الأدلة على ذلك كثيرة، أقتصر على بعضها:
١) - المقارنة بين ما حُقِّق من المخطوط في الرسالتين السابقتين للدكتور العمري، والدكتور الدخيل، وبين هذا المخطوط يتبين أن أسلوبهما واحد لا يختلف، من حيث عرض المسألة، والمناقشة للأدلة، بل مما يزيد الأمر وضوحًا: ترتيب الأجزاء في المخطوط الذي قمتُ بتحقيقه مع المخطوط الذي تم تحقيقه من قبل؛ حيث إن هذا المخطوط يتخلله بعض الأجزاء؛ كالجزء الرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر، وهكذا من الأجزاء التي وضعها المؤلف إلى الجزء الحادي والعشرين، ثم بعده كتاب الزكاة، والصوم، وهما ضمن المفقودات، ثم بعدهما الحج، ويتضمن - كما في المخطوط - الجزء الثاني والثلاثين وما بعده، وفي مخطوط البيوع يأتي الجزء التاسع والثلاثون، ثم الجزء الأربعون، وهكذا، فهذا الترتيب في الأجزاء يفيد أن هذا المخطوط واحد، وأنه التعليق الكبير.
٢) - الأحاديث التي أوردها المؤلف في الجزء المخطوط هي التي
[ ١ / ٦٣ ]
بحثها ابن الجوزي في كتابه "التحقيق"؛ مما يدل على أن المخطوط جزء من كتاب التعليق لأبي يعلى، بل إن ابن الجوزي - ﵀ - قبل بحثه للأحاديث يذكر أول المسألة، والتي هي رأس المسألة في المخطوط، مثال ذلك:
١ - مسألة: الركبة ليست بعورة، هي في لوح ٩ من المخطوط، ذكرها ابن الجوزي، وخرج أحاديثها في كتابه "التحقيق" (٢/ ٣٤٦).
٢ - مسألة: في سورة الحج سجدتان، ذكر ابن الجوزي أول المسألة، ثم أتبع ذلك بتخريج أحاديثها كما في كتابه "التحقيق" (٣/ ٢١٨)، وهي موجودة بنصها في "التعليق" في لوح ٣٣.
٣ - مسألة: إذا صلى الكافر، حُكم بإسلامه، ذكر ابن الجوزي رأس الخلاف في المسألة الموجود في المخطوط لوح ١٣٣، وخرج الأحاديث الواردة في كتابه (٤/ ٦١).
٣) - أن كثيرًا من أقوال القاضي - التي أودعها في التعليق - ينقلها علماء الحنابلة في كتبهم، ويشيرون إلى نقلها عن القاضي، وكتابه "التعليق"، من أمثلة ذلك:
* ابن قدامة - ﵀ - (^١) في كتابه "المغني" تجده ينقل عن أبي
_________________
(١) هو: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي، كان من أئمة الحنابلة، وشيوخ المذهب، ألف الكثير من الكتب، منها: المغني، والكافي، وروضة الناظر، وغيرها، توفي =
[ ١ / ٦٤ ]
يعلى، ويشير إلى ذلك، مثال ذلك:
١ - مسألة: ستر المنكبين في الصلاة؛ فقد نقل ابن قدامة بالنص (٢/ ٢٩٠) ما نقله القاضي عن الإمام أحمد في رواية مثنى بن جامع الأنباري، وما فهمه القاضي منها، علمًا أنه موجود بحروفه في لوح ١٣ من المخطوط.
٢ - مسألة: الرش على بول الغلام؛ فقد ذكر ابن قدامة (٢/ ٤٩٥) كلام القاضي حول هذه المسألة، الذي هو موجود في المخطوط لوح ٧٨.
٣ - مسألة: الأنين في الصلاة؛ فقد نقل ابن قدامة (٢/ ٤٥٣) كلام القاضي حولها؛ كما هو موجود بنصه في المخطوط لوح ١٥١.
* ابن مفلح - ﵀ - (^١) في بعض كتبه ينقل عن القاضي ما كتبه في التعليق، مثال ذلك:
١ - نقل نص القاضي كما هو موجود في المخطوط لوح ١٨؛ حيث قال: (وقيل للقاضي: لو صلى في بَراح لرجل ليس عليه ستر، فقال:
_________________
(١) = - ﵀ - سنة ٦٢٠ هـ. المقصد الأرشد (٢/ ١٥)، وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٦٥).
(٢) هو: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مُفرِّج المقدسي، شيخ الحنابلة في وقته، كان بارعًا في الفروع، عارفًا للخلاف، من مؤلفاته: الفروع، والآداب الشرعية، توفي - ﵀ - سنة ٧٦٣ هـ. ينظر: المقصد الأرشد (٢/ ٥١٧)، والسحب الوابلة (٣/ ١٠٨٩).
[ ١ / ٦٥ ]
لا رواية فيه، ويحتمل أن نسلّمه؛ لأن الظاهر أن مالكه لا يمنع). "الفروع" (٢/ ٤٩).
