نشأ القاضي أبو يعلى في بغداد عاصمة الخلافة العباسية آن ذاك، تلك المدينة التي تزاحمت فيها حِلق العلماء، حتى أُطلق عليها: أم الدنيا، وسيدة البلاد (^١)، ففيها تربَّى، وتعلَّم - ﵀ -.
وقبل هذا، البيتُ الذي وُلِد فيه ونشأ فيه بيتُ علم ودين؛ فقد كان أبوه: أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الفراء رجلًا صالحًا فقيهًا، درس على مذهب أبي حنيفة - رحمهما الله - وأسند الحديث، توفي سنة ٣٩٠ هـ (^٢).
وكان جدّه لأمه: عبيد الله بن عثمان بن يحيى، أبو القاسم الدّقاق، المعروف بـ (ابن جَليقا) (^٣)، توفي - ﵀ - سنة ٣٩٠ هـ،
_________________
(١) ينظر: تاريخ بغداد (١/ ٤٥٦).
(٢) ينظر: تاريخ بغداد (٨/ ١٠٢)، وطبقات الحنابلة (٣/ ٣٦٣).
(٣) ضبطها غير واحد بـ (جنيقا)؛ كالخطيب في تاريخه (١٠/ ٣٧٧)، وجاء في المنتظم (١٥/ ٢٠): (قال أبو علي البرداني: قال لنا القاضي أبو يعلى: الناس يقولون: جنيقا - بالنون - وهو غلط، إنما هو: جليقا - باللام -).
[ ١ / ٢٩ ]
وهو: محدث ثقة (^١).
سمع القاضي أبو يعلى - ﵀ - الحديثَ، وهو في الخامسة من عمره سنة ٣٨٥ هـ (^٢).
توفي والده وهو في العاشرة من عمره، وكان وصيه رجلًا يعرف بـ (الحربي) يسكن بدار القز (^٣)، فنقل القاضي أبا يعلى إلى دار القز حيث يسكن، وفي دار القز مسجد يصلي فيه شيخ صالح، يعرف بـ (ابن مقدحة) المقرئ (^٤)، يقرئ القرآن، ويلقِّن من يقرأ عليه العبارات من "مختصر الخرقي (^٥) "، فلقّن القاضي أبا يعلى ما جرت عادته بتلقينه من العبارات، فاستزاده القاضي، فقال له: هذا القدر الذي أُحْسنه، فإن أردت زيادةً عليه،
_________________
(١) ينظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٧)، وطبقات الحنابلة (٣/ ٣٦٦).
(٢) ينظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٣٦٦)، ولم يكن - ﵀ - متخصصًا فيه، قال الذهبي: (لم يكن للقاضي أبي يعلى خبرة بعلل الحديث، ولا برجاله، فاحتج بأحاديث كثيرة واهية في الأصول والفروع؛ لعدم بصره بالأسانيد، والرجال). ينظر: تأريخ الإسلام (٣٠/ ٤٦٢).
(٣) قال ياقوت الحموي: (دار القز: محلة كبيرة ببغداد في طرف الصحراء، بين البلد وبينها اليوم نحو فرسخ). ينظر: معجم البلدان (٢/ ٤٢٢). والحربي: لم أقف على ترجمته.
(٤) لعله: علي بن مقدحة، أبو الحسن المقرئ، من أهل دار القز، كان زاهدًا، وله غنيمات يقتات منها. ولم أجد مزيدًا على هذا. ينظر: ذيل تاريخ بغداد لابن النجار (٤/ ١٢٠).
(٥) ستأتي ترجمته في (١/ ١٤٢).
[ ١ / ٣٠ ]
فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد؛ فإنه شيخ هذه الطائفة، ومسجده بباب الشعير (^١)، فمضى القاضي أبو يعلى إليه، وصحبه، وتتلمذ عليه إلى أن توفي ابن حامد - ﵀ - في سنة ٤٠٣ هـ.
وجلس القاضي أبو يعلى للتدريس مكان ابن حامد بأمره حينما ذهب إلى الحج سنة ٤٠٢ هـ، واستمر بعد وفاة ابن حامد، قال أبو بكر بن الخياط (^٢): سألت أبا عبد الله بن حامد، إمامَ الحنبلية في وقته عند خروجه إلى الحج في سنة ٤٠٢ هـ، فقلت: على من ندرس؟ وإلى من نجلس؟ فقال: على هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى (^٣).
ولأجل العلم رحل القاضي في تحصيله وطلبه، فمن رحلاته - ﵀ - في طلب العلم: أنه رحل إلى مكة، ودمشق، وحلب، وسمع الحديث من بعض المحدثين؛ كالحافظ عبد الرحمن بن أبي نصر - ﵀ - (^٤) في دمشق، وأبي نصر عبيد الله بن سعيد السجزي - رحمه
_________________
(١) محلة ببغداد فوق مدينة المنصور، ترفأ إليها سفن الموصل والبصرة. ينظر: معجم البلدان (١/ ٣٠٨).
(٢) هو: محمد بن علي بن محمد بن موسى الخياط المقرئ، البغدادي، قال ابن أبي يعلى عنه: (الشيخ الصالح، أحد الحنابلة الأخيار، … يُقْرأُ عليه القرآن والحديث في كل يوم في بيته)، توفي سنة ٤٦٧ هـ. ينظر: الطبقات (٣/ ٤٣٠)، والذيل على طبقات الحنابلة (١/ ١٦).
(٣) ينظر: الطبقات (٣/ ٣٦٤ و٣٦٥).
(٤) هو: أبو محمد، عبد الرحمن بن أبي نصر: عثمان بن القاسم بن معروف بن =
[ ١ / ٣١ ]
الله - (^١) في مكة، وتبادل الرسائل معه (^٢).
وممن سمع منه القاضي الحديث: أبو عبد الله الحاكم، صاحب "المستدرك" (^٣).
والسبب الذي لأجله لم يكثر القاضي من الرحلات في طلب العلم وتحصيله؛ أن بغداد في ذلك الوقت عامرة بالعلماء في شتى العلوم، والمكتبات مليئة بصنوف المؤلفات.
* * *
_________________
(١) = حبيب، التميمي الدمشقي، الملقب بـ (الشيخ العفيف)، قال الذهبي عنه: (الشيخ الإمام … مسند الشام)، توفي سنة ٤٢٠ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٦٦).
(٢) البكري السجستاني، قال الذهبي عنه: (الإمام العالم الحافظ المجود شيخ السنة)، له: الإبانة الكبرى في أن القرآن غير مخلوق، توفي سنة ٤٤٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٥٤).
(٣) ينظر: طبقات الحنابلة (٣/ ٣٦٧)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٩٠)، والمنهج الأحمد (٢/ ١١١).
(٤) ستأتي ترجمته في شيوخ أبي يعلى (١/ ٣٤).
[ ١ / ٣٢ ]