم، عن ابن عباس قال: من السنة ألا يهل بالحج إلا في أشهر الحج.
وبإسناده عن ابن الزبير، عن جابر قال: لا يحرم المحرم إلا في أشهر الحج.
والجواب: أن هذا محمول على طريق الاستحباب.
وعلى أنه قد روي عن عمر وعلي: «إتمامهما أن تحرم بهما من
[ ١ / ١٥٦ ]
دويرة أهلك»، ومن بعدت داره من مكة لا يحرم من دويرة أهله في الأشهر الحرم.
واحتج بأن يوم النحر وقت لفوات العبادة، فلم ينعقد إحرامها فيه، كالجمعة في وقت العصر.
والجواب: أن الجمعة لا يجوز أن تبقى أركانها عندهم إلى وقت العصر، فلم تنعقد فيه،] و[الحج من [صريح] ركنه أن يفعل يوم النحر، فلذلك انعقد فيه.
واحتج بأن الإحرام ركن من أركان الحج، فوجب أن لا يجوز فعله قبل أشهر الحج، كالوقوف بعرفة.
والجواب: أن الوقوف ليس في طرف الحج، فاختص بأشهر الحج، وليس كذلك الإحرام؛ لأنه أحد طرفي الحج، فوجب ألا يختص بأشهر الحج، كالطواف.
واحتج بأنه نسك لا يتم الحج إلا به فكان مؤقتًا، كالوقوف، والطواف، والرمي.
ولا يلزم عليه السعي؛ فإنه مؤقت؛ لأنه لا يجوز إلا بعد
[ ١ / ١٥٧ ]
الإحرام، وبعد الطواف.
والجواب: أن الوقوف، والطواف، والرمي لما اختص بمكان لا يجوز التقدم عليه، كذلك يختص بوقت لا يجوز التقدم عليه،] أما الإحرام فلما جاز أن يتقدم على مكانه [، جاز أن يتقدم على وقته أيضًا.
واحتج بأنه نسك لا يجوز تأخيره عن وقته، فلا يجوز تقديمه عليه. أصله: الوقوف، والرمي.
والجواب: ما تقدم.
واحتج بأنها عبادة أفعالها مؤقتة، فوجب أن يكون إحرامها مؤقتًا، كالصلاة.
وعبارة أخرى: الحج عبادة يلحقها الفوات، فوجب أن يكون الدخول فيها مؤقتًا، كالصلاة.
والجواب: أن الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الصلاة يصح فيه إحرامها، فيجب أن يكون الوقت الذي يصح فيه أحد فروض الحج يصح فيه الإحرام بالحج.
وعند مخالفنا لا يصح؛ لأن أحد فروضه يقع في أيام النحر، ولا يصح الإحرام بالحج في يوم النحر عنده، مع أنه قد قيل: الإحرام لا يفوت، وإنما يفوت الوقوف.
[ ١ / ١٥٨ ]
وجواب آخر، وهو أن تحريمه الصلاة تتصل أفعالها بها، ولا تتراخى عنها، فلم يجز أن تتقدم على وقت الأفعال، وأفعال الإحرام تتأخر عنه، فجاز أن يفعله قبل الوقت، كالطهارة.
واحتج بأنها عبادة لا تفعل في السنة إلا مرة، فكان وقت التلبس بها محدودًا، كالصوم.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو: أن الصوم لا تتراخى أفعاله عن الدخول، فلم يجز التلبس به في عير وقت فعله، والحج تتراخى أفعاله عن وقت الدخول فيه، كالطهارة،] ونية الصوم [.
واحتج بأنه لو كان ابتداء إحرام الحج في غير أشهر الحج، لوجب- إذا فاته الوقوف-] أن يبقى على [إحرامه إلى السنة القابلة؛ ليؤدي به موجباته.
ألا ترى أنه لما جاز ابتداء إحرام صلاة الظهر بعد فوات وقتها، جاز البقاء عليه؛ ليؤدي به موجباته.
فلما لم يجز البقاء على إحرام الحج بعد الفوات، ولزمه التحلل
[ ١ / ١٥٩ ]
منه، لم يجز ابتداؤه فيه.
والجواب: أنه لما لم يجز [له أن] يبقى على ذلك الإحرام إلى السنة القابلة؛ لأنه أوجب عليه الوقوف بعرفة في تلك السنة، فإذا فاته وقت الوقوف لم يمكنه أن يؤدي به موجب الإحرام في السنة الثانية، فلزمه التحلل منه بعمل عمرة.
وليس كذلك إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج؛ لأنه يمكنه أداء موجب الإحرام؛ لأن وقته لم يفت.
على أن هذا دلالة لنا؛ لأنه إذا فاته الحج، فإن إحرامه لا يبطل، فهو باق ما لم يتحلل منه بعمل عمرة، فلو كان الوقت منافيًا لإحرام الحج لما صح بقاؤه فيه، كما أن وقت العصر لما كان منافيًا لإحرام الجمعة عندهم لم يصح بقاؤه فيه.
وجواب آخر، وهو: أنه إذا فاته الحج انقطع إحرام الحج، وتحول إحرام عمرة، وإذا كان كذلك امتنع بقاؤه؛ لأنه قد تحول من طريق الحكم إلى عمرة.
وهذا جواب جيد.
[ ١ / ١٦٠ ]
٣٣ - مسألة