٢ - نقل كلام القاضي في مسألة الجمع بين الصلاتين لأجل الوَحَل، فقال: (وقاسه القاضي وغيره على الجمع لهما للوحل، مع أنه قال بعد هذا: الوحل عذر في الجمع، وذكر رواية أبي طالب المذكورة، قال: فقد جعله عذرًا في إسقاط الجمعة، واحتج بخبر ابن عمر … قال: فإذا جاز ترك الجماعة لأجل البرد، كان فيه تنبيه على الوحل؛ لأنه ليس مشقة البرد بأعظم من الوحل). "الفروع" (٣/ ١٠٥ و١٠٦)، وهذا بنصه موجود في المخطوط لوح ١٧٢.
٣ - نقل كلام القاضي في مسألة: إقامة الجمعة في أكثر من موضع، فقال: (قال القاضي في الخلاف: إن من قال: لا تجوز في موضعين للحاجة، احتج بأنه لا تجوز في موضعين، قياسًا على الثلاثة. قال: والجواب: أن الخرقي أجاز ذلك من غير أن يختص ذلك بموضعين، ولم يمتنع أن تجوز في موضعين، ولا تجوز في ثلاثة مواضع؛ كصلاة العيد. وقد قيل: إن القياس يقتضي أن لا يجوز إلا في موضع واحد؛ لأنه لو جاز في موضعين، لجاز في سائر المساجد؛ كسائر الصلوات، ولجاز في سائر المواطن من السفر، والحضر؛ كسائر الصلوات، إلا أنا تركنا القياس في موضعين؛ لما ذكرنا من حديث علي - ﵁ -، وأنه أقام العيد في موضعين، وحكمها حكمُ الجمعة من الوجه الذي بيّنا). "النكت على المحرر" (١/ ٢٣٠)، وهو نص الكلام الموجود في التعليق لوح ٢٠٧.
[ ١ / ٦٦ ]
* ابن رجب - ﵀ - (^١) نقل كلام القاضي في مسألة الجمع بين الصلاتين للمرض، فقال: (وقد روى المروذي: أن أحمد احتجم بالعسكر، فما فرغ إلا والنجوم قد بدت، فبدأ بالعَشاء قبل الصلاة، فما فرغ حتى دخل وقت العِشاء، فتوضأ، وصلى المغرب والعشاء. قال القاضي في خلافه: يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مسافرًا … والثاني: أنه خاف على نفسه من تأخير العَشاء المرضَ). "فتح الباري" (٤/ ١٠٩ و١١٠)، وهذا موجود في لوح ١٧٣.
٤) - العبارات الواردة في المخطوط التي تدل - بلا شك - على أنه التعليق الكبير، من ذلك:
١ - قوله (في لوح ٥٤): [وروى شيخنا أبو عبد الله في كتابه، فقال: حدثنا ابن سلم …]، (وفي لوح ٦٣): [ذكره شيخنا …]، (وفي لوح ٧٥): [ما روى شيخنا …]، ومعروف أن أبا يعلى إذا أطلق لفظ: (شيخنا)، فمراده: الحسن بن حامد؛ وهذا مصطلحه الذي ظهر في كتبه؛ "كالروايتين والوجهين" (^٢).
_________________
(١) هو: أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين البغدادي ثمَّ الدمشقي، صاحب التصانيف المفيدة، من أئمة الحنابلة البارزين، من مؤلفاته: جامع العلوم والحكم، والقواعد الفقهية، وفتح الباري ولم يكمله، توفي - ﵀ - سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: المقصد الأرشد (٢/ ٨١)، والسحب الوابلة (٢/ ٤٧٤).
(٢) ينظر: الروايتين (١/ ٩٥، ١١٥، ٢٢٦، ٢٣٢، ٢/ ٢١، ٨١، =
[ ١ / ٦٧ ]
وكذلك مخطوط التعليق الكبير الذي حُقِّق - من قِبل الدكتورين: العمري، والدخيل - فإنه يورد هذه العبارات، ويريد بشيخنا: الحسن بن حامد.
ومما يؤكد ذلك: أن أحمد بن سَلْم - الوارد في السند الماضي - أحد شيوخ ابن حامد الذين يروي عنهم.
٢ - عبارة: [ونقلت من خط أبي إسحاق البرمكي عن شيخنا أبي عبد الله قال: وجدت في مسائل يعقوب بن بختان …] المخطوط لوح ٦٤، وأبو إسحاق البرمكي ممن صحب الحسن بن حامد، وعلَّق عنه (^١)، وهذا يفيد أن الناقل هو أبو يعلى.
هذه بعض الأمور التي تثبت أن الكتاب المحقق هو التعليق الكبير، ومن قرأ فيه، لم يخالجه الشك في صحة هذا الكلام، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) = ٨٣، ١٢٦، ٣/ ٨، ١٦، ٣٧، ٦٠).
(٢) ينظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٣٥٣).
[ ١ / ٦٨ ]