تبرز أهمية موضوع الدراسة والتحقيق من عدة جهات:
الأولى: أنه جزء من سِفْرٍ عظيم، تصدى فيه مؤلفه لذكر الخلاف في المسائل التي يعرضها بين أئمة المذاهب الأربعة، وغيرهم، فجمع فيه من المسائل الشيء العظيم.
الثانية: أن مؤلفه متقدم في زمانه، وله المكانة العلمية التي لا تخفى، حيث انتهت إليه رئاسة المذهب الحنبلي في وقته، فكان لترجيحاته، وآرائه، ونقولاته شأن كبير.
الثالثة: أهمية هذا الكتاب، وذلك من وجوه:
_________________
(١) ينظر على سبيل المثال: المدخل المفصل (٢/ ٧٠٩)، والمذهب الحنبلي (٢/ ٨٠)، وكتب الفقه الحنبلي وأصوله المخطوطة ص ٣٨.
[ ١ / ١٢ ]
١ - حِرْصُ العلماء من قديم الزمان على اقتناء هذا الكتاب، والثناء عليه - كما سيأتي -.
٢ - استفادة أهل العلم منه، والإحالة عليه، فقلَّ أن تجد كتابًا من كتب الحنابلة ممن عُنيت بالخلاف إلا وفي مقدمة الكتب التي نَقَل عنها العلم كتاب "التعليق الكبير".
٣ - توصية أهل العلم به، والإرشاد إليه؛ فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) عن معرفة المذهب في مسائلَ، الخلافُ فيها مطلق في "الكافي" و"المحرر" و"المقنع" و"الرعاية"، وغيرها، فقال: (طالب العلم يمكنه معرفة ذلك من كتب أُخَر، مثل كتاب "التعليق" للقاضي، و"الانتصار" لأبي الخطاب … وغير ذلك من الكتب الكبار التي يُذكر فيها مسائل الخلاف، ويُذكر فيها الراجح) (^٢).
_________________
(١) هو: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، قال ابن رجب: (الإمام، الفقيه، المجتهد، المحدث، الحافظ، المفسر، الأصولي، الزاهد … شيخ الإسلام وعلم الأعلام، وشهرته تغني عن الإطناب في ذكره، والإسهاب في أمره)، اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، كان من أئمة السنة الذابين عنها، سجن بسبب ذلك مرات عدة، من مؤلفاته: منهاج السنة، ودرء تعارض العقل والنقل، والاستقامة، وغيرها، توفي - ﵀ - سنة ٧٢٨ هـ. ينظر: الذيل على الطبقات (٤/ ٤٩١).
(٢) ينظر: الإنصاف (١/ ٢٦)، بل قال ابن بدران - ﵀ -: (وأجمع ما رأيته =
[ ١ / ١٣ ]
٤ - اعتناء العلماء بتلخيص الكتاب، وهذا دليل على أهميته (^١).
٥ - اعتناء أهل العلم بتخريج أحاديثه، والحكم عليها؛ فقد اعتنى بتخريج أحاديثه، وبيان حكمها: ابن الجوزي (^٢) - ﵀ - في كتابه: "التحقيق في أحاديث التعليق".
الرابعة: كونه في بعض أحكام الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد التوحيد؛ فإن الجزء الذي سأتناوله بالتحقيق والدراسة يبدأ من أول مسألة الترتيب بين الصلوات مع سعة وقت الحاضرة، وحتى نهاية مسائل الجمعة.
* * *
_________________
(١) = لأصحابنا في هذا النوع - أي: كتب الخلاف - "الخلاف الكبير" للقاضي أبي يعلى). ينظر: المدخل ص ٤٥٢.
(٢) ذكر ابن رجب في ترجمة يعقوب بن إبراهيم العكبري أن له: (التعليقة في الفقه)، وقال: (وهي ملخصة من تعليقة شيخه). ينظر: الذيل على الطبقات (١/ ١٦٨)، والمتأمل لكتاب الانتصار لأبي الخطاب يجده - في الجملة - مأخوذًا من "التعليق الكبير".
(٣) هو: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، أبو الفرج، قال عنه الذهبي: (الشيخ الإمام العلامة، الحافظ المفسر، شيخ الإسلام، مفخر العراق)، له مصنفات كثيرة منها: زاد المسير، والتحقيق، والموضوعات، ومناقب الإمام أحمد، وغيرها، توفي سنة ٥٩٧ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، والذيل على الطبقات (٢/ ٤٥٨).
[ ١ / ١٤ ]